عبدول وترامب: معركة انتخابية تكشف تحولات عميقة في المجتمع الأمريكي

رمضان أحمد
إذا أراد المرء أن يشهد أحد أبرز التحولات التي تتشكل في الولايات المتحدة الأمريكية خلال القرن الحادي والعشرين، فعليه أن يتابع الحملة الانتخابية النصفية الجارية هذه الأيام. فالمشهد اللافت في هذه الحملة هو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونائبه، وعدداً من أبرز صقور الحزب الجمهوري، انشغلوا بمهاجمة المرشح المسلم من أصول مصرية، عبد الرحمن السيد، المعروف في الأوساط الأمريكية باسم «عبدول». وقد اتخذت هذه الهجمات شكل حملات من الشتائم والتشهير ومحاولات ربطه، تارة بجماعة الإخوان المسلمين، وتارة أخرى بتنظيم القاعدة.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة: ما الذي يدفع أعلى سلطة في البلاد إلى استهداف عبدول بهذه الشراسة؟ وهل يمكن أن تؤثر هذه الحملة في فرصه الانتخابية؟ وما الذي قد يعنيه فوزه على منافسه الجمهوري مايك روجرز؟ والأهم من ذلك، هل نحن أمام مجرد معركة انتخابية عابرة، أم أمام مؤشرات على تحول أعمق في السياسة والمجتمع الأمريكيين، قد تمتد تداعياته إلى المنطقة العربية والعالم بأسره؟
في هذا المقال، نحاول الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال قراءة دلالات المعركة الانتخابية الراهنة وما تكشفه من تحولات في المشهد الأمريكي.
حملة التشويه وحدود تأثيرها:
لم يكتفِ ترامب بإعلان معارضته لفوز عبدول، بل ذهب إلى اتهامه بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين والارتباط بتنظيم القاعدة، فضلاً عن تلقي تمويل من منظمات إرهابية. ومضى أبعد من ذلك حين قال إن عبدول، إذا فاز، ينبغي ألا يدخل مجلس الشيوخ إلا بعد المرور عبر أجهزة كشف المعادن، في إيحاء واضح بأنه يمثل تهديداً أمنياً محتملاً.
ولم تكن هذه التصريحات معزولة؛ إذ صدرت مواقف مماثلة عن نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، كما واصلت وسائل الإعلام المحسوبة على الحزب الجمهوري ترديد الاتهامات ذاتها، بما جعل استهداف عبدول أحد المحاور البارزة في الخطاب المناهض له.
في المقابل، يواصل عبدول حملته الانتخابية من دون أن يسمح لهذه الهجمات بصرف الأنظار عن القضايا التي يطرحها. ويرى عدد من المحللين أن ردوده على الهجوم الشخصي الذي يشنه ترامب قد أضعفت الموقف الأخلاقي والسياسي للأخير، ومنحت حملة عبدول مساحة أوسع للتركيز على هموم المواطنين الأمريكيين اليومية.
فبدلاً من الانجرار إلى سجالات شخصية، يركز عبدول على قضايا الرعاية الصحية، وتكاليف المعيشة، والتعليم، وضرورة توجيه المال العام إلى تحسين حياة الأمريكيين، بدلاً من تمويل الحروب أو تقديم الدعم لدول تتهمها جهات دولية بارتكاب جرائم إبادة جماعية. ويطرح في هذا السياق سؤالاً مباشراً: لماذا تُنفق أموال دافعي الضرائب على القنابل التي تقتل الأطفال والأبرياء، بينما يمكن توجيهها إلى تمويل التعليم وتطوير النظام الصحي وتحسين الخدمات العامة؟
بهذا الخطاب، يحاول عبدول نقل النقاش من دائرة الاتهامات والهوية الدينية والاسم إلى دائرة الأولويات الاجتماعية والاقتصادية، حيث يلتقي خطابه مع اهتمامات شرائح واسعة من الناخبين.
المناظرة الانتخابية وتداعيات دخول ترامب على الخط:
شكّلت المناظرة الأخيرة بين عبدول ومنافسه الجمهوري مايك روجرز محطة مهمة في مسار الحملة. فبحسب الأرقام المتداولة في استطلاعات التأييد المشار إليها في سياق المنافسة، ارتفعت نسبة تأييد عبدول إلى أكثر من 60 في المائة، في حين تراجعت نسبة تأييد روجرز إلى أقل من 40 في المائة.
وأمام هذا التراجع، لجأ روجرز إلى الاستعانة بترامب لدعم حملته. غير أن ظهور الرئيس، وفقاً للانطباعات التي سادت بين عدد من المتابعين، لم يحقق الأثر المرجو؛ إذ كان بعض الناخبين ينتظرون خطاباً يتناول مخاوفهم ويقدم إجابات مقنعة، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام موجة جديدة من الشتائم واللغة الحادة التي رأى منتقدوها أنها لا تتناسب مع مقام رئيس الولايات المتحدة.
وتكشف هذه الواقعة، إن صحت التقديرات بشأن أثرها الانتخابي، عن مفارقة مهمة: فالشخصية التي يُفترض أن تمنح المرشح الجمهوري قوة إضافية قد تتحول إلى عبء عليه، عندما يصبح خطابها أكثر انشغالاً بالخصومة الشخصية من انشغاله بالقضايا التي تهم الناخبين.
لماذا يخشى خصوم عبدول خطابه؟
قد يكمن أحد أسباب الاستهداف المكثف لعبدول في وضوح خطابه السياسي، وفي ما يُظهره من حضور شخصي وقدرة على التواصل مع الجمهور. ففي نظر مؤيديه، يقدم نموذجاً قيادياً مختلفاً عن النماذج التي هيمنت على الحياة السياسية الأمريكية خلال العقود الماضية، ويعيد إلى الواجهة أسئلة تتعلق بطبيعة السلطة، ومصادر النفوذ، وحدود تأثير المال في القرار السياسي.
ويذهب هذا التفسير إلى أن خطاب عبدول يتحدى منظومة المصالح الراسخة التي تستند إلى نفوذ أصحاب الثروات والشركات الكبرى وممولي الحملات الانتخابية. فتمويل المرشحين، سواء من الحزب الجمهوري أو الحزب الديمقراطي، يمنح أصحاب المصالح الاقتصادية قدرة كبيرة على التأثير في أجندات السياسيين وفي الخيارات المتاحة أمام الناخبين. ومن هذا المنظور، فإن الدعوة إلى إخراج المال من السياسة تمثل تحدياً مباشراً لقواعد اللعبة التقليدية.
ويرفع عبدول شعار «المال خارج السياسة»، في إشارة إلى ضرورة الحد من نفوذ التمويل الخاص في الحياة العامة وتعزيز استقلال القرار السياسي عن المصالح المالية الكبرى. وإذا نجح هذا الطرح في اكتساب قاعدة شعبية واسعة، فقد يفتح الباب أمام نقاش أعمق بشأن العلاقة بين الديمقراطية والمال، ومدى قدرة المؤسسات السياسية على تمثيل المواطنين بعيداً عن ضغوط جماعات المصالح.
ولا يقتصر التحدي، وفق هذه القراءة، على الجانب الاقتصادي والسياسي؛ بل يمتد إلى التصورات السائدة بشأن الفرد والمجتمع. فتركيز عبدول على الأسرة والتضامن الاجتماعي والمسؤولية العامة يطرح، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تساؤلات حول حدود الفردانية التي رسختها بعض التيارات الليبرالية، وحول إمكان بناء نموذج سياسي يعطي الأولوية للمصلحة الجماعية والخدمات العامة.
كما أن تركيزه على المشكلات الداخلية الأمريكية يعيد توجيه النقاش من التدخلات الخارجية وفرض الرؤى الغربية على الآخرين إلى معالجة الأزمات التي يعيشها المجتمع الأمريكي نفسه. وهذا ما قد يمنح خطابه بعداً يتجاوز المنافسة الانتخابية، ليصبح جزءاً من نقاش أوسع حول دور الولايات المتحدة في العالم وأولوياتها المستقبلية.
الإسلام والمسلمون في قلب التحولات الاجتماعية:
ثمة مفارقة أخرى تستحق التأمل، وهي أن تصاعد الخطاب المعادي للإسلام والمسلمين قد يدفع بعض الأمريكيين، بدلاً من إبعادهم عن الإسلام، إلى مزيد من الفضول والرغبة في التعرف إليه وإلى المجتمعات المسلمة.
وقد أسهمت النقاشات العامة حول الإسلام والمسلمين، في أحيان كثيرة، في فتح المجال أمام تقديم صورة مختلفة عنهم، ولا سيما عندما يتاح للمسلمين التعبير عن أفكارهم وتجاربهم مباشرة، بعيداً عن الصور النمطية. ومن هنا، يمكن أن تتحول محاولات التشويه إلى مناسبة لإعادة طرح الأسئلة والتعرف إلى الإسلام من مصادر وتجارب أكثر تنوعاً.
ومع ذلك، فإن القول بوجود زيادة ملحوظة في أعداد الأمريكيين الذين يعتنقون الإسلام، أو بأن هذه الزيادة ترتبط مباشرة بالخطاب السياسي المعادي للمسلمين، يحتاج إلى بيانات موثوقة تثبت حجم الظاهرة وأسبابها. لكن من الواضح أن الجدل حول الإسلام أصبح جزءاً من نقاش أوسع يتعلق بالتعددية الدينية، والهوية الأمريكية، وحدود التسامح في المجتمع.
من انتخابات نصفية إلى رهانات رئاسية:
لم يعد فوز عبدول في الانتخابات النصفية، وفقاً للتوقعات المتفائلة التي يطرحها مؤيدوه، مجرد احتمال بعيد. بل يذهب بعض المحللين إلى أن صعوده قد يؤهله ليصبح أحد الوجوه التي يراهن عليها الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028، مستندين إلى ما يرونه من صفات قيادية، وقدرة على مخاطبة فئات مختلفة من الناخبين، وطرح قضايا تتصل مباشرة بحياتهم اليومية.
غير أن الانتقال من النجاح في معركة انتخابية إلى المنافسة على الرئاسة ليس أمراً سهلاً. فالمسافة بين الشعبية التي يحققها المرشح في مرحلة معينة وبين بناء تحالف انتخابي وطني واسع تظل كبيرة، كما أن المؤسسات السياسية ومراكز النفوذ الاقتصادية والإعلامية تمتلك أدوات متعددة للتأثير في مسار المنافسة.
ومن ثم، فإن الحديث عن مستقبل عبدول الرئاسي ينبغي أن يظل في إطار الاحتمالات والتوقعات، لا باعتباره نتيجة محسومة سلفاً. لكن مجرد صعود شخصية تضع قضايا العدالة الاجتماعية، وتمويل الحملات، والإنفاق العسكري، والعلاقة بين الدين والمجتمع في صلب خطابها، قد يكون مؤشراً مهماً على تغير المزاج السياسي لدى قطاعات من الأمريكيين.
تحولات أمريكية وتداعيات عالمية:
ما يجري في الولايات المتحدة يستحق المتابعة، ليس فقط بسبب نتائجه الانتخابية المحتملة، بل أيضاً لما قد يكشفه من تحولات في العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وبين المال والسياسة، وبين الأولويات الداخلية والدور الخارجي للبلاد.
وإذا استطاعت الأصوات المطالبة بإصلاح النظام السياسي، والحد من نفوذ أصحاب المصالح، وإعادة توجيه الإنفاق العام نحو الخدمات الأساسية، أن تتحول إلى قوة انتخابية مؤثرة، فقد نشهد إعادة نظر في بعض الأسس التي حكمت السياسة الأمريكية لعقود. أما إذا نجحت القوى التقليدية في احتواء هذه المطالب أو إضعافها، فقد تستمر المواجهة في أشكال أخرى، داخل الحزبين وخارجهما.
وستكون لهذه التحولات، إن ترسخت، تداعيات محتملة على المنطقة العربية، ولا سيما في ما يتعلق بالمساعدات الخارجية، والسياسة الأمريكية تجاه النزاعات الإقليمية، والإنفاق العسكري، وطبيعة العلاقة مع الحلفاء. فإعادة ترتيب الأولويات داخل الولايات المتحدة قد تؤثر في السياسات التي تتبناها واشنطن خارج حدودها، وإن كان حجم هذا التأثير واتجاهه سيعتمدان على نتائج الصراع السياسي الداخلي وعلى الظروف الدولية المحيطة.
في نهاية المطاف، لا ينبغي اختزال ما يجري في شخص عبدول أو في هجمات ترامب عليه. فالمسألة الأعمق تتعلق بطبيعة التحولات التي يشهدها المجتمع الأمريكي، وبقدرة القوى الجديدة على تحويل الاعتراض الشعبي إلى تغيير مؤسسي ملموس.
قد لا تكون هذه الانتخابات وحدها كافية لإحداث تحول جذري في المنظومة السياسية الأمريكية، لكنها قد تكشف عن ملامح مرحلة جديدة، تتصاعد فيها الأسئلة حول المال والسلطة والعدالة الاجتماعية والهوية والدور العالمي للولايات المتحدة. ولهذا، فإن متابعة ما يجري اليوم في أمريكا ليست مجرد متابعة لموسم انتخابي، بل محاولة لفهم تاريخ يتشكل أمام أعيننا.



