تقارير

المصارف السودانية ذات المشاركات الأجنبية: بين الانفتاح المطلوب و المخاوف المشروعة

المحقق – نازك شمام

في مايو 2025 أعلنت الحكومة السودانية قطع علاقتها مع دولة الإمارات العربية المتحدة لأسباب تتعلق بالدعم الذي تقدمه أبوظبي لمليشيا الدعم السريع والذي حال دون إنهاء التمرد وألحق أضراراً جسيمة بالبنية التحتية للدولة، وحينها أثيرت تساؤلات على مستوى الشارع السوداني عن تطبيق (بنكك)، التطبيق المصرفي الأشهر على مستوى البلاد والتابع لبنك الخرطوم والذي يساهم فيه إماراتيون بنسبة تفوق الـ40%.

هذه القضية سلطت الأضواء على “إشكالية المساهمات الأجنبية في المصارف السودانية”، ومدى تأثيرها على الوضع الاقتصادي القائم بالبلاد بعد الحرب والمخاوف التي تواجه الاقتصاد بسبب تأثيرها الأعظم على القطاع المصرفي السوداني.

يبلغ عدد المصارف في السودان 38 مصرفاً تنقسم إلى مصارف حكومية، ومصارف وطنية خاصة، ومصارف ذات مكونين محلي وأجنبي، ومصارف أجنبية. ومن بين التصنيف قبل الأخير يتصدر بنك الخرطوم وبنك فيصل قائمة المصارف ذات المكونين.

ويتبوأ بنك فيصل الإسلامي السوداني مكانة أقدم بنك ذي مساهمات أجنبية في السودان، حيث بدأ البنك أعماله رسمياً في العام 1979م بمساهمين من المملكة العربية السعودية بنسبة 78% و22% للسودان.

أما بنك الخرطوم فيعد من أكثر البنوك السودانية انتشاراً حيث يمتلك عدداً كبيراً من الفروع الموزعة على مختلف الولايات والمدن السودانية.
وبحسب المعلومات من الموقع الرسمي للبنك، فإن 42% من أسهم بنك الخرطوم مملوكة لجهات من دول مجلس التعاون الخليجي والشرق الأوسط، وفي مقدمتها بنك دبي الإسلامي «أكبر المساهمين»، إلى جانب بنك التنمية الإسلامي بجدة، ومصرف أبوظبي الإسلامي، وبنك الشارقة الإسلامي، بينما تعود بقية الأسهم إلى رجال أعمال ومستثمرين سودانيين بارزين.

جزر رقمية متبانية:

ويرى الخبير المصرفي د. لؤي عبد المنعم أن النظام المصرفي في السودان -الذي يضم نحو 38 بنكاً بين تجارية ومتخصصة وأجنبية- بات أقرب إلى ثلاث جزر رقمية متباينة منه إلى سوق تنافسية متكاملة.
وأشار عبد المنعم في حديثه مع “المحقق” إلى أن بيانات صندوق النقد الدولي توضح أن المصارف الأجنبية المسجلة كفروع تمثل نحو 23% من أصول القطاع، حيث يأتي مالكوها من دول الخليج ومصر والأردن وغيرها.

سيطرة خليجية على مصارف سودانية:

وقال إن “النموذج الأكثر بروزاً في السودان يتمثل في ‘البنوك المشتركة’ ذات الترخيص والهوية السودانية والملكية ورؤوس الأموال الخليجية المسيطرة”.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن بنك الخرطوم يعد النموذج الأبرز؛ إذ بيعت 60% من أسهمه الحكومية عام 2005 لصالح “بنك دبي الإسلامي” ضمن سياسات الخصخصة، إلى جانب مساهمات كبرى من بنوك التنمية الإسلامية، أبوظبي الإسلامي، والشارقة الإسلامي.

وكشف عن استحواذ بنك الخرطوم على حصة تُقدر بنحو 17.3% إلى 18% من أصول القطاع المصرفي، وتورد تقديرات غير حصرية أنه يحتفظ بنحو 80% من ودائع السودانيين، مما جعل البنك يمثل عموداً فقرياً للاقتصاد اليومي.

حقائق مقلقة:

ولفت عبد المنعم إلى أن التعطل الفجائي لتطبيق (بنكك) في مطلع سبتمبر 2026 كشف عن حقيقة مقلقة تمثلت في أن الاقتصاد اليومي للسودانيين أصبح معلقاً على “ثلاثة خيوط رقمية أبلغها وأوضحها أثراً تطبيق (بنكك)”.
وأكد أن الحل الناجع لا يكمن في العداء للمصارف الأجنبية -التي تُعد شراكتها ورؤوس أموالها ضرورة حتمية لمرحلة إعادة الإعمار وجلب التقنيات والخبرات- بل في إصلاح هيكلي جذري لكسر الاحتكار وحماية النظام المالي.

آليات اصلاحية:

ونوه عبد المنعم إلى أن آليات الإصلاح تتمثل في فصل البنية التحتية للدفع وجعل شبكة التحويلات الرقمية مملوكة ومشغولة لكيان مشترك يجمع بنك السودان واتحاد المصارف، ليصبح (بنكك) مجرد تطبيق تجاري منافس ضمن شبكة محايدة.
وأشار إلى أهمية التشغيل المتبادل للمحافظ الرقمية من خلال إتاحة التحويل المالي استناداً إلى رقم الهاتف وليس رقم الحساب البنكي حصراً، لتوسيع خيارات المواطنين وكسر حصرية الاعتماد على بنك بعينه.
وشدد عبد المنعم على أهمية وضع سقوف صارمة لحصص السوق، وإلزام الكيانات الكبرى بفتح بنيتها التحتية للمنافسين مع شفافية إلزامية في نشر حجم الودائع النشطة.

أزمات راس المال:

من جهتها، تؤكد خبيرة التخطيط الاستراتيجي والتحول الرقمي د. مروة فؤاد قباني أن المساهمات الأجنبية في المصارف السودانية ليست حلاً سحرياً بقبول مطلق أو رفض تام، بل هي أداة اقتصادية تتطلب إطاراً تنظيمياً دقيقاً لدعم التعافي المصرفي وتجنب المخاطر الإضافية.
وأوضحت قباني لــ”المحقق” أن القطاع المصرفي بحاجة ماسة لرأس المال، والخبرة، والتكنولوجيا، إلى جانب مؤسسات رقابية قوية وقواعد ملكية واضحة تحمي أموال المودعين.

وأشارت إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان أن تكون الاستثمارات الجديدة إضافة حقيقية لقدرة المصارف على التمويل والتطوير، وليس مجرد تغيير في هياكل الملكية دون معالجة أزمات رأس المال أو الحوكمة.

اسئلة مشروعة:

ودعت قباني إلى الانتقال بسؤال السياسة المصرفية من: “من يملك المصرف؟” إلى: “ما الذي يضيفه المستثمر؟” وكيف تُحمى أموال المدخرين؟، وما أثر الاستثمار على الاقتصاد الوطني؟.
وأبانت أن المرحلة المقبلة تتطلب معادلة ترتكز على انفتاح استثماري محسوب، ورقابة مصرفية فعالة، وحماية صارمة للمدخرات؛ لضمان توظيف رأس المال في خدمة التعافي والتنمية المستدامة.

شخصيات ادارية بارزة:

بدوره، أكد الخبير المصرفي أيمن أحمد أهمية وجود استثمارات أجنبية طويلة الأجل في القطاع المصرفي ووصف ذلك بأنه أمر جيد للاقتصاد لجهة أنه يساهم في نقل الخبرات والمعارف وأفضل الممارسات الدولية.
إلا أن أحمد طالب في حديثه مع “المحقق” بأن تهتم الجهات المختصة بمستوى خبرات وأهمية من يمثلون الجهات الأجنبية في مجالس إدارات المصارف، وألا يتم قبول أي اسم يطرح عليهم دون التأكد من مستوى الإضافة ووزن الشخص في بلده الأم.

وأوضح أنه عند تأسيس بنوك مثل فيصل الإسلامي، كان التمثيل على مستوى الأمير محمد الفيصل بنفسه، ثم سعادة الشيخ صالح عبدالله كامل رحمهما الله.
وأشار إلى أن وجود شخصيات ذات وزن ومكانة دولية تسهم في تعزيز مستوى الثقة في علاقات المراسلين والحصول على خطوط ائتمان خارجية.

غياب المعلومات:

ونوه أحمد إلى أن واحدة من أهم مشاكل السودان هي مشكلة المعلومات مع عدم اهتمام الجهات المختصة بموضوع قواعد البيانات، لافتاً إلى أن البنوك لا تنشر تقاريرها السنوية بانتظام ولا أحد يسألها.

وعن مساهمة إماراتيين في بنك الخرطوم والعلاقة المتوترة بين دولتهم والسودان، أشار إلى أن بنك الخرطوم لديه فرع في الإمارات وكذلك بنك النيلين، وهما خاضعان لمتطلبات الرقابة والتنظيم هناك، وتساءل هل هذا مدخل لنفوذ سوداني في الإمارات ؟ بالإضافة إلى وجود شركات سودانية كبيرة مدرجة في بورصات الإمارات؟.
وشدد على ضرورة التركيز على تجويد العمل الرقابي والتنظيمي كما تفعل كل دول العالم وليس على جنسيات المساهمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى