“صمود” ورفض الحوار السوداني–السوداني: من معالجة الأزمات إلى إعادة تأسيس الدولة بمنظور منظومي (3-3)

د. إسماعيل ساتي
خلص الجزء الثاني من مقالنا إلى أن التفاوض التأسيسي ينبغي أن يتجاوز الاتفاقات المؤقتة على السلطة، وأن يقوم على قواعد مشتركة تضمن إدارة الاختلاف، وتحدد مسؤوليات المؤسسات، وتؤسس لانتقال دستوري حقيقي، مع الالتزام بالعدالة والمساءلة. لكن هذه الاستحقاقات تقودنا إلى سؤال أعمق: لماذا تتكرر الأزمات السودانية، حتى بعد تغير الحكومات وتوقيع الاتفاقات وإطلاق المبادرات السياسية؟
في تقديري، لا تكمن الإجابة في أخطاء الأشخاص والقيادات وحدها، ولا في إخفاق مبادرة بعينها، وإنما في الطريقة التي نفهم بها المشكلة ونتعامل معها. فحين ننظر إلى الحرب والاقتصاد والهوية والتهميش والعلاقة بين المركز والأقاليم والعلاقة بين المدني والعسكري باعتبارها ملفات منفصلة، فإننا قد ننجح في معالجة بعض مظاهر الأزمة، بينما نترك العلاقات التي تعيد إنتاجها دون تغيير.
وهذه هي الفكرة الأساسية التي طرحتها في مقالي المنشور على فيسبوك بتاريخ 29 أغسطس 2026 بعنوان (حول الحوار السوداني– السوداني)؛ أن المطلوب ليس مجرد خطة للحوار، بل إطار فكري يساعد السودانيين على فهم منظومة الدولة المختلة، وتحديد الآليات التي تنتج الأزمات، وبناء نظرية تغيير واضحة، وصولاً إلى عقد وطني يؤسس لقواعد مشتركة لإدارة الدولة والاختلاف.
عاشراً: من تشخيص الأحداث إلى تشخيص منظومة إنتاج الأزمة
من الشائع أن يبدأ الحوار السياسي بجمع قائمة طويلة من القضايا التي تحتاج إلى معالجة: الحرب والاقتصاد والتهميش والهوية والسلطة والثروة والمؤسسات والعدالة والثقافة السياسية. ولا شك في أهمية هذه القضايا، لكن جمعها في قائمة لا يكفي لفهم الأزمة.
فالتشخيص يحدد المشكلات التي نراها، أما النموذج التفسيري فيحاول أن يشرح العلاقات التي تربط بينها، وكيف تؤثر إحداها في الأخرى، وكيف يمكن أن تتفاعل معاً لتنتج الأزمة وتعيد إنتاجها.
على سبيل المثال، قد يؤدي اختلال توزيع السلطة إلى شعور قطاعات من السكان بالتهميش، ويؤدي هذا الشعور إلى تراجع الثقة في الدولة، بما يدفع بعض الجماعات إلى البحث عن الحماية أو النفوذ خارج مؤسساتها. ومع تعدد مراكز القوة، تضعف قدرة الدولة على احتكار القوة المشروعة وتطبيق القانون، فتزداد احتمالات العنف، وتتراجع فرص الاستثمار والتنمية، ويرتفع الفقر والتهميش من جديد.
وهكذا تتكون حلقة مفرغة يعزز فيها كل اختلال الاختلالات الأخرى. ولا يمكن كسر هذه الحلقة بمعالجة كل عنصر بمعزل عن بقية العناصر؛ لأن إصلاح جانب واحد قد لا يستمر إذا بقيت العلاقات التي تقوضه قائمة.
وهذا هو الفرق بين التفكير التفتيتي والتفكير المنظومي. فالأول يميل إلى تجزئة الواقع إلى ملفات منفصلة، بينما يحاول الثاني فهم العلاقات المتبادلة، والتأثيرات المتراكمة، والحلقات التي تعيد إنتاج المشكلة.
من هنا، فإن السؤال المركزي الذي ينبغي أن يوجه الحوار ليس فقط: ما أسباب الحرب السودانية؟ بل: ما الذي جعل الدولة السودانية عاجزة بصورة متكررة عن إدارة الاختلافات السياسية والاجتماعية سلمياً؟
هذا السؤال ينقلنا من تاريخ الأحداث إلى منظومة إنتاج الأحداث. وهو لا يلغي مسؤولية الأفراد والقيادات عن قراراتهم، بل يضع هذه المسؤولية في سياق أوسع يساعدنا على فهم لماذا تتكرر الأخطاء، ولماذا لا تكفي أحياناً محاسبة أشخاص أو تغيير حكومة لمنع تكرار الأزمة.
الحادي عشر: من معالجة الملفات إلى تغيير العلاقات بين مكونات الدولة
إذا اتفقنا على أن الأزمة السودانية ذات طبيعة منظومية، فإن تنظيم الحوار حول مسارات متخصصة قد يكون مفيداً، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى تفتيت جديد للمشكلات.
فمن الممكن، بل من الضروري، أن تكون هناك مسارات سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية واجتماعية، إلى جانب مسار للعدالة الانتقالية. فلكل مجال طبيعته وخبراته والجهات المختصة به. لكن ينبغي أن يكون هناك مبدأ واضح يحكم هذه الترتيبات؛ الفصل الوظيفي لا يعني الفصل المنظومي.
فالإصلاح العسكري يؤثر في الدستور، والدستور يحدد طبيعة المؤسسة العسكرية واختصاصاتها. والاقتصاد العسكري يؤثر في الاقتصاد الوطني، والعدالة تؤثر في المصالحة، والمصالحة تؤثر في الاستقرار المحلي، والاستقرار بدوره يؤثر في الاستثمار والتنمية. ولذلك، لا يمكن التعامل مع هذه المسارات كما لو كانت جزراً مستقلة لا يؤثر بعضها في بعض.
وقد اقترحت في مقالي السابق إنشاء (مجلس التكامل الوطني) أو (آلية التكامل الاستراتيجي)، تكون مهمته التأكد من اتساق مخرجات المسارات المختلفة، والكشف عن التعارضات بينها قبل اعتمادها. ولا يُقصد بهذه الآلية أن تتخذ القرارات نيابة عن المسارات المتخصصة، وإنما أن تضمن تكاملها ضمن رؤية وطنية واحدة.
فعلى سبيل المثال، لا يكفي أن يتفق مسار على إصلاح المؤسسة العسكرية إذا كانت مخرجات المسار الدستوري لا تحدد بوضوح موقع هذه المؤسسة وصلاحياتها. كما لا يكفي الاتفاق على سياسات اقتصادية إذا لم تُعالج العلاقات المؤسسية التي تعوق تنفيذها، أو إذا كانت الترتيبات الأمنية تجعل الاستقرار اللازم للتنمية أمراً بعيد المنال.
إن نجاح الحوار لا يُقاس بعدد الملفات التي أُنجزت، وإنما بمدى قدرة مخرجاته على العمل معاً بوصفها أجزاء من منظومة دولة واحدة.
الثاني عشر: نظرية التغيير؛ كيف سيؤدي الحوار إلى دولة مختلفة؟
من أهم ما اقترحته في مقال (حول الحوار السوداني–السوداني) أن يتضمن الحوار ما يمكن تسميته (نظرية التغيير الذكي)؛ أي تصوراً واضحاً يشرح كيف ستؤدي التوافقات المقترحة إلى تغيير واقع الدولة، لا مجرد تحديد الموضوعات التي ستناقشها الأطراف.
فإذا كان الهدف هو منع تكرار الحرب والأزمات، فلا بد من توضيح الروابط بين التدخلات المقترحة والنتائج المنتظرة منها.
يمكن، مثلاً، صياغة الفرضية الأساسية على النحو الآتي: إذا تغيرت قواعد إنتاج السلطة، وأُعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية وقانونية، وضُبطت العلاقة بين السلطات المدنية والمؤسسات العسكرية، وعولجت اختلالات العلاقة بين المركز والأقاليم، وأُرست المواطنة المتساوية، وأُنشئت آليات دائمة لإدارة الاختلاف، فإن احتمالات إعادة إنتاج الحرب والأزمات تنخفض بصورة جوهرية.
لكن هذه الفرضية لا ينبغي أن تبقى مجرد إعلان سياسي. بل يجب أن تتحول إلى التزامات محددة، ومسؤوليات معلومة، وآجال زمنية، ومؤشرات يمكن من خلالها تقييم التقدم، واكتشاف مواطن التعثر، وإجراء التصحيح اللازم.
ومن المهم هنا ألا نخلط بين الاتفاق على الأهداف والقدرة على تحقيقها. فقد تتفق القوى السياسية على مبادئ سليمة، لكنها تفشل في تنفيذها إذا لم تتوافر مؤسسات قادرة، أو إذا ظلت الحوافز السياسية والاقتصادية تشجع على تعطيل الاتفاقات.
لذلك، يجب أن يجيب الحوار عن ثلاثة أسئلة مترابطة:
• ما التغيير الذي نريد تحقيقه في بنية الدولة وعلاقات مكوناتها؟
• ما الآليات المؤسسية والسياسية والاقتصادية التي يُفترض أن تنتج هذا التغيير؟
• كيف سنعرف أن التغيير قد تحقق، وما الذي سنفعله إذا كشفت النتائج أن الفرضيات أو الإجراءات تحتاج إلى مراجعة؟
بهذا المعنى، لا تكون نظرية التغيير الذكي وثيقة إضافية إلى جانب مخرجات الحوار، وإنما تصبح الرابط الذي يصل بين تشخيص الأزمة، والتوافق على الحلول، وتنفيذها، وتقييم نتائجها.
الثالث عشر: العقد الوطني هو قلب مشروع التفاوض التأسيسي
أرى أن مفهوم (العقد الوطني) ينبغي أن يكون محور مشروع التفاوض التأسيسي، لا مجرد مخرج من مخرجات الحوار.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط، كيف نتفق على حكومة؟ بل على ماذا نتعاقد كسودانيين حتى نتمكن من الاختلاف دون أن نقتل بعضنا بعضاً؟
ينبغي أن يحدد العقد الوطني القواعد التي يوافق السودانيون على قيام دولتهم عليها، بصرف النظر عن الحزب الذي يتولى الحكم أو التحالف الذي يمتلك الأغلبية في مرحلة معينة.
ومن بين الأسئلة التأسيسية التي ينبغي أن يعالجها:
• من هو المواطن، وما الحقوق والواجبات التي تترتب على المواطنة؟
• ما طبيعة الدولة، وما مصدر شرعيتها؟
• كيف تُوزع السلطة بين المركز والأقاليم، وما حدود اختصاص كل مستوى؟
• كيف تُدار الموارد والثروات بصورة عادلة؟
• من يملك حق استخدام القوة، وتحت أي سلطة قانونية؟
• ما حدود دور الجيش في الدولة، وكيف تُضمن مهنيته وعدم تحوله إلى أداة حزبية؟
• كيف تُتداول السلطة سلمياً، وكيف يُحاسب الحاكم؟
• كيف تُحمى حقوق الأفراد والأقليات والمكونات المختلفة؟
• كيف تُدار الخلافات السياسية والاجتماعية عندما يتعذر التوافق؟
• ماذا يحدث إذا فشلت المؤسسات أو تعارضت صلاحياتها؟
وهنا أرى ضرورة التمييز بين العقد الوطني والدستور. فالدستور ينظم مؤسسات الدولة وسلطاتها وإجراءات عملها، أما العقد الوطني فيحدد القواعد الأساسية التي يتوافق المواطنون على أن تقوم عليها الدولة، والتي ينبغي أن توجه صياغة الدستور وتفسيره وتطويره.
ولا يعني ذلك أن العقد الوطني بديل عن الدستور، بل إنه الإطار المرجعي الذي ينبغي أن يستند إليه. كما ينبغي أن يتضمن التفاوض نقاشاً حول المبادئ الدستورية الأساسية التي لا يجوز لأي أغلبية سياسية عابرة أن تهدمها بسهولة، مثل المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة، واستقلال القضاء، والتعددية السياسية، وحقوق الإنسان، واحتكار الدولة للقوة المشروعة.
إن الاتفاق على هذه المبادئ لا يعني أن جميع السودانيين سيصبحون متفقين في رؤاهم السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وإنما يعني أنهم سيملكون قواعد مشتركة لإدارة خلافاتهم دون أن يتحول الخلاف إلى تهديد لوجود الدولة.
الرابع عشر: المواطنة وإعادة بناء الثقة الوطنية
ينبغي ألا تبقى المواطنة مجرد مبدأ يُذكر في مقدمة الوثائق الدستورية، بل أن تصبح الفلسفة التي تنتظم حولها علاقة الدولة بالمجتمع.
فالمواطنة تجيب عن أسئلة الهوية والحقوق والواجبات، وتحدد أساس التمثيل السياسي، وعدالة الوصول إلى الخدمات والفرص، وطبيعة العلاقة بين الفرد والدولة. وهي بذلك توفر أساساً مشتركاً لإدارة التنوع السوداني، بدلاً من ترك الهوية والانتماءات الاجتماعية والإقليمية أدوات للتنافس على السلطة أو تبرير الإقصاء.
لكن المواطنة المتساوية لا تتحقق بالنصوص وحدها؛ إذ تحتاج إلى مؤسسات تطبق القانون بعدالة، وسياسات توزع الفرص والخدمات على أسس منصفة، وآليات تتيح للمواطنين مساءلة المسؤولين، وتمنع تحويل الانتماء السياسي أو الاجتماعي إلى شرط للحصول على الحقوق.
وترتبط المواطنة ارتباطاً وثيقاً بمشكلة أخرى لا تقل أهمية، هي أزمة الثقة الوطنية.
فالأزمة السودانية ليست أزمة مؤسسات فقط، بل أزمة ثقة أيضاً؛ المواطن لا يثق في الدولة، والأقاليم لا تثق في المركز، والمدني لا يثق في العسكري، والعسكري لا يثق في السياسي، والقوى السياسية لا تثق في بعضها، والمجتمع لا يثق في النخب، والأجيال الجديدة لا تثق في النظام السياسي كله.
ولا يمكن معالجة هذه الأزمة بالمطالبة بالثقة أو بتوقيع إعلان سياسي يدعو إليها. فالثقة تُبنى عندما يرى الناس أن القواعد تُطبق على الجميع، وأن المؤسسات تفي بالتزاماتها، وأن الحقوق لا تتغير بتغير الحكومات، وأن المسؤولين يخضعون للمساءلة.
ولهذا، اقترحت أن تصبح إعادة بناء الثقة الوطنية هدفاً استراتيجياً مستقلاً في الحوار، وأن تُترجم إلى مؤشرات قابلة للمتابعة، مثل مستوى الثقة في المؤسسات، وعدالة الحصول على الخدمات، وفاعلية آليات التظلم، ومدى الالتزام بالقانون، وقدرة المواطنين على المشاركة والمساءلة.
فإذا لم تتغير التجارب التي تولد انعدام الثقة، فلن تكفي الدعوات إلى المصالحة لإعادة بنائها بصورة مستدامة.
الخامس عشر: منظومة الحوافز والقدرة المؤسسية للدولة
هناك سؤال مهم ينبغي أن يواجهه التفاوض التأسيسي بصراحة: لماذا فشلت حوارات واتفاقات سابقة؟ ليس بالضرورة لأن جميع الأفكار التي تضمنتها كانت خاطئة، بل لأن بعض الفاعلين قد يجدون في استمرار الأزمة أو الإقصاء أو السيطرة على الموارد حوافز تجعل التسوية أقل فائدة لهم من بقاء الوضع القائم.
ومن هنا، ينبغي ألا يقتصر الحوار على تحديد ما يجب أن تفعله الدولة، بل أن يبحث أيضاً في كيفية تصميم مؤسساتها وقواعدها بحيث يصبح السلام والتعاون والالتزام بالقانون أكثر فائدة من الحرب والإقصاء والاستحواذ على السلطة. هذا سؤال سياسي واقتصادي ومؤسسي في آن واحد. ويتطلب فحص مصادر النفوذ، وقواعد توزيع الموارد، وآليات الرقابة، وطبيعة المكاسب التي يحصل عليها الفاعلون من الالتزام بالقواعد أو خرقها.
فإذا كانت المنظومة تكافئ من يعطل المؤسسات، أو تمنح من يستخدم القوة خارج القانون قدرة أكبر على التأثير السياسي، فإن الدعوة إلى التعاون لن تكون كافية لتغيير السلوك. أما إذا ربطت القواعد بين السلطة والمسؤولية، وبين النفوذ والمساءلة، وبين المشاركة والالتزام بالقانون، فإن فرص التعاون المؤسسي تصبح أكبر.
كذلك، يجب أن يتناول الحوار القدرة المؤسسية للدولة. فقد تمتلك الدولة دستوراً جيداً، لكنها تعجز عن تنفيذ ما ينص عليه إذا كانت ضعيفة إدارياً، أو عاجزة مالياً، أو تعاني الفساد، أو لا تستطيع تقديم الخدمات وتطبيق القانون.
ولهذا، فإن بناء دولة ذات قدرة مؤسسية يجب أن يكون هدفاً تأسيسياً، لا مجرد بند في برنامج حكومي. ويشمل ذلك كفاءة الإدارة العامة، واستدامة الموارد المالية، والرقابة والمساءلة، وقدرة المؤسسات على التنسيق، وتقديم الخدمات، وتنفيذ السياسات المتفق عليها. فلا قيمة عملية لاتفاق لا توجد مؤسسات قادرة على تنفيذه، ولا لاستراتيجية لا تحدد الموارد والمسؤوليات والقدرات المطلوبة لتحقيق أهدافها.
السادس عشر: من الحوار الخطي إلى التعلم الوطني المستمر
من أوجه القصور التي ينبغي تجنبها أن تُصمم العملية السياسية وكأنها مسار خطي يبدأ بالحوار، ثم ينتهي بالعقد الوطني والدستور والتنفيذ، دون أن تكون هناك آليات واضحة لمراجعة النتائج وتصحيح الأخطاء.
فالواقع السوداني أكثر تعقيداً من أن يخضع لترتيب مغلق لا يتغير. وقد يكشف التنفيذ عن مشكلات لم تكن واضحة أثناء التفاوض، أو تظهر متغيرات تجعل بعض الافتراضات بحاجة إلى مراجعة، أو تتضح آثار غير مقصودة لقرارات اتُخذت بحسن نية.
لذلك، اقترحت مفهوم (التعلم الوطني المستمر)، الذي ينظر إلى بناء الدولة بوصفه عملية تعلم وتصحيح متواصلة، لا مجرد إعداد وثيقة نهائية.
ويمكن أن تتضمن هذه العملية الاستماع إلى المواطنين، وتشخيص المشكلات، والحوار حول أسبابها، وتجريب الحلول المناسبة، ومراجعة النتائج، ثم تطوير التوافقات والسياسات في ضوء ما تكشفه التجربة.
وقد تعيد المراجعة بعض القضايا إلى طاولة الحوار، أو تكشف الحاجة إلى تعديل سياسات أو إجراءات أو حتى مراجعة بعض الترتيبات المؤسسية، وفق قواعد دستورية وقانونية واضحة.
ولا يعني التعلم المستمر أن تصبح الدولة أسيرة التغيير الدائم، أو أن تفقد مؤسساتها استقرارها. بل يعني أن تجمع بين ثبات المبادئ الأساسية والقدرة على تطوير السياسات والوسائل، وأن تملك آليات مؤسسية لتصحيح الأخطاء دون الحاجة إلى انهيار سياسي أو صراع مسلح.
فالدولة القادرة على التعلم لا تدعي العصمة، وإنما تبني قدرتها على اكتشاف أخطائها وتصحيحها قبل أن تتحول إلى أزمات كبرى.
السابع عشر: المسار العسكري في إطار تأسيس الدولة
في ضوء هذا التصور، ينبغي أن يتناول المسار العسكري أكثر من الترتيبات الفنية المتعلقة بالدمج والتسريح وإعادة الإدماج. فالسؤال التأسيسي الأسبق هو: ما المبادئ التي يجب أن تحكم العلاقة بين الدولة والقوة المسلحة؟
وأرى أن نقطة البداية ينبغي أن تكون التوافق على مبدأ واضح؛ لا يمكن بناء دولة وطنية مستقرة مع تعدد مراكز القوة المسلحة خارج إطار الدولة والقانون. وبعد الاتفاق على هذا المبدأ، يأتي النقاش حول كيفية بناء جيش وطني مهني، واحتكار الدولة المشروع للقوة، وضمان خضوع المؤسسة العسكرية للقواعد الدستورية والقانونية، ومنع تسييسها أو تحويلها إلى أداة حزبية، وتحقيق الشفافية في أنشطتها الاقتصادية، وتحديد مسؤوليات القيادة والرقابة والمساءلة.
ولا بد هنا من التمييز بين حماية المؤسسة العسكرية بوصفها مؤسسة وطنية وبين منح قيادتها حصانة من النقد أو المساءلة. فالدولة تحتاج إلى مؤسسة عسكرية مهنية وقادرة، لكنها تحتاج أيضاً إلى قواعد واضحة تضبط اختصاصاتها وعلاقتها ببقية المؤسسات.
وبالمثل، لا ينبغي أن يتحول إصلاح القطاع الأمني إلى مشروع لتصفية الحسابات السياسية أو لإخضاع المؤسسات الوطنية لمصالح تحالف بعينه. بل يجب أن يستند إلى متطلبات بناء الدولة، وإلى قواعد متفق عليها، وإلى اعتبارات مهنية وقانونية وأمنية واضحة.
إن الهدف ليس مجرد جمع التشكيلات المسلحة في هيكل واحد، بل بناء منظومة وطنية تكون فيها القوة خاضعة للقانون والولاء للدولة، والقيادة المهنية مسؤولة عن أداء واجباتها ضمن اختصاصات محددة.
من الصراع على السلطة إلى التفاوض على أسس الدولة
أنا، كما سبق وذكرت، لا أؤيد المفاهيم التي قامت عليها الدعوة الحالية للحوار، ولا أرى أن تنظيم اجتماع بين القوى السياسية يكفي لمعالجة الأزمة السودانية. وقد طرحت بديلاً يقوم على الفكر المنظومي والتفاوض التأسيسي، يستهدف التوافق على ثوابت الأمة وقواعد إدارة الاختلاف، وبناء منظومة وطنية قادرة على معالجة الأزمات بدلاً من إعادة إنتاجها. لكنني، في الوقت نفسه، أختلف مع صمود في مواقف أراها مجحفة بمؤسسات الدولة، وفي مقاربتها لدور القوات المسلحة، وفيما أراه نزوعاً إلى فرض تصور سياسي محدود على حساب قوى أخرى ينبغي أن يكون لها حق المشاركة في تقرير مستقبل البلاد وفق معايير وطنية واضحة.
كما أنني لا أرى أن تحالف صمود يملك تفويضاً شعبياً يمنحه حق احتكار تحديد مسار الحل أو تقرير من يستحق المشاركة فيه. ولا ينبغي أن تتحول أي تسوية سياسية إلى وسيلة لإعادة تمكين قوى بعينها أو منحها امتيازاً دائماً في الحكم دون الرجوع إلى الشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة.
وفي تقديري، فإن الطريق الأكثر واقعية للخروج من الأزمة يبدأ بالفصل بين التفاوض العسكري لإنهاء الحرب والتفاوض السياسي التأسيسي لبناء الدولة، ثم الاتفاق على مبادئ العقد الوطني وقواعد إدارة الاختلاف، وتحديد فترة انتقالية واضحة، تُطلق خلالها الحريات، وتُستعاد المؤسسات والخدمات، وتُهيأ البلاد لانتخابات حرة، مع الالتزام بتحقيق العدالة ومحاكمة كل من تثبت مسؤوليته عن جرائم الحرب والانتهاكات منذ عام 2023.
لكن هذه الخطوات لن تحقق غايتها ما لم تستند إلى فهم منظومي للأزمة، يربط بين توزيع السلطة، وبناء المؤسسات، والمواطنة، والعدالة، والثقة، والحوافز الاقتصادية والسياسية، والقدرة على التعلم والتصحيح. فالمطلوب ليس معالجة كل ملف بمعزل عن غيره، بل تغيير العلاقات التي جعلت الأزمات تتكرر.
إن السودان لا يحتاج إلى إجماع على رواية واحدة للماضي، ولا إلى اتفاق بين القوى السياسية على من كان الأكثر صواباً في كل مرحلة، وإنما يحتاج إلى اتفاق على قواعد مشتركة تحكم المستقبل، وتمنع احتكار السلطة، وتضمن سيادة القانون، وتحفظ وحدة البلاد، وتتيح للسودانيين اختيار من يحكمهم.
ولذلك، فإن السؤال الذي أطرحه على “صمود” وخصومها، وعلى جميع القوى التي تتحدث باسم السودان، هو:
هل أنتم مستعدون للمشاركة في تفاوض تأسيسي لا تحتكرون أجندته ولا نتائجه، وتخضعون فيه جميعاً لقواعد متفق عليها، وتلتزمون بمخرجاته حتى عندما لا تتوافق مع تصوراتكم أو مصالحكم السياسية؟ أم أن قبولكم بالعملية السياسية يظل مشروطاً بأن تضمن لكم النتائج تحقيق مشروعكم الخاص؟
إن التفاوض التأسيسي لا يُختبر بمجرد المشاركة فيه، ولا بمجرد التوقيع على مخرجاته، بل بمدى استعداد الأطراف للالتزام بما تتفق عليه، حتى عندما لا تكون النتائج في مصلحتها. فلا معنى لعقد وطني إذا احتفظ كل طرف لنفسه بحق قبول قواعده عندما تخدم أهدافه، ورفضها أو تجاوزها عندما لا توافق تصوراته السياسية.
فالمشاركة في بناء الدولة لا تعني أن يحصل كل طرف على ما يريد، بل أن يقبل الجميع الاحتكام إلى قواعد مشتركة، وأن يسعوا إلى تغيير ما يعترضون عليه من خلال الوسائل الدستورية والسلمية، لا من خلال التمرد على الدولة أو تقويض مؤسساتها كلما جاءت النتائج على غير ما يشتهون. فالعقد الوطني لا يكتسب قيمته من توقيعه وحده، وإنما من استعداد الأطراف لاحترامه وتحمل الالتزامات المترتبة عليه.
إن هذا السؤال لا يستثني أي طرف. فالقوى السياسية التي تعارض الجيش ليست وحدها مطالبة بتقديم بدائل، كما أن القوى المؤيدة له ليست معفاة من واجب تقديم تصور واضح لمستقبل الدولة. والجهة التي تدعو إلى الحوار ليست مالكة له، مثلما أن الجهة التي ترفضه لا تملك حق تعطيله إلى أجل غير مسمى.
إن ما يحتاج إليه السودان ليس انتصار تحالف على آخر، ولا عودة إلى ترتيبات سياسية أثبتت التجربة قصورها، بل بناء منظومة وطنية تستوعب التنوع، وتدير الاختلاف، وتضمن تداول السلطة، وتحاسب المسؤولين عن الجرائم، وتحفظ مؤسسات الدولة من التسييس والاختطاف، وتملك القدرة على التعلم من أخطائها والتكيف مع المتغيرات.
فالسؤال الحاسم ليس من رفض الحوار ومن دعا إليه، وإنما: هل نمتلك الشجاعة الفكرية والسياسية للانتقال من الصراع على السلطة إلى التفاوض على أسس الدولة، ومن معالجة الأزمات المتكررة إلى بناء منظومة وطنية تمنع إعادة إنتاجها؟
ذلك، في تقديري، هو الاستحقاق الحقيقي الذي ينبغي أن تواجهه “صمود” وسائر القوى السودانية، وهو الطريق الذي يمكن أن يمنح السودان فرصة للخروج من دوامة الصراع نحو دولة مستقرة وعادلة وقادرة على حماية شعبها وصون مستقبله.



