تقارير

أوروبا تغلي.. هل تتحول معركة المعيشة إلى «ربيع سياسي»؟

المحقق – وكالات – سبأ سيف الدين

من التعليم إلى السكن والطاقة، تتقاطع احتجاجات في مدن أوروبية حول كلفة الحياة وتراجع الخدمات، فيما تواجه الحكومات اختباراً يتجاوز ضبط الشارع إلى استعادة الثقة.

في لشبونة، تختصر باحثة شابة جانباً من الأزمة التي تدفع الأوروبيين إلى الشوارع. كارولينا كروز، طالبة دكتوراه في الأحياء تبلغ السادسة والعشرين، تتقاضى منحة شهرية بنحو 1300 يورو. تدفع مع شريكها 716 يورو لإيجار شقة، لكن تجديد العقد قد يرفع المبلغ إلى أكثر من 1200 يورو. تقدمت في دراستها، وأصبحت مهددة بفقدان مسكنها.

نقلت وكالة “رويترز” قصتها خلال تغطيتها مظاهرة 17 أكتوبر الجاري في العاصمة البرتغالية.

وفي اليوم نفسه، كانت مطالب التعليم والخدمات والقدرة الشرائية تجمع محتجين في فرنسا وبلجيكا وإيطاليا، بينما اتخذ الغضب في ألبانيا مساراً أكثر مباشرة نحو المطالبة برحيل رئيس الحكومة.

تتشابه بعض الصور: شباب في الشوارع، وهتافات غاضبة، وشرطة تحاول احتواء الاحتجاجات. لكن وراء الصور أسباباً ومسارات مختلفة، تجعل السؤال عن «ربيع أوروبي» مشروعاً بوصفه احتمالاً يحتاج إلى اختبار، لا وصفاً نهائياً لما يجري.

فهل تتجمع أزمات متفرقة لتصنع لحظة سياسية مشتركة، أم أن القارة تشهد موجة احتجاجات تستطيع مؤسساتها استيعابها قبل أن تتحول إلى أزمة حكم أوسع؟

من المدرسة إلى سؤال المعيشة

في فرنسا، اتسعت التعبئة من احتجاجات طلابية على ظروف التعليم إلى مطالب تتعلق بالأجور والمعاشات والأسعار والخدمات العامة.

وقدّرت وزارة الداخلية المشاركين في مسيرات السبت 17 أكتوبر بنحو 550 ألف شخص، مقابل نحو 800 ألف وفق المنظمين.

وبحسب أسوشيتد برس، سار معظم المحتجين سلمياً، فيما شهدت مدن أعمال عنف ونهب واعتداءات على مبانٍ عامة. والتمييز بين المسارات ضروري لفهم الحدث؛ فمطالب المحتجين لا تختزلها أعمال التخريب التي رافقت بعض المسيرات.

بدأ الطلاب بالحديث عن مدارسهم، ثم التقت مطالبهم مع شكاوى فئات أخرى.

وهنا تتسع الدلالة السياسية: حين يجد العامل والمتقاعد وولي الأمر نفسه معنياً بما بدأ داخل المدرسة، تصبح الحكومة مطالبة بتفسير اختياراتها في الإنفاق والخدمات، لا بمعالجة ملف تعليمي منفرد.

وفي بروكسل، تظاهر مئات، معظمهم من الشباب، يوم 17 أكتوبر احتجاجاً على تكاليف التعليم وإصلاحاته، وخشية أن يصبح الوصول إلى الجامعة أكثر صعوبة. ووثّقت رويترز اشتباكات استخدمت خلالها الشرطة الغاز وخراطيم المياه، وأشارت إلى تأثر التحرك جزئياً بالاحتجاجات الفرنسية.

هذه الصلة مهمة، لكنها لا تثبت وجود قيادة موحدة للاحتجاجات. فقد تنتقل عدوى التعبئة بين الحدود، بينما تبقى المطالب والتنظيمات والحلول المطلوبة محلية.

بيت يصعب الاحتفاظ به

في البرتغال، يحتل السكن موقعاً مركزياً في الاحتجاج. خرجت عشرات الآلاف في لشبونة يوم 17 أكتوبر، بدعوة من اتحاد النقابات «CGTP»، اعتراضاً على تكاليف المعيشة وأزمة الإسكان. ولم تقدم الشرطة تقديراً للحشد.

ووفق رويترز، ارتفعت أسعار المنازل إلى أكثر من الضعف منذ 2017، واقتربت إيجارات العقود الجديدة من الضعف. وتقول الحكومة إن إجراءات لمعالجة المخاوف قيد التنفيذ.

توضح المقارنة بين المدرسة والمسكن جانباً من طبيعة الغضب: المخاوف تمس قدرة الناس على بناء حياة مستقرة. فالتعليم الذي يُفترض أن يفتح المستقبل، والسكن الذي يتيح الاستقرار، يتحولان إلى مصدر قلق؛ وعندما يستمر هذا القلق، قد يصبح السؤال عن كفاءة الحكومة وعدالة سياساتها أكثر إلحاحاً.

وفي ميلانو، تجددت المواجهات يوم الأحد 18 أكتوبر خلال احتجاجات على كلفة الحياة وضعف الخدمات. وقالت رويترز إن مجموعات حطمت واجهات متاجر وأشعلت حاويات، فيما استخدمت الشرطة الغاز وخراطيم المياه. وأدانت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني العنف، وأعلنت اجتماعاً حكومياً لمناقشة الوضع.

أما في تيرانا، فكان السقف السياسي أعلى. وثّقت رويترز مظاهرات طلابية تطالب باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، مدفوعة بالغضب من فساد يتهم المحتجون الحكومة به، ونقص الوظائف وضعف التعليم. وينفي راما ارتكاب مخالفات ويرفض التنحي.

وألبانيا، الواقعة في البلقان والساعية إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، تضيف حالة مختلفة إلى المقارنة، ولا يصح دمجها آلياً في نموذج غربي واحد.

لماذا الآن؟

تساعد الأرقام الاقتصادية في تفسير جانب من التوقيت. أعلن «يوروستات» في 16 أكتوبر أن التضخم السنوي في منطقة اليورو ارتفع إلى 3.8% في سبتمبر، مقابل 3.2% في أغسطس. وكانت الطاقة أكبر مساهم منفرد في المعدل، بنحو 1.71 نقطة مئوية.

لكن معدل التضخم لا يروي القصة كاملة. فهو يقيس سرعة ارتفاع الأسعار، ولا يقيس وحده قدرة الأسرة على احتمال ما تراكم من زيادات، أو اختلاف العبء بين مستأجر ومتملك، وبين صاحب دخل مرتفع وآخر ينفق معظم راتبه على الضروريات.

وتضع توقعات البنك المركزي الأوروبي الاحتجاجات في سياق اقتصادي ضاغط؛ إذ تتوقع تقديرات سبتمبر نمواً لمنطقة اليورو بنحو 0.9% خلال 2026، وتربط ارتفاع الطاقة بالصراع في الشرق الأوسط. لكنها تشير أيضاً إلى قدرة الاقتصاد على الصمود، وهو ما يحول دون قراءة الغضب الاجتماعي باعتباره دليلاً تلقائياً على انهيار اقتصادي وشيك.

المعضلة أمام الحكومات أن الاستجابة للمطالب تحتاج إلى إنفاق، بينما تتعرض الموازنات لضغوط. وكل تأخير في المعالجة يحمل كلفة اجتماعية، كما أن تقديم التزامات مالية يصعب الوفاء بها قد يعمق أزمة الثقة لاحقاً.

حين يصل الشارع إلى السوق

في فرنسا، وصل الضغط إلى داخل السلطة. رفض الرئيس إيمانويل ماكرون عرض وزير الداخلية لوران نونيز الاستقالة، وطالبه بتوضيح الإخفاقات في توقع أعمال العنف. وتأتي الأزمة قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، وفي وقت تسعى الحكومة إلى تمرير موازنة لضبط ماليتها.

وفي التعاملات المبكرة يوم الاثنين، أفادت رويترز بارتفاع عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات ثماني نقاط أساس إلى 4.86%، وهبوط مؤشر «كاك 40» بنحو 1.3%. وهذه حركة سوقية مرتبطة بلحظة محددة، لا حصيلة نهائية للأثر الاقتصادي.

توضح هذه الاستجابة كيف يمكن أن تنتقل الأزمة من مطالب معيشية إلى مخاوف مالية. فإذا اعتقد المستثمرون أن الاضطراب سيعرقل الموازنة أو يضعف قدرة الحكومة على اتخاذ القرار، فقد يطلبون عائداً أعلى لإقراض الدولة. وعندها تتسع صعوبة تمويل الاستجابة الاجتماعية نفسها.

أما عالمياً، فالتداعيات المحتملة تمر عبر التجارة والاستثمار والتمويل والقرارات الأوروبية المشتركة. وقد يؤدي اضطراب ممتد إلى تأجيل استثمارات أو إضعاف الطلب، أو إلى زيادة انشغال الحكومات بملفاتها الداخلية.

لكن الوقائع المتاحة لا تكفي للجزم بأن الاحتجاجات أحدثت تحولاً في الاقتصاد العالمي، أو غيّرت سياسات أوروبا الخارجية. هذا احتمال يُراقب، لا نتيجة ثبتت.

هل تستحق اسم «الربيع»؟

تسمية «الربيع الأوروبي» جذابة، لكنها تحمل افتراضاً كبيراً: أن الاحتجاجات تتجه نحو تحول سياسي جامع.

ما نراه حتى الآن يتيح استنتاجاً أضيق وأكثر دقة. هناك مطالب متقاطعة، وحضور شبابي، وتأثر بين بعض التحركات؛ لكن الوقائع التي جرت مراجعتها لا تثبت برنامجاً أوروبياً موحداً، أو قيادة مشتركة، أو اتفاقاً على تغيير طبيعة أنظمة الحكم.

كما أن مآلات الاحتجاج في دول تتيح الانتخابات والتفاوض النقابي والطعن القضائي قد تمر عبر تغيير سياسة أو موازنة أو حكومة. ويمكن أن يكون أثرها عميقاً دون أن تتخذ صورة قطيعة شاملة مع النظام السياسي.

ومن هنا، يبقى المؤشر الأهم قدرة المحتجين على الحفاظ على تعبئتهم، وتوسيع تأييدهم، وتحويل مطالبهم إلى نتائج؛ وقدرة الحكومات، في المقابل، على الاستجابة دون اختزال الأزمة في بعدها الأمني.

ما الذي سيحدد الخطوة التالية؟

تفتح المقارنة ثلاثة مسارات محتملة: تهدئة عبر معالجات ملموسة؛ أو احتجاجات متقطعة تعود كلما ظهرت زيادة أو موازنة جديدة؛ أو اتساع سياسي إذا فشلت التسويات وتعمقت المواجهة وفقدت الحكومات مزيداً من الثقة.

ولا يتوقف الترجيح على عدد المتظاهرين في يوم واحد. الأهم: هل تتسع المشاركة؟ هل تستمر النقابات والطلاب في العمل معاً؟ هل تظهر استجابات قابلة للتنفيذ؟ وهل تستطيع الحكومات حماية الاحتجاج السلمي ومحاسبة مرتكبي العنف دون إغلاق باب الحوار؟

قد يكون مبكراً إعلان «ربيع أوروبي»، لكن تجاهل ما تقوله الشوارع لا يقل تسرعاً. فالسؤال الذي تحمله الباحثة المهددة بفقدان مسكنها، والطالب القلق على تعليمه، يتجاوز ثمن الإيجار أو وضع المدرسة: هل تستطيع الحياة أن تتحسن، ومن يملك قرار تحسينها؟

هناك، عند المسافة بين ما ينتظره الناس وما تستطيع الحكومات تقديمه، سيتحدد مستقبل هذه الموجة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى