تقارير

الحوار السوداني من الداخل.. اختبار الإرادة الوطنية في مواجهة الاستقطاب الخارجي

القاهرة- المحقق- صباح موسى

تتجه الأنظار هذه الأيام إلى اللجنة التيسيرية للحوار السوداني من الداخل، باعتبارها إحدى المحاولات الرامية إلى فتح مسار سياسي يضع السودانيين في قلب عملية البحث عن مخرج للأزمة، بعيدا عن الاستقطاب الإقليمي والدولي وتعدد المبادرات التي لم تنجح حتى الآن، في إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات.

رؤية وطنية:

ولا تتوقف المهمة التي تواجه اللجنة عند جمع القوى السياسية والمجتمعية حول طاولة واحدة، وإنما تمتد إلى اختبار قدرة السودانيين على إدارة خلافاتهم بأنفسهم، وصياغة رؤية وطنية تضع حدا للحرب وتمهد لمرحلة سياسية جديدة، في ظل تعقيدات داخلية وتدخلات خارجية جعلت الأزمة السودانية واحدة من أكثر الملفات الإقليمية والدولية تعقيدا.

وتحمل اللجنة على عاتقها مهمة شديدة التعقيد، تبدأ بتوسيع قاعدة المشاركة لتشمل القوى السياسية والمجتمعية والشباب والمرأة والإدارات الأهلية والنخب، ولا تنتهي بوضع تصورات قابلة للتنفيذ بشأن وقف الحرب، وترتيبات ما بعد النزاع، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وصولا إلى تأسيس عملية سياسية تستند إلى الإرادة السودانية، لا إلى موازين القوى أو الضغوط الخارجية، إلا أن الطريق أمام هذا الحوار ليس ممهدا، إذ تواجه اللجنة اعتراضات من قوى سودانية موجودة في الخارج، ترى أن الحوار الداخلي في ظل الحرب لا يوفر الشروط الكافية لعملية سياسية شاملة، بينما يرى مراقبون أن رفض بعض هذه القوى للحوار لا يعدو أن يكون محاولة لإفشاله، لعدم الاعتراف بشرعية الحكومة والقوات المسلحة، ولخشيتها من أن يؤدي الحوار الداخلي إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي بعيدا عن القوى الموجودة خارج البلاد.

اختبار حقيقي:

في المقابل يرى مؤيدو المسار الداخلي أن استمرار انتظار التوافق خارج السودان يعني إبقاء القرار السياسي رهينة للمؤتمرات واللقاءات الخارجية، وأن أي سلام مستدام لن يكتب له النجاح ما لم يجد طريقه إلى المجتمع السوداني نفسه، ويشارك فيه السودانيون بمختلف مكوناتهم وقواهم الاجتماعية والسياسية، ومن هنا تبدو أهمية الحوار الداخلي أكبر من مجرد كونه لقاء بين القوى السياسية، فهو اختبار حقيقي لفكرة امتلاك السودانيين لقرارهم الوطني، وقدرتهم على إنتاج توافق يتجاوز الاصطفافات الحالية.

وبين من يرى في الحوار فرصة لإعادة بناء الجسر بين مكونات المجتمع، ومن يتخوف من تحوله إلى مسار لإعادة إنتاج الأزمة، تبقى المهمة الأساسية أمام اللجنة هي إثبات أن الحوار يمكن أن يكون وسيلة لإنهاء الحرب، لا ساحة جديدة لتدوير الأزمة.

لجنة الحوار:

وتأتي اللجنة التيسيرية للحوار السوداني في قلب هذا الاختبار المهم، بعدما بدأت تحركها في الخرطوم بهدف تهيئة المناخ وإجراء المشاورات مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، تمهيدا لوضع رؤية للحوار الشامل، وتضم اللجنة 19 شخصية، وتؤكد أنها تسعى إلى حوار مستقل ومفتوح أمام مختلف القوى، مع الحصول على ضمانات قانونية وسياسية وأمنية لتوفير بيئة تسمح بمشاركة الأطراف المختلفة، غير أن الطريق إلى الحوار لا يزال محفوفا بالتحديات، في ظل إعلان قوى مدنية وسياسية بالخارج رفضها للمسار، معتبرة أن إجراء الحوار في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش وتحت مظلة الدولة القائمة لا يوفر، من وجهة نظرها، شروط الحياد الكافي، وطالبت بأن يسبق الحوار وقف إطلاق النار ومسار سياسي مستقل.

ويرى مراقبون أن هذه القوى لا تريد حوارا يشارك فيه السودانيون بمختلف مكوناتهم، بقدر ما تريد صيغة تمنحها وحدها حق الحديث باسم القوى المدنية والشعب السوداني، ولذلك يصبح الحوار من داخل السودان، وبمشاركة القوى الموجودة على الأرض، تحديا لمشروعها السياسي.

ضرورة واختلاف:

وفي المقابل، يظل الحوار من الخارج أكثر ملاءمة لهذه القوى، لأنه يتيح لها الاحتفاظ بدور الممثل السياسي دون اختبار حقيقي أمام الشارع السوداني والقوى الموجودة في الداخل، وهنا تبدأ المفارقة في المشهد السوداني، فالسودانيون جميعا يتحدثون عن ضرورة الحوار، لكنهم يختلفون حول من يدعو إليه، وأين يعقد، ومن يشارك فيه، وما الذي يجب أن يسبقه، فبينما ترى قوى الداخل أن استمرار الحرب لا ينبغي أن يكون مبررا لتعطيل الحوار، ترى قوى أخرى أن الحوار في ظل الحرب قد يتحول إلى عملية سياسية ناقصة، أو إلى وسيلة لإعادة إنتاج موازين القوى القائمة.

مسؤولية مزدوجة:

وتكمن أهمية هذه المهمة في أن نجاح الحوار لن يقاس بعدد المشاركين، وإنما بقدرته على إنتاج توافق قادر على التعامل مع جذور الأزمة، ولذلك فإن اللجنة أمام مسؤولية مزدوجة، إقناع الداخل بأن الحوار ليس إقصاء لأحد، وإقناع الخارج بأن الحوار ليس مجرد مسار سياسي لإعادة ترتيب السلطة، كما أن نجاح اللجنة يتطلب توسيع مفهوم المشاركة، بحيث لا يقتصر على الأحزاب والقوى السياسية التقليدية، وإنما يشمل الإدارات الأهلية والنقابات والمرأة والشباب والمجتمع المدني والمثقفين والأكاديميين والقوى الاجتماعية التي ظلت خارج دائرة صناعة القرار.

ويظل السؤال الأكثر أهمية في هذه المرحلة ليس فقط: هل سينجح الحوار؟ وإنما هل يستطيع أن يصبح حواراً سودانيا فعليا؟، وفي النهاية، فإن نجاح لجنة الحوار لن يقاس فقط بقدرتها على عقد مؤتمر، وإنما بقدرتها على الإجابة عن السؤال الأصعب: هل تستطيع أن تجمع السودانيين المختلفين حول مصلحة السودان، أم أن الانقسامات السياسية ستنجح مرة أخرى في تحويل الحوار من وسيلة لإنهاء الأزمة إلى أزمة جديدة؟

ترتيبات للحوار:

من جانبه قال الدبلوماسي والباحث في القضايا الإقليمية والدولية السفير عبدالمحمود عبدالحليم لـ “لمحقق” إن جميع النزاعات الأفريقية أخذت زمنا طويلا، وفي النهاية حدث الحوار السياسي، وأفضى في عدد من الحالات إلى السلام، مؤكدا أن السودان ليس بمعزل عن هذه التجارب، مضيفا مع تحقيق انتصار للجيش لابد من ترتيبات لحوار وحل سياسي، وتابع أن اللجنة أحسنت عندما أعلنت أنها لجنة “تحضيرية” هدفها تهيئة الأجواء، متوقعاً ألا تكون مهمة اللجنة “للعبور” أو سريعة، وإنما ستحتاج إلى وقت حتى تنضج الحلول السياسية لهذه الحرب اللعينة.

عوامل سلبية:

وأشار عبدالمحمود إلى وجود عاملين سلبيين أمام الحوار الداخلي، أولهما أن السودانيين فقدوا الثقة في الحلول السودانية، والثاني أن مصالح الدول الخارجية أصبحت تؤثر بشكل كبير على المشهد السوداني، وقال إن الرباعية تنظر ماذا تريد من السودان، وليس ماذا يريد السودانيون، معتبرا أن هذا العامل يمثل تحديا حقيقيا أمام أي عملية سياسية سودانية.

عامل ايجابي:

في المقابل رأى عبدالمحمود أن هناك عاملا إيجابيا للحوار الداخلي، يتمثل في أنه غيّر المزاج السوداني باتجاه البحث عن الحوار، مؤكدا أن هذه “نقلة نوعية مهمة” في مسار الأزمة، وقال لا أتوقع أن تنتهي عملية الحوار الداخلي بين يوم وليلة، مشددا على ضرورة العمل لتأسيس سودان ما بعد الحرب، ومحذرا من الدخول في محاصصات سياسية حتى لا تصبح هذه المحاصصات “عنوانا عريضاً لحرب قادمة”، مؤكدا أن المطلوب هو الوصول إلى سلام مستدام، وليس مجرد تسوية مؤقتة تنهي العمليات العسكرية ثم تعيد إنتاج أسباب الصراع في شكل جديد.

ثغرات للتدخل:

ورأى عبدالمحمود أن رفض القوى السودانية الموجودة في الخارج سيؤثر على سير عملية الحوار من الداخل، مشيرا إلى أن هناك فئات تحتمي بهذه الأطراف الخارجية، مضيفا أن السودانيين فقدوا إرادتهم الداخلية، معتبرا أن العامل الخارجي يجب أن يكون واحدا من محاور الحوار، وأن تتم مناقشة السؤال المتعلق بما يمكن للسودانيين فعله تجاه هذا العامل، حتى لا تُترك ثغرات تسمح للأطراف الخارجية بالتدخل في الشأن السوداني، لافتا إلى أن بعض ردود الأفعال المعارضة للحوار تعبر عن الأطراف الخارجية أكثر من تعبيرها عن رأي أصحابها، وهو ما يستدعي، بحسب رؤيته، التعامل مع البعد الخارجي باعتباره جزءا من الأزمة التي يجب بحثها داخل الحوار نفسه.

مهمة وطنية:

ودعا عبد المحمود أعضاء لجنة الحوار إلى إدراك أن مهمتهم وطنية تعلو على الميول الشخصية، مطالبا إياهم بنسيان أي انتماءات سابقة والعمل باعتبارهم مسؤولين عن مهمة تتجاوز الاصطفافات السياسية، كما نصح أعضاء اللجنة بألا يستعجلوا الظهور الإعلامي أو الحديث قبل نضج الأمور، وأن يبتعدوا عن “الوجاهة الاجتماعية” التي يمكن أن تربك الساحة السياسية وتؤثر على مسار الحوار، مشددا على ضرورة دراسة التجارب العالمية المختلفة، وخاصة التجارب الأفريقية في الحوارات السياسية وحل النزاعات، مستشهداً بتجارب جنوب أفريقيا وسيراليون وليبيريا، إلى جانب تجارب سريلانكا وكولومبيا، مؤكدا أن دراسة هذه التجارب لا تعني نسخها كما هي، وإنما الاستفادة من أدواتها وأسباب نجاحها وإخفاقها، وتكييفها بما يتناسب مع خصوصية الحالة السودانية، كما دعا اللجنة إلى توجيه رسائل واضحة إلى المجتمع الدولي، هدفها إعطاء فرصة لـ”الملكية السودانية” للحوار، ودفع المجتمع الدولي إلى دعم فكرة الحلول السودانية وعدم فرض مسارات سياسية من الخارج، ونصح أعضاء اللجنة بألا يستعجلوا النتائج، وأن يعملوا بهدوء وصبر، باعتبار أن بناء التوافق في بلد أنهكته الحرب والانقسامات يحتاج إلى وقت وإلى قدر كبير من المرونة السياسية.

اللجنة تطوعية:

من جهته أوضح رئيس تحرير صحيفة التيار عثمان ميرغني أن اللجنة تطوعية تكونت من ذاتها، وأن مهمتها تقتصر على تهيئة الأجواء لحوار سوداني ـ سوداني، وقال ميرغني عضو لجنة الحوار لــ”المحقق”، إن الحوار يسير في مسارين، سياسي ومجتمعي، دون إقصاء أو استثناء لأي من القوى والمكونات المجتمعية، مضيفا أن الحوارات الجارية في هذه المرحلة تهدف إلى تحقيق التوافق بين المكونات السياسية والمجتمعية حول تفاصيل مؤتمر الحوار، بما في ذلك طبيعة المؤتمر والأطراف المشاركة فيه وأجندته، مؤكدا أن كل القوى السياسية والمجتمعية هي التي تحدد أجندة الحوار والأطراف المشاركة ولجنة إدارة الحوار، مشددا على أن مهمة اللجنة الحالية لا تتجاوز تهيئة الأجواء اللازمة للوصول إلى هذه المرحلة، وقال ميرغني بوضوح “مهمتنا فقط تهيئة الأجواء للحوار”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى