الحوار السوداني ـ السوداني: من تهيئة المناخ إلى بناء المصالحة الوطنية

عادل الرفاعي أبوالحسن
يمثل إطلاق مسار الحوار السوداني ـ السوداني فرصة تاريخية للسودان، ليس فقط لإنهاء الحرب، و إنما لفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد.
و قبل الحديث عن الأجندة و القضايا، هناك ما هو أعمق: الأمانة التاريخية.
فهذه ليست لحظة سياسية عابرة، و إنما مسؤولية سيُسأل عنها المشاركون أمام السودان اليوم، و أمام الأجيال القادمة، و أمام التاريخ. و لذلك ينبغي أن يدخل الجميع إلى هذه اللحظة أولاً بصفتهم سودانيين، بعيداً عن الحسابات الحزبية و الفكرية و السياسية، و أن تكون مصلحة السودان هي المرجعية الأعلى.
فالمطلوب أن ينتصر السودان. و هذه هي الروح التي ينبغي أن تحكم الحوار، و التي ستحدد قدرته على إنتاج توافق حقيقي.
أولاً: حوار يعبر عن السودان
من أهم الأسس التي تستحق أن تُبنى عليها المرحلة أن تكون قاعدة الحوار أوسع من النخب السياسية، و أن تعبر عن السودان بكل فئاته و أجياله و قطاعاته و أقاليمه و اتجاهاته.
فإلى جانب القوى السياسية و المدنية، ينبغي أن يجد الشباب و المرأة، و الإدارات الأهلية، و المهنيون و الأكاديميون، و القطاع الخاص، و المجتمع المدني، و ممثلو الأقاليم و المجتمعات المحلية، مساحة حقيقية في هذا المسار.
كما ينبغي أن يكون للمتضررين من الحرب حضور مباشر، بما في ذلك النازحون و اللاجئون، و أسر الضحايا، و أسر الجرحى، و ذوو الإعاقة، و من فقدوا منازلهم أو ممتلكاتهم أو مصادر رزقهم..
فهؤلاء ليسوا مجرد متضررين من الحرب، و إنما شركاء أصيلون في صناعة السلام و في تحديد شكل المستقبل.
و لهذا فإن طريقة اختيار المشاركين لا تقل أهمية عن موضوعات الحوار نفسها. و ينبغي أن تقوم على معايير واضحة و متوازنة تراعي التنوع السياسي و المجتمعي و الجغرافي و المهني و العمري، و تتيح مختلف الرؤى و الخبرات، حتى تكون الطاولة معبرة عن السودان بأوسع صورة ممكنة.. فالحوار الذي نريده ليس حوار لجنة أو حزب أو تيار؛ إنه حوار السودان.
ثانياً: معالجة جذور الأزمة و بناء المصالحة
لا ينبغي أن يتوقف الحوار عند السؤال: كيف ننهي الحرب؟ بل ينبغي أن يفتح الباب للسؤال الأهم: لماذا اندلعت؟ و لماذا ظلت الأزمات و الحروب تتكرر في السودان؟
و هنا تبرز قضايا الدولة و المؤسسات، و إدارة التنوع، و العلاقة بين المركز و الأقاليم، و سيادة القانون، و العدالة، و الأمن و الدفاع، و التنمية المتوازنة، و توزيع الموارد، و إعادة الإعمار و استثمار موارد البلاد.
كما ينبغي أن تكون المصالحة الوطنية و المجتمعية جزءاً أصيلاً من المسار؛ فالحرب خلفت جروحاً و مرارات و انقسامات تحتاج إلى معالجة تعيد بناء الثقة و التعايش و التماسك الاجتماعي.
و ينبغي أن يستمع الحوار بصورة مباشرة إلى الذين عاشوا الحرب و دفعوا ثمنها، و أن يميز بوضوح بين الخلاف السياسي و المسؤولية الجنائية الفردية؛ فالموقف السياسي يجد مكانه في الحوار، بينما تخضع الجرائم الفردية للقانون.
ثالثاً: وضع القضايا الجوهرية على الطاولة
قد تكون القضايا كثيرة، لكن يمكن ترتيبها حسب الأولوية، و ما يحتاج منها إلى معالجة متخصصة يمكن أن يُحال إلى مسارات أو لجان متخصصة.
المهم ألا نعالج جزءاً من الأزمة و نترك أجزاءها الأخرى لتعود إلينا في المستقبل.. فالحرب ينبغي أن تكون لحظة مراجعة شاملة، نضع فيها القضايا الجوهرية على الطاولة، و نعالجها بالعقل و التوافق، حتى لا نخرج من حرب لنجد أنفسنا أمام أزمة جديدة.. فنحن لا نريد أن نخرج من الحرب إلى هدنة مؤقتة؛ نريد أن نخرج منها إلى مرحلة جديدة.
رسالة إلى اللجنة التحضيرية و من اختارها
مسؤولية اللجنة في هذه المرحلة هي وضع الأسس التي تمكن السودانيين من الوصول إلى توافق حقيقي بأنفسهم.. و من هنا تأتي أهمية اتساع قاعدة المشاركة، و تنوعها، و التوازن في الاختيار، و الانفتاح على مختلف الرؤى، و الاستماع الحقيقي إلى المجتمع.
و المطلوب عقل منفتح يتيح للسودانيين أن يصنعوا توافقهم بأنفسهم، و أن تكون عملية الاختيار و إدارة الحوار بعيدة عن الشللية أو التحزب أو تغليب اتجاه على آخر.
فهذه فرصة أكبر من أي مجموعة أو حزب أو تيار، و أمانتها تتطلب أن تكون الطاولة معبرة عن السودان نفسه.
روح المتحاورين هي التي تنتج مخرجات الحوار، و ليس العكس.. و كلما كان المشاركون أكثر تجرداً و تسامياً فوق المرارات، و أكثر استعداداً لتقديم مصلحة السودان، زادت فرص أن ينتج الحوار توافقاً حقيقياً يمكن أن يبني عليه السودانيون مرحلة جديدة.
رسالة إلى أصحاب القرار: اغتنام اللحظة
إذا نجح الحوار في خلق روح من التوافق و التسامح و التسامي و الانتصار للوطن، فلا ينبغي أن تنتهي هذه الروح بانتهاء جلساته أو صدور توصياته.
و هنا يمكن، إذا رأى السودانيون و أصحاب القرار أن الظروف و الوقت مناسبان، أن تُستثمر هذه الروح في خطوة أوسع: إعداد رؤية و استراتيجية وطنية شاملة للسودان تمتد من ثلاثين إلى خمسين عاماً، تنبثق فكرتها من التوافق الذي يصنعه الحوار، و تُترك تفاصيل إعدادها و آلياتها لمرحلة لاحقة.
ليست المقصود بها برنامج حكومة أو مشروع حزب، و إنما رؤية وطنية طويلة المدى تحدد اتجاه السودان في بناء الدولة و المؤسسات، و التنمية و الاقتصاد، و التعليم و الصحة، و الزراعة و الثروة الحيوانية، و الصناعة و التعدين و الطاقة، و البنية التحتية، و استثمار الموارد و غيرها من مقومات النهضة.
و الغاية أن تتوقف البلاد عن البدء من الصفر مع كل أزمة أو تغير سياسي، و أن يتحول التوافق الذي يمكن أن يولده الحوار إلى اتفاق وطني على مستقبل السودان نفسه.
لقد رأى السودانيون كلفة الخيار الآخر.. و لهذا فإن هذه اللحظة تستحق أن تُستثمر بإرادة و يقين راسخين: نضع القضايا على الطاولة، نرتبها حسب الأولوية، نعالجها بالعقل و التوافق، ثم نبني على هذا التوافق دولة و مجتمعاً أكثر تماسكاً و استقراراً و قدرة على النهوض.
السودان أولاً، و ثانياً، و ثالثاً.
و إذا أحسن السودانيون اغتنام هذه الفرصة، فقد تكون هذه الحرب، بكل مآسيها، نقطة التحول التي خرج منها السودان أكثر تماسكاً، و أكثر وعياً بأسباب أزماته، و أكثر قدرة على بناء مستقبله.



