عن كهرباء مروي وكهرباء الفولة.. حين تصبح الحقيقة المبتورة تغبيشاً للوعي العام

عادل الرفاعي أبوالحسن
هناك فرق بين صحة الجملة، و صحة الرواية التي تُبنى عليها.. فالمعلومة قد تكون صحيحة في ذاتها، لكن اقتطاعها من سياقها، أو حذف أسبابها، أو بتر جزء منها و عدم إيرادها كاملةً قد يقود إلى استنتاج مختلف عن الحقيقة الكاملة. و كلما تعلق الأمر بتاريخ الدولة و مشروعاتها القومية، أصبحت أمانة الرواية جزءاً من أمانة المسؤولية العامة.
من هنا تأتي أهمية التوقف عند حديث المهندس عادل علي إبراهيم، وزير الطاقة و التعدين في حكومة عبد الله حمدوك، ضمن «بودكاست السودان 360»، عندما تناول موضوع الكهرباء، و تحدث عن محطة الفولة، ثم انتقل إلى سد مروي ؛ والمقصود هنا ليس الحكم على نية الرجل، و لا اتهامه بالكذب؛ فقد يكون مقتنعاً تماماً بما قاله. لكن السؤال المهني هو: هل اكتملت الرواية؟
الفولة و مروي: أين تبدأ العلاقة؟
عند الحديث عن محطة كهرباء الفولة، أشار الوزير إلى أهميتها، و إلى توفر الغاز، و إلى انخفاض تكلفة التوليد، ثم انتقل إلى سد مروي، و ربط إلغاء مشروع الفولة بدخول محطة كهرباء مروي، على أساس أن المخططين اعتقدوا أن إنتاج مروي سيكون كافياً، و لم يضعوا في حسابهم الزيادة المستقبلية في الطلب على الكهرباء؛ وهنا يجب التفريق بين التزامن و السببية.
فكون حدثين وقعا في فترة متقاربة لا يثبت أن أحدهما تسبب في الآخر، و إذا كان القول إن سد مروي هو الذي أدى إلى إلغاء مشروع الفولة، فالسؤال المنهجي البسيط هو: أين الوثيقة التي تثبت ذلك.. وهل يوجد قرار رسمي .. أو محضر اجتماع..
أو مراسلات بين الجهات المختصة.. أو دراسة تخطيطية تقول بوضوح إن مشروع الفولة أُلغي بسبب دخول سد مروي؟
هذه ليست أسئلة جدلية؛ إنها قواعد أساسية عندما ننتقل من سرد الوقائع إلى تفسير أسبابها.
قصة الفولة كاملة:
كانت محطة كهرباء الفولة مشروعاً كبيراً بقدرة تقارب 405 ميغاواط، بهدف دعم إمداد الكهرباء في كردفان و دارفور و ربطهما بالشبكة القومية؛ لكن المشروع واجه عقبات تمويلية، و توقف العمل فيه منذ عام 2011، و جرت محاولات لإحيائه، ثم أُلغي رسمياً في عام 2018، قبل أن يُعاد إدراجه ضمن مشروعات الحكومة الانتقالية في عام 2019.
إذن، نحن أمام مسار طويل من الأحداث و القرارات و العقبات. وعندما نذكر الفولة ثم ننتقل مباشرة إلى مروي، و نقدم العلاقة بينهما باعتبارها سبباً و نتيجة، فإن المستمع قد يخرج بانطباع أن مروي كان السبب المباشر في إلغاء الفولة.
وهنا يعود السؤال: إذا كان الحديث عن الفولة، فلماذا لا تُروى قصة الفولة كاملة؟
فالرواية المهنية تقتضي أن نذكر تاريخ المشروع، و ظروفه، و العقبات التي واجهته، و القرارات التي اتُخذت بشأنه، ثم نحدد بدقة موقع سد مروي في هذه القصة.
هذه المسألة أوسع من الفولة و مروي؛ و التاريخ يقدم لنا مثالاً بالغ الدلالة في قضية الخليفة الراشد عثمان بن عفان، ذو النورين ؛ فمن هو عثمان رضي الله عنه الذي جرى الطعن في دينه و أهليته؟
هو الخليفة الراشد، ذو النورين، أحد العشرة المبشرين بالجنة، و الرجل الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم:
«ألا أستحيي من رجل تستحي منه الملائكة». و هو عثمان الذي تزوج ابنتي رسول الله صلى الله عليه و سلم، رقية ثم أم كلثوم رضي الله عنهما، فسُمي ذا النورين.
وفي سياق تحرك الخوارج في ذلك الزمن لتهيئة المشهد السياسي ضد الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، و سعياً منهم إلى عزله عن الخلافة، استخدموا دعاوى و معلومات جرى اقتطاعها من سياقها، ثم بُنيت عليها أحكام أكبر من حقيقتها. ومن أبرز ما روجوا له أن دين عثمان رضي الله عنه ناقص، و استندوا إلى جملتين تبدوان في ظاهرهما قائمتين على واقعتين صحيحتين: أنه لم يشهد بدراً، و لم يحضر بيعة الرضوان.
لكن عند اكتمال الخبر (المعلومة)، يتضح المشهد تماماً، فأما عدم شهوده بدراً، فكانت زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم، مريضة، و كان عثمان قد تجهز للخروج مع المسلمين إلى بدر، فأمره رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يبقى معها، و أن يقوم على رعايتها. و قد احتسب له النبي صلى الله عليه و سلم أجر من شهد بدراً و سهمه.
و أما عدم حضوره بيعة الرضوان، فكان لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم أرسله إلى مكة لمخاطبة قريش و التفاوض معها. و عندما تأخر عثمان، انتشرت شائعة أن قريشاً قتلته، فكانت بيعة الرضوان. و بايع عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم، و قال: «هذه يد عثمان»، و ضرب بإحدى يديه على الأخرى.
هنا تتضح خطورة الحقيقة المبتورة: المعلومة المجردة قد تكون صحيحة، لكن اكتمال الخبر يكشف السبب، و يوضح الصورة، و يكشف كيف يمكن أن تُستخدم الحقيقة الجزئية لصناعة صورة كاملة مغايرة للحقيقة.
و ماذا عن سد مروي؟
أما سد مروي، فإن اختزاله في محطة كهرباء واحدة يختزل مشروعاً قومياً متكاملاً في جزء واحد منه؛ فقد كان مروي مشروعاً تنموياً كبيراً ارتبط بالتوليد، و شبكات النقل، و البنية التحتية، و مشروعات مصاحبة، و آثار اقتصادية و تنموية واسعة. و بلغت قدرته التوليدية نحو 1250 ميغاواط من خلال عشر وحدات توليد.
والأهم أن إدخال هذه القدرة الكبيرة إلى الشبكة القومية لم يكن عملية تشغيل عادية. فقد كانت هناك فجوة تقنية بين منظومة التوليد الحديثة التي جاء بها سد مروي و بين بنية الشبكة القائمة في ذلك الوقت؛ والتحدي كان يتمثل في تحقيق التكامل بين منظومة حديثة متقدمة، و منظومة قائمة بتقنيات و تجهيزات أقدم، بما يتطلبه ذلك من توافق بين أنظمة التحكم و الحماية و التشغيل، و معالجة دقيقة للفوارق الفنية، و ضمان استقرار الشبكة.
و مع ذلك، تمكن مهندسو الكهرباء و الفنيون و الكوادر الوطنية من إنجاز عملية التكامل و إدخال التوليد إلى الشبكة بمهنية عالية، و في وقت قصير، و بتكلفة محسوبة، وهذا المثال وحده يكشف حجم المهنية و الحرفية و الجاهزية و الخبرة التي كانت تتمتع بها كوادر قطاع الكهرباء في السودان.
فالنجاح هنا لم يكن مجرد تشغيل وحدات توليد جديدة؛ بل كان نجاحاً في دمج تكنولوجيا متقدمة داخل منظومة قائمة، و تحويل تحدٍ هندسي حقيقي إلى عملية تشغيل مستقرة و ناجحة، و هذه ليست تفصيلة فنية هامشية. إنها شهادة عملية على كفاءة المهندس و الفني السوداني، و على قدرة المؤسسات الوطنية على استيعاب التكنولوجيا و التعامل معها حتى في ظل اختلاف مستويات التجهيز و البنية القائمة.
كما جرى الحفاظ على عدد كبير من الكوادر الوطنية، و تدريبها، و إرسالها إلى دورات متقدمة في ألمانيا و غيرها. و واصل بعض هذه الكفاءات مسيرته المهنية في مشروعات كبرى، و أسهم بعضهم في أعمال مرتبطة بسد النهضة الإثيوبي، و تولى آخرون مواقع قيادية في قطاعات الكهرباء و الطاقة في دول إفريقية و غيرها.
وهنا يجب أن نفرق بين الخلاف السياسي و التقييم المهني، فالنظام السياسي يتغير، و الحكومات تتغير، لكن المؤسسة تبقى، و الخبرة الوطنية تبقى، و الإنجاز المهني لا يتحول إلى خطأ لمجرد أنه تحقق في عهد سياسي نختلف معه، والدول أكبر من الحكومات، و المؤسسات أكبر من الانتماءات السياسية، و الكفاءة الوطنية لا تحمل بطاقة حزبية.
هل كانت مروي نهاية الحاجة إلى التوليد؟
القول إن مروي وفرت احتياجات السودان المستقبلية إلى درجة جعلت مشروعات أخرى غير ضرورية يحتاج هو أيضاً إلى مراجعة، فالطلب على الكهرباء يتغير مع السكان، و الصناعة، و الزراعة، و التوسع العمراني، و التنمية الاقتصادية، ولهذا جاءت بعد مروي مشروعات توليد أخرى، من بينها وحدات غازية نفذتها شركة سيمنس بإجمالي يقارب 850 ميغاواط، منها ثلاث وحدات في قري و وحدتان في بورتسودان، وهذا يؤكد أن التخطيط للكهرباء عملية مستمرة، و أن منظومة الطاقة تحتاج إلى التوسع و تنويع مصادر التوليد بما يتناسب مع نمو الطلب.
من نقد القرار إلى أمانة الرواية:
من حق أي مسؤول سابق أو حالي أن ينتقد قراراً اتخذ في مرحلة سابقة، و من حق الباحث و الصحفي و المواطن أن يسألوا عن أسباب نجاح مشروع أو تعثره؛ لكن عندما يتحول النقد إلى رواية تاريخية سببية، يصبح الدليل ضرورياً.
هناك فرق بين أن نقول: «جاء مروي في مرحلة كان فيها مشروع الفولة متعثراً.» و بين أن نقول: «أُلغي الفولة لأن مروي جاء، و لأن المخططين اعتقدوا أن مروي يكفي.» الأولى تصف تزامناً، أما الثانية فتقرر علاقة سببية تحتاج إلى إثبات و وثيقة، وهنا يكون السؤال مشروعاً:
أين الوثيقة التي تثبت أن سد مروي هو الذي ألغى مشروع الفولة؟
إن وُجدت الوثيقة، فلتُعرض، و ليُناقش مضمونها، و إن كان الأمر استنتاجاً أو قراءة شخصية، فالأمانة المهنية تقتضي تقديمه بهذه الصفة.
أمانة المعلومات و ذاكرة الدولة:
المسؤول السابق يغادر المنصب، لكنه لا يغادر ذاكرة الدولة، فهو يحمل معه معرفة بقرارات و مشروعات و دراسات و اجتماعات و أزمات و حلول، و هذه المعرفة أمانة عامة؛ والمعلومات التي عرفها المسؤول بحكم موقعه جزء من ذاكرة الدولة، و ليست ملكاً شخصياً، و لا ملكاً لحكومة أو حزب.
ولهذا فإن المسؤول الحالي أو السابق حين يروي تاريخ مشروع قومي، تقع عليه مسؤولية أن يفرق بين ما يعرفه، و ما يستنتجه، و ما يملك عليه دليلاً، فالحقيقة لا تُقاس بصحة الجملة وحدها، بل بأمانة السياق الذي توضع فيه.
كلمة أخيرة:
السودان يحتاج اليوم إلى قراءة ترفع مستوى النقاش العام، و تحترم عقل المواطن، و تحفظ للمؤسسات و الكفاءات الوطنية مكانتها.. نحتاج إلى نقد القرارات، لكن نحتاج معه إلى توثيقها.
و نحتاج إلى تقييم المشروعات، لكن من خلال عرض الصورة الكاملة، و نحتاج إلى مراجعة التجارب السابقة، لكن من دون أن نخلط بين الخلاف السياسي و الحقيقة المهنية، أو بين الحكومة و الدولة، أو بين المعلومة و الرواية، فالمعلومة شيء، و الرواية شيء آخر، و صحة الجملة لا تعني بالضرورة صحة الاستنتاج المبني عليها.
إن رجل الدولة الحقيقي يعرف أنه لا يملك كل الحقيقة؛ بل يحمل أمانة ما يعرفه منها، و هنا تحديداً تصبح الحقيقة المبتورة تغبيشاً للوعي و للرأي العام.



