“صمود” ورفض الحوار السوداني–السوداني (2-3): استحقاقات التفاوض التأسيسي والانتقال إلى الدولة الدستورية

د. إسماعيل ساتي
انتهى الجزء الأول من مقالنا إلى أن المشكلة لا تكمن في قبول مبادرة الحوار الحالية أو رفضها فحسب، بل في غياب تصور تأسيسي متكامل يحدد كيف يمكن للسودانيين الاتفاق على قواعد دولتهم، وإدارة اختلافاتهم، ومنع تكرار الأزمات التي قادت البلاد إلى الحرب. كما أوضح أن التفاوض العسكري لإنهاء القتال ينبغي تمييزه عن التفاوض السياسي الذي يعالج مستقبل الدولة ومؤسساتها.
لكن تحديد المسارين لا يكفي وحده. فالتفاوض التأسيسي يحتاج إلى قواعد تمنع احتكار التمثيل، وتوازن بين السيادة الوطنية والمساءلة، وتحدد طبيعة المرحلة الانتقالية ونهايتها، وتضمن ألا تتحول العدالة إلى انتقام أو التسوية السياسية إلى إفلات من العقاب. وهذه هي القضايا التي يتناولها هذا الجزء.
رابعاً: التفاوض التأسيسي لا يعني مجرد جمع الأطراف
من أوجه القصور في التجارب السياسية السودانية المتعاقبة الميل إلى التعامل مع الأزمات باعتبارها صراعات بين أشخاص أو أحزاب أو مؤسسات، بينما تبقى القواعد التي أنتجت الصراع دون معالجة كافية.
فقد تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتُوقَّع الاتفاقات، لكن الأزمة تعود عندما لا توجد قواعد مستقرة تحكم انتقال السلطة، وتحدد اختصاصات المؤسسات، وتنظم العلاقة بين القوى المدنية والعسكرية، وتضمن ألا يتحول الخلاف السياسي إلى تهديد لوجود الدولة.
وهنا تكمن أهمية الفكر المنظومي. فهو لا يكتفي بالسؤال عن الطرف المخطئ في الأزمة الحالية، بل يبحث في العلاقات والبُنى والآليات التي سمحت بتكرار الأزمات، وفي كيفية تصميم منظومة وطنية أكثر قدرة على الاستقرار والتعلم والتصحيح.
لذلك، ينبغي ألا يكون التفاوض التأسيسي مجرد اجتماع جديد تُعرض فيه مطالب الأحزاب، ثم تُوزع المناصب على أساس موازين القوى. بل يجب أن يتناول كيفية بناء قواعد تضمن استمرار الدولة حتى عندما تتغير الحكومات، وتتيح للمعارضة ممارسة دورها دون تعطيل المؤسسات، وتمنع الحكومة من احتكار السلطة، وتضمن خضوع الجميع للقانون.
ولكي يتحقق ذلك، أرى ضرورة توافر أربعة شروط أساسية:
1) الاتفاق على الغاية قبل التنافس على السلطة: ويعني ذلك تحديد المبادئ التي يريد السودانيون أن تقوم عليها دولتهم، قبل الدخول في تفاصيل توزيع المناصب والاختصاصات.
2) الفصل بين الأشخاص والمؤسسات: فلا يجوز أن يصبح الخلاف مع قيادة سياسية أو عسكرية سبباً لإهدار المؤسسة التي تتولى قيادتها، كما لا يجوز أن تتحول المؤسسة إلى مظلة تحمي الأشخاص من المساءلة.
3) وضع قواعد لإدارة الاختلاف: فالتوافق الوطني لا يعني اختفاء الخلاف، بل يعني الاتفاق على كيفية إدارته بصورة سلمية وقانونية، وعلى الآليات التي يُحتكم إليها عندما تتعارض المصالح والرؤى.
4) بناء آليات للتصحيح والمساءلة: إذ لا توجد منظومة سياسية معصومة من الخطأ، لكن المنظومة الناجحة هي التي تستطيع اكتشاف أخطائها وتصحيحها دون انهيار الدولة أو الدخول في دورة جديدة من العنف.
هذه المبادئ هي التي تميز التفاوض التأسيسي عن التفاوض التقليدي على السلطة، وهي التي ينبغي أن تكون محور أي مبادرة جادة لمعالجة الأزمة السودانية.
خامساً: التدخلات الخارجية وازدواجية المعايير
من المسائل التي تثير القلق في مواقف “صمود” اعتماد بعض قياداتها على مخاطبة المجتمع الدولي والضغط الخارجي في سياق الصراع السياسي السوداني، بما في ذلك توجيه اتهامات إلى القوات المسلحة.
ولا أرى أن الاستناد إلى الخارج ينبغي أن يكون خياراً تلقائياً كلما اختلفت قوة سياسية مع مؤسسات الدولة. فالعلاقات الدولية لا تقوم دائماً على اعتبارات العدالة المجردة، وإنما تتأثر بمصالح الدول الكبرى، وتوازنات القوى، والتحالفات الإقليمية، والاعتبارات الاقتصادية والاستراتيجية.
وتُظهر تجارب السياسة الدولية أن المعايير التي تُطبق على الدول الضعيفة قد لا تُطبق بالدرجة نفسها على الدول القوية أو حلفائها. كما أن بعض المؤسسات الدولية قد تتعرض لضغوط سياسية، وأن قراراتها لا تنفصل دائماً عن البيئة الدولية التي تعمل فيها.
ومن الأمثلة التي تثير هذه المخاوف مواقف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من المحكمة الجنائية الدولية، ودعوته إلى اتخاذ إجراءات بحق مسؤولين فيها في سياق اعتراض الإدارة الأمريكية على إجراءات المحكمة المتعلقة بإسرائيل. فمثل هذه المواقف تثير تساؤلات عن مدى استعداد القوى الكبرى لقبول المساءلة الدولية عندما تمس حلفاءها أو مصالحها.
ومن هنا، لا أتعامل مع الدعوات إلى التحقيقات الدولية أو العقوبات الخارجية باعتبارها إجراءات محايدة بالضرورة، ولا أرى أن قبولها تلقائياً يمثل دليلاً على قوة الدولة أو ثقة مؤسساتها في سلامة مواقفها. بل ينبغي النظر إلى كل دعوة في سياقها السياسي، وفحص الجهة التي تقف وراءها، ومدى استقلال آلياتها، وطبيعة الأدلة التي تستند إليها، والنتائج التي يُراد الوصول إليها.
ولا يعني ذلك رفض كل أشكال التعاون الدولي أو تجاهل حقوق المتضررين، وإنما يعني أن حماية السودان ومؤسساته تتطلب حذراً سياسياً، وألا تتحول الاتهامات إلى أدوات لإضعاف الدولة أو التأثير على مسار الحرب والتسوية السياسية.
وفي هذا السياق، تقع على القيادات السياسية السودانية مسؤولية وطنية في معالجة خلافاتها، وألا تجعل استدعاء الضغط الخارجي بديلاً عن بناء توافق داخلي. فالسودان لا يستطيع استعادة استقلال قراره إذا أصبح مستقبل مؤسساته مرهوناً بمواقف القوى الخارجية ومصالحها المتغيرة.
كما ينبغي أن يكون المعيار واحداً في تقييم جميع الأطراف؛ فلا تُقبل الاتهامات ضد طرف لمجرد أن جهة دولية تبنتها، ولا تُرفض لمجرد أنها تستهدف طرفاً نؤيده. بل يجب النظر إلى الوقائع والأدلة والسياق السياسي، مع إدراك أن آليات المساءلة الدولية نفسها قد تتأثر بموازين القوى.
إن الدفاع عن السيادة الوطنية لا يعني منح أي مؤسسة حصانة من النقد، لكنه يعني أيضاً رفض تحويل النزاعات السياسية الداخلية إلى وسيلة لاستدعاء ضغوط خارجية قد تتجاوز آثارها الأطراف المتنازعة إلى الدولة والمجتمع بأكمله.
سادساً: هل تمثل “صمود” قطاعاً واسعاً من السودانيين؟
من الأسئلة التي ينبغي طرحها على “صمود”: ما حجم التفويض الشعبي الذي تستند إليه في الحديث باسم السودانيين، وفي تقديم نفسها طرفاً رئيسياً في تحديد مستقبل الدولة؟
فالمشاركة السياسية لا تمنح أي تحالف حق احتكار التمثيل الوطني. كما أن المواقف التي تتخذها بعض القيادات لا تعني بالضرورة أنها تعبر عن جميع أعضاء التحالف، فضلاً عن بقية القوى السياسية والمدنية والمجتمعية.
ولا أرى أن صمود تمثل، بحكم موقعها السياسي وحده، شريحة واسعة من الشعب السوداني تخولها احتكار تحديد شروط الحوار أو تقرير القوى التي تستحق المشاركة فيه. وهذا حكم سياسي أطرحه في ضوء مواقف التحالف وطبيعة تمثيله، وليس بديلاً عن قياس شعبي موثوق يمكن الاحتكام إليه.
فالشعب السوداني أكثر تنوعاً من أن تختزله مجموعة محدودة من التحالفات السياسية. وهناك قوى مدنية وسياسية تختلف مع الجيش دون أن تتبنى مواقف قيادات “صمود”، كما أن هناك قطاعات اجتماعية ومهنية وشعبية لا تجد بالضرورة نفسها ممثلة في أي من التحالفات القائمة.
ولهذا، ينبغي أن تكون المشاركة في التفاوض التأسيسي أوسع من الاصطفافات السياسية الحالية، وأن تقوم على قواعد تسمح بتمثيل المصالح والآراء المختلفة، دون أن تمنح أي جهة امتيازاً دائماً بسبب مشاركتها في مرحلة سياسية سابقة أو ادعائها تمثيل الثورة أو الديمقراطية.
فالتفويض الشعبي لا يُكتسب بالادعاء، ولا يُستمد من كثافة الحضور الإعلامي أو العلاقات الخارجية، وإنما ينبغي أن يتجدد من خلال آليات التمثيل والمساءلة والانتخابات الحرة.
سابعاً: الفترة الانتقالية والانتخابات؛ ما البديل العملي؟
إذا كان الهدف هو تأسيس دولة مستقرة وقادرة على استعادة عافيتها، فإن السؤال لا ينبغي أن ينحصر فيمن يتولى الحكم فور انتهاء الحرب، وإنما في كيفية الانتقال من واقع الصراع والانقسام إلى مؤسسات دستورية تستمد شرعيتها من الشعب.
وفي تقديري، فإن الدعوة إلى فترة انتقالية محددة، تستمر خلالها إدارة الدولة بواسطة الجيش إلى حين إجراء انتخابات حرة ونزيهة، تمثل خياراً يستحق النظر الجاد في ظل الظروف المعقدة التي يعيشها السودان، مع ضرورة تحديد اختصاصات السلطة الانتقالية وضماناتها بوضوح.
ولا أقصد بذلك منح المؤسسة العسكرية سلطة مفتوحة أو غير محددة المدة، وإنما اعتماد ترتيبات انتقالية استثنائية ومحددة زمنياً، تستهدف استعادة الاستقرار، وإطلاق الحريات العامة، وإعادة بناء المؤسسات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وتهيئة البيئة اللازمة لانتخابات حقيقية.
ويمكن الاستفادة، في هذا السياق، من تجربة الفترة الانتقالية التي أعقبت انتفاضة أبريل 1985، عندما تولى المشير عبد الرحمن سوار الذهب قيادة المجلس العسكري الانتقالي، ثم جرت الانتخابات في العام التالي.
ولا يعني الاستشهاد بهذه التجربة أنها قابلة للاستنساخ بحذافيرها في الظروف الراهنة، فالسودان اليوم يواجه حرباً وتحديات أمنية ومؤسسية أكثر تعقيداً. لكنها تذكرنا بأن الفترة الانتقالية يمكن أن تُصمم باعتبارها مرحلة محددة الغاية والمدة، لا فرصة مفتوحة لتنافس القوى السياسية على السلطة.
ولكي يكون هذا الخيار مقبولاً، ينبغي أن يتضمن ضمانات واضحة، أهمها:
1. تحديد مدة انتقالية معلنة، ووضع موعد مستهدف للانتخابات منذ بداية الفترة، مع ضوابط معلنة لأي تعديل تفرضه الضرورة.
2. إطلاق الحريات السياسية والإعلامية، وضمان حق الأحزاب والقوى المدنية في التنظيم والعمل السلمي، وفق ضوابط وشروط يتم التوافق حولها.
3. تركيز السلطة الانتقالية على الأمن واستعادة الخدمات وإعادة الإعمار ومعالجة الأزمة الاقتصادية، دون الانشغال بترتيبات حزبية تهدف إلى تكريس السلطة.
4. إعداد قانون انتخابي عادل، وإنشاء مؤسسات انتخابية مستقلة، وضمان نزاهة التسجيل والتصويت والفرز.
5. تحديد العلاقة بين السلطة الانتقالية والمؤسسات العسكرية والمدنية، ومنع تمديد الفترة أو توسيع صلاحياتها دون مسوغ واضح وآلية رقابية متفق عليها.
6. إتاحة التنافس السياسي الحقيقي، بحيث يختار السودانيون حكومتهم عبر صناديق الاقتراع، لا عبر التوافقات المغلقة بين التحالفات والقيادات.
إن نجاح أي فترة انتقالية لا يُقاس بهوية من يقودها وحدها، وإنما بقدرتها على تهيئة البلاد لانتقال دستوري حقيقي، وإعادة القرار السياسي إلى المواطنين. كما أن هذا التصور لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن التفاوض التأسيسي، بل يجب أن يكون أحد مخرجاته المحتملة، بعد الاتفاق على المبادئ والضمانات التي تحكم المرحلة الانتقالية.
ثامناً: العدالة والمساءلة؛ لا سلام مستداماً دون معالجة الجرائم
لا يمكن أن يقوم مستقبل السودان على تسوية سياسية تتجاهل الجرائم والانتهاكات التي وقعت خلال الحرب منذ عام 2023. فإعادة بناء الدولة لا تعني طي صفحة الماضي دون مساءلة، كما أن الدعوة إلى العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى أداة للانتقام السياسي أو الإدانة الجماعية.
وأرى أن التفاوض التأسيسي يجب أن يقر مبدأ واضحاً: كل من تتوافر أدلة كافية على مسؤوليته عن جرائم حرب أو جرائم خطيرة خلال الفترة منذ عام 2023 وحتى الآن، ينبغي أن يخضع لتحقيق جاد ومحاكمة عادلة وفق القانون، بصرف النظر عن موقعه العسكري أو السياسي أو انتمائه إلى أي طرف.
ويشمل ذلك المسؤولين المدنيين متى ثبتت مسؤوليتهم الجنائية عن جرائم تدخل في اختصاص القانون. فلا يجوز أن تكون المشاركة في الحوار أو الوصول إلى اتفاق سياسي وسيلة لإلغاء المسؤولية الجنائية أو منح حصانة عامة لمن تثبت إدانتهم.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي اعتبار الاتهام وحده دليلاً على الإدانة؛ بل يجب أن يخضع كل متهم لإجراءات قانونية عادلة تضمن حقه في الدفاع وتستند إلى أدلة موثقة.
كما ينبغي التمييز بين المسؤولية الجنائية الفردية والمسؤولية السياسية، وبين المحاسبة القانونية والتقييم التاريخي لأداء الحكومات والتحالفات. فهذه مستويات مختلفة، ولكل منها أدواتها ومعاييرها.
إن العدالة ليست ملفاً يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم، ولا بنداً يُستخدم للمساومة على المناصب. بل هي جزء من تأسيس الدولة التي يريد السودانيون بناءها، ومن ضمان ألا تتحول القوة أو النفوذ السياسي إلى وسيلة للإفلات من القانون.
ويمكن التعبير عن المبدأ المطلوب بعبارة موجزة: عدالة بلا انتقام، ومصالحة بلا إفلات من العقاب. فالعدالة التي تتحول إلى انتقام تعيد إنتاج الصراع، والمصالحة التي تتجاهل الجرائم تضعف الثقة في الدولة والقانون معاً.
تاسعاً: مسؤولية جميع الأطراف عن تقديم البدائل
إن المسؤولية عن الخروج من الأزمة لا تقع على “صمود” وحدها، كما لا تنحصر في الجهة التي دعت إلى الحوار. فكل القوى السياسية والعسكرية التي تسعى إلى التأثير في مستقبل السودان مطالبة بتقديم تصور واضح، وتحديد التزاماتها، وقبول المساءلة عن مواقفها وقراراتها.
وعلى “صمود”، تحديداً، أن تجيب عن أسئلة أساسية:
• ما البديل التأسيسي الذي تقترحه للمبادرة الحالية، وما القواعد التي ينبغي أن تحكمه؟
• كيف ستضمن مشاركة القوى السياسية والاجتماعية المختلفة، بما فيها القوى التي تختلف معها في موقفها من الجيش؟
• ما المعايير التي ستعتمدها للتمييز بين المعارضة السياسية المشروعة والأفعال التي قد تنطوي على مسؤولية قانونية؟
• كيف ستضمن ألا تتحول المرحلة الانتقالية إلى وسيلة لإعادة تمكين التحالفات التي تولت السلطة بعد عام 2019، دون تفويض شعبي جديد؟
• ما موقفها من إجراء انتخابات حرة ونزيهة في موعد محدد، ومن خضوع جميع القوى السياسية لاختبار التفويض الشعبي؟
• كيف ستتعامل مع العدالة والمساءلة عن الجرائم والانتهاكات، دون انتقائية أو إفلات من العقاب؟
وفي المقابل، على الجهة الداعية إلى الحوار أن تقدم تصوراً واضحاً لمخرجاته، وأن تضمن ألا يكون مجرد مناسبة لتأييد قرارات اتُخذت مسبقاً، وأن تتيح المشاركة وفق معايير وطنية عادلة.
كما أن القوى المؤيدة للجيش مطالبة بالتمييز بين الدفاع عن المؤسسة العسكرية والدفاع غير المشروط عن كل قرار تتخذه قيادتها، وبالالتزام بأن يكون الجيش مؤسسة وطنية مهنية، لا بديلاً دائماً عن المؤسسات الدستورية والتمثيل الشعبي.
فلا يكفي أن يرفض طرف مشروع الطرف الآخر، ولا أن يعلن طرف ثالث تأييده للجيش أو للحكم المدني. المطلوب هو تقديم تصورات قابلة للمناقشة والتنفيذ، وتحديد المسؤوليات والضمانات والآجال، حتى يتمكن السودانيون من تقييم البدائل على أساس نتائجها المتوقعة، لا على أساس الشعارات التي ترفعها.
خلاصة الجزء الثاني
يتضح مما سبق أن التفاوض التأسيسي لا يكتسب قيمته من عدد المشاركين فيه، بل من القواعد التي يتوافقون عليها، والضمانات التي تمنع احتكار السلطة أو الإفلات من المساءلة، والقدرة على الانتقال من المرحلة الانتقالية إلى شرعية دستورية مستمدة من الشعب.
لكن يبقى سؤال أكثر عمقاً: لماذا عادت الأزمات السودانية في صور مختلفة، رغم الحوارات والاتفاقات وتبدل الحكومات؟ ولماذا لم تنجح المعالجات المتفرقة في بناء دولة قادرة على احتواء الاختلاف ومنع تحوله إلى صراع مسلح؟
للإجابة عن ذلك، لا بد من الانتقال من نقد المواقف السياسية إلى فهم منظومة إنتاج الأزمة نفسها. وهنا تتصل قضية الحوار السوداني–السوداني اتصالاً مباشراً بالأفكار التي طرحتها في مقالي المشار إليه سابقاً حول ضرورة اعتماد الفكر المنظومي إطاراً لإعادة تأسيس الدولة.
وهو ما سنتناوله في الجزء الثالث بعون الله.



