رأي

مبادرات مكافحة الفساد بين المتطلبات السياسية والالتزام المؤسسي: دراسة تحليلية لتجربة لجنة إزالة التمكين في السودان

 

هبه محمود صادق فريد

بعد أن تضع الحرب أوزارها، لن يكون التحدي أمام السودان مقتصراً على إعادة بناء ما دمرته الحرب من بنية تحتية ومؤسسات وخدمات، إذ تمتد المهمة إلى إعادة بناء الدولة ذاتها بقطاعاتها الثلاثة، وإصلاح الاختلالات التي أضعفت قدرتها على أداء وظائفها وحماية المجتمع. فقد كشفت الحرب، إلى جانب الدمار المادي والإنساني، عن هشاشة مؤسسية عميقة، ومخاطر تركيز السلطة، وتسييس مؤسسات الدولة، وضعف نظم الرقابة والمساءلة. وهي اختلالات تجعل العودة إلى أنماط الإدارة السابقة أمراً ينطوي على مخاطر إعادة إنتاج الأزمات نفسها، حتى مع استعادة المؤسسات لنشاطها.

ومن هنا، تبرز مسألة جوهرية تتجاوز إعادة الإعمار إلى تحديد طبيعة الدولة التي يسعى السودانيون إلى بنائها: هل ستكون دولة تستمر فيها أنماط الفساد والتمكين وتدوير النفوذ، أم دولة مؤسسات تحكمها سيادة القانون، والكفاءة، والشفافية، والمساءلة، وتكافؤ الفرص؟ تتطلب الإجابة وضع الإصلاح المؤسسي الحكومى في صميم المشروع الوطني لبناء الدولة، باعتباره أساساً للاستقرار والسلام والتنمية، ومدخلاً لاستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات العامة.

وفي هذا الإطار، تمثل مكافحة الفساد أحد المكونات الأساسية لإعادة تأسيس الدولة على قواعد النزاهة، وإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع والمال العام. ويتطلب ذلك بناء منظومة مؤسسية متكاملة قادرة على الوقاية من الفساد، وكشف ممارساته، والتحقيق فيها، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق إجراءات قانونية عادلة ومستقلة. وتشمل هذه المنظومة القضاء والنيابة وأجهزة الرقابة، إلى جانب إصلاح الخدمة المدنية، وتعزيز الشفافية في إدارة المال العام والمشتريات الحكومية والتعيينات. وتكمن أهميتها في معالجة الظروف المؤسسية التي تتيح استغلال السلطة لتحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية خاصة، مع ضمان خضوع جميع المسؤولين للقواعد القانونية ذاتها.

غير أن نجاح الإصلاح المؤسسي لا يتوقف على إصدار التشريعات أو إنشاء الأجهزة الرقابية، إذ تظل فعالية هذه التدابير مرهونة بمدى استقلال المؤسسات وقدرتها على ممارسة اختصاصاتها بعيداً عن التدخل السياسي والنفوذ الشخصي. ولذلك، يحتاج بناء الدولة إلى إرادة سياسية تحترم حدود السلطة، وثقافة عامة تؤمن بالمصلحة العامة، وممارسات إدارية تجعل المساءلة قاعدة للحكم لا أداة لتصفية الخصوم. وهذه عملية تراكمية تتطلب وقتاً واستمرارية، لأن الثقة في المؤسسات تُبنى من خلال التطبيق المتسق للقانون، والعدالة في إنفاذه، والقدرة على تصحيح الانحرافات دون انتقائية.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تفترض الورقة أن مواجهة الفساد والتمكين في السودان تتطلب معالجة البنية المؤسسية والقواعد التي أتاحت تركيز السلطة وتوظيف موارد الدولة لخدمة المصالح السياسية والاقتصادية الخاصة. وفي هذا السياق، تتناول تجربة لجنة إزالة التمكين بوصفها دراسة حالة لفهم إمكانات التدخلات الاستثنائية وحدودها، وتحليل التحديات القانونية والمؤسسية والسياسية التي واجهتها، واستخلاص الدروس اللازمة لتطوير مقاربة أكثر استدامة لحماية الدولة من إعادة إنتاج التمكين.

إن السودان بعد الحرب يحتاج إلى مشروع وطني للنزاهة والإصلاح المؤسسي يعيد تأسيس الحكم على سيادة القانون، ويضمن استقلال المؤسسات، ويعزز كفاءة الإدارة العامة، ويخضع استخدام السلطة والموارد للمساءلة المجتمعية والقانونية. وتتمثل القيمة الأعمق لتجربة إزالة التمكين في ما يمكن أن تقدمه من دروس لبناء نظام مؤسسي يمنع نشوء التمكين مجدداً، بدلاً من الاكتفاء بملاحقة مظاهره بعد وقوعها. فالمستقبل الذي يستحقه السودان يقوم على دولة تكون فيها القواعد أقوى من الأشخاص، والقانون مرجعاً للجميع، والمصلحة العامة أساساً لممارسة السلطة وإدارة الموارد.

التناقض بين الاستثنائي والمؤسسي:

1. معضلة الاستجابة السياسية والميل نحو تصفية الحسابات: تؤكد أدبيات العدالة الانتقالية وبناء المؤسسات (Elster, 2004; Huntington, 1991) أن النخب الحاكمة في المراحل الانتقالية غالباً ما تميل إلى اللجوء لأدوات وهياكل استثنائية Ad-hoc Agencies؛ تحت تأثير النزوع للانتقام السياسي، والاستجابة المباشرة لضغط الشارع والمطالب السياسية المتصاعدة. وتُسوَّغ هذه الممارسات عادةً بحجة تجاوز التعقيدات الإجرائية. غير أن هذا النهج ينطوي على مخاطر مبدئية هيكلية جسيمة حذرت منها أدبيات الشفافية الدولية (Pope, 2000; Rose-Ackerman, 1999)، وتتجسد في “تسييس مكافحة الفساد” وتحويل الهيئات المُوكل إليها إرساء النزاهة إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية، والاستحواذ على الممتلكات ونزع الملكيات دون استيفاء معايير وقواعد الإثبات القانوني والعدالة الإجرائية.

2. أهمية تطبيق معادلة كليتغارد على تجارب و مبادرات مكافحة الفساد: يُعد نموذج كلايتغارد (Klitgaard) من أكثر الأطر النظرية استخداماً في تفسير نشوء الفساد المؤسسي، حيث يختزل الظاهرة في معادلة شهيرة مفادها أن:
الفساد = الاحتكار + السلطة التقديرية – المساءلة.. وتشير هذه المعادلة إلى أن الفساد لا يُفهم بوصفه انحرافاً أخلاقياً فردياً فحسب، بل كنتيجة مباشرة لبنية مؤسسية تسمح بتركز السلطة وغياب الضوابط. فكلما احتكرت جهة معينة سلطة اتخاذ القرار أو التحكم في الموارد والفرص، واتسعت صلاحياتها التقديرية في اتخاذ القرارات دون معايير واضحة أو إجراءات مقيدة، تزايدت احتمالات إساءة استخدام السلطة. ويصبح الوضع أكثر خطورة عندما تتراجع مستويات الشفافية وتضعف آليات الرقابة والمساءلة، سواء كانت رقابة قانونية أو مؤسسية أو مجتمعية.

ومن هذا المنظور ينشأ الفساد كنتيجة لإجتماع ثلاثة عناصر في آن واحد: احتكار القرار، واتساع السلطة التقديرية، وضعف الرقابة و المساءلة. فالمؤسسات التي تتمتع بصلاحيات استثنائية أو سلطات واسعة قد تحقق نتائج إيجابية وفعالة إذا كانت خاضعة لنظم صارمة من الرقابة والشفافية والطعن القانوني. أما عندما تُمنح هذه السلطات دون ضوابط كافية، فإنها تخلق بيئة مواتية لاستغلال النفوذ وتغليب المصالح الخاصة أو السياسية أو الفئوية على حساب المصلحة العامة.

وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في فترات الانتقال السياسي، حيث تلجأ الحكومات في كثير من الأحيان إلى إنشاء مؤسسات أو لجان استثنائية لمواجهة تحديات الإنتقال. وقد يُنظر إلى توسيع الصلاحيات باعتباره ضرورة لتحقيق أهداف التحول السياسي بسرعة وفعالية، إلا أن غياب الضمانات المؤسسية الكافية، وغياب الإلتزام بمبادئ النزاهة والشفافية، وسيادة حكم القانون قد يؤدي إلى إعادة إنتاج أنماط جديدة من التسلط أو إساءة استخدام السلطة، حتى وإن كانت الأهداف المعلنة نبيلة ومشروعة.

وبناءً على ذلك، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تصميم منظومة حوكمة تضمن التوازن بين الفعالية والمساءلة. فكلما ارتفعت مستويات الشفافية، وتعددت مراكز الرقابة، وتعززت استقلالية القضاء، وأتيحت آليات التظلم والطعن والمراجعة، انخفضت مخاطر الفساد وإساءة استخدام السلطة، حتى في المؤسسات التي تتمتع بصلاحيات استثنائية. ومن ثم فإن مكافحة الفساد لا تعتمد فقط على تغيير الأشخاص أو النوايا، بل ترتبط أساساً ببناء مؤسسات قادرة على ضبط السلطة وإخضاعها للمساءلة المستمرة.

ملامح من التحليل المؤسسي لتجربة لجنة إزالة التمكين بالسودان

1. الفصل المؤسسي والإجرائي بين تفكيك التمكين ومكافحة الفساد
تكشف تجربة لجنة إزالة التمكين عن تحدٍّ مؤسسي مهم تمثل في عدم الفصل الواضح بين وظيفة تفكيك التمكين السياسي ووظيفة مكافحة الفساد واسترداد الأموال، رغم الاختلاف الجوهري بين طبيعة كل منهما وأهدافه وأدواته ومعايير تقييمه. ويكتسب هذا الفصل أهمية خاصة عند تحليل التجربة من منظور مؤسسي؛ إذ إن وضوح الاختصاصات وتحديد حدود السلطة يمثلان شرطاً أساسياً لمنع تداخل الصلاحيات وتحويل السلطة الاستثنائية إلى مجال واسع للتقدير غير المنضبط.
فـتفكيك التمكين السياسي هو في جوهره عملية انتقالية واستثنائية تستهدف معالجة آثار تغلغل النظام السياسي السابق في مؤسسات الدولة، وإعادة بناء مؤسسات الخدمة العامة على أساس المهنية والحياد والكفاءة، والحد من استخدام مؤسسات الدولة كأدوات للسيطرة السياسية. ومن ثم فإن معيار النجاح الأساسي هنا يرتبط بمدى استعادة حياد المؤسسات العامة، وإزالة شبكات السيطرة السياسية، وإرساء قواعد عادلة للتعيين والترقي وإدارة الموارد العامة.
أما مكافحة الفساد واسترداد الأموال فهي وظيفة مختلفة من حيث طبيعتها القانونية والمؤسسية، إذ تتطلب تحديد أفعال الفساد بصورة دقيقة، والتحقيق فيها وفق إجراءات قانونية، وإثبات المسؤولية الفردية أو المؤسسية استناداً إلى الأدلة، ثم استرداد الأموال أو الأصول وفق الأطر القانونية والقضائية المعمول بها. ولذلك فإن مؤشرات نجاحها لا تتمثل أساساً في عدد الأشخاص الذين تمت إزاحتهم من مواقعهم أو حجم الأصول التي وُضعت اليد عليها، وإنما في عدد قضايا الفساد التي تم التحقيق فيها وإثباتها، ونسبة الأموال التي تم استردادها بصورة نهائية، وجودة الإجراءات القانونية، ونسبة الأحكام المؤيدة قضائياً، وفعالية نظم منع الفساد مستقبلاً.

ويؤدي عدم التمييز بين الوظيفتين إلى مشكلة مؤسسية تتجاوز مجرد الاختلاف في التعريفات، إذ قد تتحول معايير الانتماء السياسي أو شغل المواقع خلال النظام السابق إلى مؤشرات ضمنية على الفساد، في حين قد تُعامل شبهات الفساد المالي باعتبارها امتداداً للتمكين السياسي. وبذلك تختلط المسؤولية السياسية أو الوظيفية بالمسؤولية القانونية الفردية، ويصبح الانتماء أو الارتباط السابق بالنظام معياراً قد يؤثر في القرار، بدلاً من أن يكون السلوك المحدد والأدلة القانونية هما أساس المساءلة.

ومن منظور تصميم المؤسسات، كان من الممكن معالجة هذا الإشكال من خلال الفصل الوظيفي بين المسارين: أن تتولى جهة انتقالية ذات تفويض محدد مهمة تفكيك التمكين وإعادة بناء حياد مؤسسات الدولة، بينما تُحال شبهات الفساد الجنائي والمالي إلى مؤسسات عدلية مستقلة ومتخصصة تتولى التحقيق والإثبات والملاحقة واسترداد الأموال.
وقد كشفت التجربة عن مفارقة مؤسسية تمثلت في أن الحكومة الانتقالية، لم تكتفِ بتفكيك التمكين السابق، وإنما أعادت إنتاج نمط مشابه من التمكين لصالح القوى السياسية المشاركة في المرحلة الانتقالية. ويبرز ذلك بوضوح في وزارة الخارجية وغيرها من مؤسسات الدولة، حيث أُحيل أو أُبعد عدد من الكفاءات والخبرات الدبلوماسية بحجة إزالة التمكين، ثم جرى شغل بعض المواقع بآخرين منسوبين إلى أحزاب أو قوى سياسية مشاركة في الفترة الانتقالية، دون إتاحة فرص تنافسية عامة أو إخضاع التعيينات لمعايير مهنية وشفافة واضحة. وبذلك انتقلت المشكلة من تمكين سياسي إلى تمكين سياسي آخر، بدلاً من الانتقال إلى مؤسسات محايدة قائمة على الكفاءة والمنافسة والمساءلة. ومن منظور كلايتغارد، فإن الخطر المؤسسي لا يرتبط فقط بمن يمارس السلطة، وإنما بتصميم النظام الذي يسمح باحتكار القرار واتساع السلطة التقديرية دون رقابة كافية؛ ولذلك فإن نجاح تفكيك التمكين لا يقاس بإزالة شاغلي المواقع السابقين، بل بمدى قدرة العملية على كسر منطق التمكين ذاته وبناء قواعد مؤسسية تضمن الحياد والكفاءة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون.

2. النقد المؤسسي والقانوني لتجربة اللجنة
أ‌. إشكالات البنية التشريعية لقانون اللجنة: واجهت لجنة إزالة التمكين و مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة لسنة 2019، وتعديلاته اللاحقة، جملة من الانتقادات القانونية والدستورية، ارتبطت بصورة أساسية باتساع نطاق السلطات الممنوحة للجنة، وغياب الحدود الفاصلة بصورة كافية بين سلطتها الإدارية والوظائف التي تنتمي بطبيعتها إلى المجال القانونى والقضائي. فقد أتاح الإطار القانوني للجنة اتخاذ تدابير ذات آثار بالغة على الملكية والوظيفة العامة والعقود والمعاملات المالية، بما في ذلك المصادرة وإنهاء الخدمة وإلغاء بعض التصرفات والعقود، دون أن تكون هذه الإجراءات في جميع الحالات مسبوقة برقابة قضائية مباشرة وفعالة. وتكمن الإشكالية المؤسسية هنا ليس فقط في طبيعة القرارات التي أصدرتها اللجنة، وإنما في مستوى الضمانات الإجرائية المصاحبة لها، إذ إن منح هيئة استثنائية سلطة واسعة للتدخل في الحقوق والمراكز القانونية للأفراد والمؤسسات يتطلب، في المقابل، معايير واضحة لاتخاذ القرار، وحقاً فعالاً في الدفاع والتظلم، ومراجعة مستقلة، وإمكانية حقيقية للطعن القضائي. وعندما تضعف هذه الضمانات، يصبح خطر الخطأ الإداري أو التعسف أو الانتقائية أعلى، كما تتعرض قرارات المؤسسة لاحقاً لخطر الإلغاء أو البطلان القضائي، بما يضعف استدامة النتائج.

ب‌. تداخل الوظائف العدلية والأمنية وأزمة الفصل بين السلطات: تفاقمت الإشكالية المؤسسية عندما تداخلت داخل منظومة إزالة التمكين وظائف متعددة يفترض، في النظام القانوني السليم، أن تكون موزعة بين جهات مستقلة ومتكاملة، بما في ذلك جمع المعلومات والتحري، واتخاذ التدابير التحفظية، والاتهام، وإصدار القرارات ذات الأثر على الحقوق، ثم تنفيذها. كما ارتبط تنفيذ بعض قرارات اللجنة بأجهزة شرطية وأمنية ونظامية، الأمر الذي أوجد مساحة واسعة لتداخل الوظيفة السياسية الانتقالية مع وظائف إنفاذ القانون، وتكمن خطورة هذه الترتيبات في أنها قد أدت إلى تركيز متزامن للسلطة السياسية والإدارية والتنفيذية والأمنية داخل منظومة واحدة، بما أضعف مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات ويقلل من استقلالية جهات العدالة وإنفاذ القانون. كما أن نقل جانب من إجراءات مكافحة الفساد وتفكيك التمكين إلى إطار أمني أو شبه أمني أدى الى أن تقع اللجنة فى مخاطر تسييس إنفاذ القانون، خصوصاً عندما لا تكون هناك رقابة قضائية مستقلة وفعالة على إجراءات التفتيش والقبض والتحفظ على الأموال والأصول. ومن منظور التحليل المؤسسي، فإن المشكلة الأساسية لم تكن فقط في وجود صلاحيات استثنائية في سياق انتقالي، وإنما في عدم كفاية الضوابط المؤسسية التي تحدد كيفية ممارسة هذه الصلاحيات ومن يراجعها وكيف يمكن الطعن فيها. فوفق منطق معادلة كلايتغارد، كلما اجتمعت سلطة واسعة، واحتكار للقرار، ومساحة كبيرة للتقدير، دون رقابة ومساءلة متناسبة، ارتفعت مخاطر إساءة استخدام السلطة، حتى عندما يكون الهدف المعلن هو مكافحة الفساد أو تفكيك التمكين. ولذلك فإن الدرس المؤسسي من التجربة السودانية يتمثل في أن فعالية المؤسسات الانتقالية لا تقاس باتساع صلاحياتها، وإنما بقدرتها على ممارسة تلك الصلاحيات ضمن حدود واضحة، ورقابة مستقلة، وضمانات إجرائية، وفصل مؤسسي يحول دون تحول مكافحة الفساد إلى أداة جديدة لإنتاج السلطة أو إعادة توزيعها سياسياً.

ت‌. تسييس المحاسبة وملاحقة النقد والحرية الصحفية (مع أمثلة تطبيقية): أحد أخطر مظاهر تراجع الالتزام المؤسسي في التجربة كان ضيق صدر اللجنة بالنقد وملاحقة الأصوات المعارضة أو الناقدة لإجراءاتها، مستخدمة في ذلك النفوذ السلطوي للجنة وقوانين الشائعات وإعاقة أعمال الدولة، وهو ما يُناقض مبادئ الشفافية والمساءلة المجتمعية القائم عليها أي نظام وطني للنزاهة. ومن أبرز الأمثلة الموثقة على ذلك:
1. استهداف الصحفيين والإعلاميين الناقدين: توقيف وملاحقة عدد من الصحفيين والإعلاميين الذين انتقدوا التجاوزات الإجرائية للجنة أو شككوا في سلامة قرارات المصادرة؛ كاستدعاء وملاحقة إعلاميين وصحفيين بارزين عبر فتح بلاغات تحت مواد “إعاقة عمل اللجنة” أو “تفكيك النظام” لمجرد نشر تحقيقات صحفية تنتقد أداء بعض أعضائها.
2. الملاحقة القانونية للخبراء القانونيين: تحريك إجراءات وملاحقات ضد قانونيين ومحامين انتقدوا عدم دستورية قانون اللجنة أو دفعوا بعدم قانونية عدم وجود مرحلة استئناف مستقلة، حيث عُدَّ هذا النقد في بعض الأدبيات والبيانات الإعلامية للجنة بمثابة “دفاع عن التمكين ورجال النظام السابق”.
3. القرارات التحفظية والتضييق على المؤسسات الإعلامية: إصدار قرارات بوقف وتجميد أصول بعض المؤسسات الصحفية والإعلامية والشركات الإعلامية بحجة تبعيتها لرموز النظام السابق، دون الحصول على إذن قضائي مسبق، مما أثر على حربة الصحافة وتعددية وسائل الإعلام خلال الفترة الانتقالية.

من دروس التجربة إلى الإصلاح المؤسسي:

لا تكمن أهمية تجربة لجنة إزالة التمكين في السودان في الحكم عليها بالنجاح أو الفشل فقط، وإنما في الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه منها. فقد جاءت اللجنة في سياق سياسي محدد، واستجابت لضغط الشارع السياسى، إلا أن تجربتها كشفت في الوقت نفسه عن مخاطر تركيز الصلاحيات، وضعف الضوابط المؤسسية، وتداخل الوظائف السياسية والعدلية والتنفيذية، فضلاً عن مخاطر أن يتحول تفكيك التمكين إلى إعادة إنتاجه بصورة أخرى.
والمهم اليوم دراسة التجربة الاستفادة منها حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها في أي مرحلة قادمة. فالدولة التي تسعى إلى تجاوز إرث التمكين لا يمكن أن تبني مستقبلها بالأدوات ذاتها التي صنعت أزمتها؛ ولا يمكن أن يكون الإصلاح مجرد استبدال أشخاص بآخرين، أو نقل النفوذ من مجموعة إلى أخرى. الإصلاح الحقيقي يبدأ من تغيير القواعد والمؤسسات التي تسمح أصلاً بإنتاج التمكين السياسي والاقتصادي والإداري.

ومن هنا، فإن الدرس الأهم للسودان هو أن الإصلاح المؤسسي يجب أن يصبح جزءاً أصيلاً من مشروع الانتقال وبناء الدولة، وليس نتيجة مؤجلة له. ويشمل ذلك إصلاح الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والحياد وتكافؤ الفرص، وتعزيز استقلال القضاء والنيابة، وبناء منظومة وطنية متكاملة للنزاهة ومكافحة الفساد، وإرساء قواعد شفافة لإدارة المال العام والتعيينات والموارد، وضمان خضوع المؤسسات المدنية والعسكرية للقانون وآليات الرقابة والمساءلة.
وأفضل ما يمكن أن نقدمه لسودان المستقبل هو بناء دولة ومؤسسات على قواعد راسخة تجعل ممارسة الفساد وإعادة إنتاج التمكين أكثر صعوبة، وتضمن خضوع السلطة للقانون والمساءلة، أياً كان من يمارسها. فالعبرة من التجارب السابقة تكمن في تحويل الدروس إلى إصلاحات مؤسسية مستدامة، تنقل السودان من إدارة الأزمات عبر اللجان والتدابير الاستثنائية إلى ترسيخ مؤسسات دائمة وقادرة على حماية الدولة والمجتمع، وصون العدالة، ومنع تكرار إخضاع مؤسسات الدولة لمصالح السلطة الحاكمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى