تقارير

قراءة في مقال “هدسون” الأخير ونصيحته للإدارة الأمريكية أن تعترف بالخطأ وتغير مقاربتها تجاه الوضع في السودان

المحقق – محمد عثمان آدم

نشر موقع “AllAfrica” مقالاً للكاتب والمحلل السياسي الأمريكي، كاميرون هدسون، بعنوان: “السودان: انتكاسات دبلوماسية تقوض النهج الأمريكي تجاه السودان”. والذي كان نُشر جزئياً على حسابه في منصة “إكس” (تويتر سابقاً) ثم نُشر كمقال رأي بطلب من موقع “AllAfrica”؛ ومما يثير الاهتمام أن المقال صادر عن مواطن أمريكي؛ إذ لو استُبدل اسمه باسم سوداني، لما بدا الأمر غريباً من حيث موقفه الناقد بصرامة تجاه الحكومة الأمريكية.

يُظهر كاميرون هدسون -المدير السابق للشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي الأمريكي- فهماً حقيقياً وتقديراً لوجهة النظر السودانية؛ ورغم إمكانية الاختلاف معه في بعض النقاط، فإنه لا يمكن إنكار صواب رؤيته تماماً في نقل وجهات نظر الناس من السودانيين حول تحركات وردود أفعال الإدارة الأمريكية تجاه التطورات في بلادهم.

واستهل هدسون مقاله بعبارة قوية وصادمة، مفادها أن واشنطن تكبدت خلال الأسبوعين الماضيين “سلسلة من الهزائم الدبلوماسية المهينة” في مساعيها لإجبار السلطات السودانية على قبول اتفاق لوقف إطلاق النار لم تكن – أي الخرطوم – مستعدة لتوقيعه، ولم تكن الظروف الميدانية تدعمه.

و أخذ هدسون في الاعتبار موقف القيادة العسكرية السودانية، والأهم من ذلك، مشاعر المواطن العادي في الشارع؛ فمنذ بداية فصل الخريف حقق الجيش السوداني سلسلة متصلة من الانتصارات التكتيكية، تمثلت أساساً في إغلاق جبهة جديدة خطيرة في ولاية النيل الأزرق على الحدود مع إثيوبيا، ودفع مليشيا الدعم السريع للتراجع في شمال كردفان، وهي المنطقة التي تربط العاصمة بمساحات دارفور الشاسعة.

وأشار إلى أن هذه الانتصارات تمنح الجيش السوداني القدرة على محاولة استعادة دارفور، وإخراج الدعم السريع من معاقله الرئيسية، وتقديم حجة مقنعة للشعب السوداني والمجتمع الدولي بأن إعادة توحيد البلاد أمر ممكن. وتجعل هذه الحقائق الميدانية المتغيرة توقيع اتفاق هدنة لوقف إطلاق النار في الوقت الراهن أمراً سابقاً لأوانه في أحسن الأحوال، وخطأً استراتيجياً فادحاً في أسوئها إذا قبلت به الحكومة السودانية.

واختتم هذا الجزء بالقول إن حملة واشنطن لتوسيع نطاق حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة ليشمل كامل البلاد بدلاً من الاقتصار على دارفور، كانت حملة سيئة التخطيط والتنفيذ. منذ البداية، لم تكن هناك أي فرصة لحشد الأصوات اللازمة، كما فشل القرار في كسب تأييد أي عضو أفريقي في مجلس الأمن.

وتُعد خطوة تمديد الحظر بحد ذاتها تراجعاً عن إصرار واشنطن السابق على أن التمديد طويل الأمد للحظر “ليس خياراً مطروحاً”. ومن الواضح أن الخيار المتاح هو سلسلة من التمديدات قصيرة الأجل؛ وهو فرق شكلي لا جوهر له. “إنها محطة مخيبة في تاريخ الدبلوماسية الأمريكية تجاه السودان، إذ تكشف بوضوح ضعف الدبلوماسيين غير المحترفين (المعينين سياسياً) الذين يعتقدون أن بإمكانهم حشد ثقل الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، في حين يدير الرئيس الذي يمثلونه ظهره للمنظمة الدولية.”

كما أن المحاولة الفاشلة للضغط على القائد العسكري السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، للموافقة على وقف إطلاق النار -وذلك عبر حجب تأشيرة دخوله ومنعه من حضور جلسة رفيعة المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي- تبرهن مجدداً على سوء صياغة وتنفيذ السياسة الأمريكية الحالية. وأشار الكاتب إلى أنه – و الحال كذلك- فلا ينبغي للولايات المتحدة أن تتفاجأ إذا جاءت هذه الخطوات بنتائج عكسية، مما يسلط الضوء على افتقار الإدارة للخبرة واتسامها بالسذاجة.

كما انتقد الرسائل العلنية التي يصدرها فريق ترامب، واصفاً إياها بأنها تفتقر إلى الثبات؛ ففي 15 سبتمبر، صرح بولوس أمام جمهور في دبي بأنه “لا مستقبل” في السودان لكل من البرهان ومحمد حمدان دقلو (قائد مليشيا الدعم السريع). وبعد أسبوع واحد، أعلنت وزارة الخارجية أن أياً من الرجلين لا يمثل حكماً شرعياً أو دستورياً. ومع ذلك، نشر بولوس في 5 أكتوبر تغريدة عبر فيها عن “سعادته” بحضور مأدبة غداء أقامها الرئيس المصري السيسي “إلى جانب الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان”. وهذا هو بالضبط المسمى الوظيفي الذي كانت واشنطن قد أبلغت العالم للتو بأنها لا تعترف به. لقد كانت الصياغة ماكرة؛ فعبارة “إلى جانب” تجنبت الإشارة صراحةً إلى عقد اجتماع، لكن اللقاء صُوِّر على أنه اجتماع في التقارير الإخبارية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، ولم تفعل واشنطن شيئاً لتبديد هذا الانطباع. إن حالة التخبط في المواقف والخطاب بشأن وضع “مجلس السيادة”، والاستعداد للاكتفاء بمجرد مأدبة غداء واعتبارها تقدماً دبلوماسياً، والتخلي الهادئ عن مطلب الهدنة، والتراجع التكتيكي في مجلس الأمن؛ كلها أمور تشير إلى استنتاج واحد: وهو أن واشنطن تجد صعوبة في تحديد مسارها الاستراتيجي بشأن السودان.

وقد نصح كاميرون -انطلاقاً من خبرته ككبير لموظفي المبعوثين الأمريكيين الخاصين المتعاقبين إلى السودان- إدارة ترامب بإعادة النظر في نهجها واتباع مسار جديد بعيداً عن أساليب الترهيب والضغط القسري، وذلك من خلال الخطوات التالية:

أولاً: ينبغي للمسؤولين الأمريكيين المعنيين بالملف السوداني القيام بجولة استماع تشمل الرياض وأنقرة والدوحة (بعد أن استمعوا بالفعل إلى وجهة نظر القاهرة) ومحاولة إعادة بناء الثقة مع أقرب حلفاء الخرطوم.

ثانياً: ينبغي للمسؤولين الأمريكيين زيارة الخرطوم.

ثالثاً: ينبغي للمسؤولين الاجتماع بالقادة العسكريين والمدنيين في السودان – لا من أجل مصلحتهم، ولكن لمصلحة أمريكا .

و قال إنه ليس من المُرجّح أن يُفضي أيٌّ من هذا إلى وقف إطلاق النار أو يُحقق للرئيس ترامب الإعلان الذي يتوق إليه هو ومساعدوه بشدة: اتفاق سلام جديد في أفريقيا. لكنه سيُعيد صياغة أجندة واشنطن الدبلوماسية ويُعمّق فهم الولايات المتحدة لنزاع مُعقّد، ولمشهد دبلوماسي أكثر تعقيدًا.

وخلص كاميرون، بصفته محللًا سياسيًا ومستشارًا مستقلًا في شؤون السلام والأمن والحوكمة في أفريقيا، إلى أن هذه الإجراءات قد تُساهم أيضًا في استعادة بعض المصداقية التي فقدتها واشنطن في السودان، وتُمكّن الولايات المتحدة من قيادة الجهود الدولية مجددًا لإنهاء أكثر الصراعات تدميرًا في العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى