حاكموا آمنة على قراراتها… لا على راتبها

مهند عوض محمود
أثار ما نُشر عن راتب ومخصصات محافظ بنك السودان المركزي الأستاذة آمنة ميرغني جدلاً واسعاً، لكنه كشف أيضاً عن خلل متزايد في تعاطينا مع القضايا العامة: الانتقال من مناقشة السياسات إلى شخصنة الأمور، ومن مساءلة المسؤول عن قراراته إلى محاكمة شخصه.
من حق الصحافة أن تسأل عن راتب المحافظ، ومن حق المواطن أن يعرف من حدده، وبأي سند قانوني، وما إذا كانت المخصصات المتداولة صحيحة ومعتمدة. لكن لا يجوز تقديم الراتب وكأنه امتياز قررته آمنة لنفسها، ثم اتخاذه وحده دليلاً على فسادها أو فشلها.
وهكذا، بدلاً من مناقشة السياسة النقدية وحصائل الصادر والذهب، يصبح إيجار منزل المحافظ أهم من أداء البنك، وثمن ثوبها أكثر إثارة من سعر الصرف!
محافظ البنك المركزي لا يكتب عقد تعيينه ولا يحدد راتبه. فإذا كانت الأرقام المتداولة غير صحيحة، فعلى البنك نفيها. وإذا كانت المخصصات غير قانونية، فالمساءلة تبدأ من الجهة التي اعتمدتها. أما إذا كانت مجازة وفق القانون، فما ذنب المحافظ في تقاضي ما قررته لها الدولة؟ وهل المطلوب منها أن تطالب بتخفيض راتبها إرضاءً للرأي العام؟
البنك المركزي ليس مصلحة حكومية عادية. فهو يدير العملة الوطنية، ويراقب المصارف، ويشرف على النقد الأجنبي والذهب ونظم الدفع، ويتعامل موظفوه مع معلومات وقرارات قيمتها مليارات الدولارات. وفي الوقت نفسه، تستطيع المصارف والشركات الإقليمية والدولية استقطاب كفاءاته بأضعاف ما تدفعه الدولة.
لذلك تقوم فلسفة الأجور المرتفعة نسبياً في البنوك المركزية على جذب الكفاءات والاحتفاظ بها، وحماية استقلالها من تضارب المصالح والإغراءات، وتعويضها عن القيود المهنية التي تمنعها من ممارسة أعمال أخرى. لكن الأجر المرتفع يجب أن يقابله اختيار صارم، وأداء قابل للقياس، وشفافية ومحاسبة كاملة.
أما مقارنة راتب المحافظ براتب المعلم أو الطبيب أو الجندي، فهي مقارنة عاطفية مؤثرة، لكنها ليست معالجة اقتصادية. المشكلة ليست بالضرورة أن المحافظ تتقاضى كثيراً، بل أن هؤلاء يتقاضون أجوراً لا تكفي حياة كريمة. والعلاج لا يكون بتسوية الجميع في الفقر، وإنما بإصلاح الأجور وتحسين القوة الشرائية.
تولت آمنة ميرغني المنصب في أكتوبر 2025، في ظل حرب وانكماش اقتصادي ودمار واسع أصاب البنية المصرفية. ورغم قصر الفترة، تحققت في عهدها خطوات مؤسسية لا يجوز تجاوزها، أبرزها عودة بنك السودان المركزي إلى العمل من الخرطوم، بما مثّل خطوة مهمة نحو استعادة مركز الدولة المالي، وتهيئة الجهاز المصرفي للعودة إلى العاصمة، والانتقال التدريجي من إدارة اقتصاد الحرب إلى مرحلة التعافي.
كما تحقق إنجاز فني مهم باعتماد شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية EBS أول مكتب خدمة معتمد لشبكة «سويفت» في السودان، وواحداً من خمسة مكاتب فقط على مستوى الشرق الأوسط وأفريقيا، مع ربط 26 مصرفاً عبر بنيتها التحتية. ولا تقتصر أهمية هذا الاعتماد على جانبه التقني، بل تمتد إلى تعزيز أمن الرسائل والتحويلات المصرفية، ورفع مستوى الامتثال، ودعم جهود إعادة ربط المصارف السودانية بالنظام المالي الدولي.
وطرح البنك مشروع نظام المدفوعات الفورية القومي في مناقصة عامة للشركات المؤهلة، في خطوة تستهدف تسريع التحويلات، وتقليل الاعتماد على النقد، وتطوير الخدمات المصرفية الرقمية. كما وجّه المصارف إلى تحديث بيانات العملاء وتصنيف الحسابات وفق المتطلبات الرقابية وقواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهي إجراءات ضرورية لحماية أموال المودعين وتعزيز فرص استعادة علاقات المصارف السودانية بنظيراتها ومراسليها في الخارج.
وعلى المستوى الدولي، أعادت المحافظ تمثيل السودان في الاجتماعات المالية الكبرى، وخاطبت اجتماع صندوق النقد الدولي في واشنطن، مطالبة باستئناف مشاورات المادة الرابعة، واستعادة مسار إعفاء ديون السودان، وتقديم الدعم الفني والمالي لمرحلة التعافي.
هذه إنجازات مؤسسية شارك فيها فريق كامل، لكنها تحققت في عهدها، ومن الإنصاف تسجيلها كما نسجل أي إخفاقات أو ملاحظات على الأداء.
ولا يعني الدفاع عن آمنة ميرغني في قضية راتبها منحها حصانة من النقد؛ فمحافظ البنك المركزي يجب أن تكون سياساته وقراراته تحت رقابة الصحافة والرأي العام، لأنها تمس العملة والأسعار والقطاع المصرفي وحياة المواطنين.
لكن فلنحاسبها على ما فعلته ونتائج ما قررته، لا على راتب لم تحدده لنفسها. فالنقاش الذي يتناول السياسات بالأرقام يبني دولة، أما الذي يلاحق الأشخاص فيصنع ضجيجاً كثيراً… وحقيقة قليلة.



