ونسة ضد الإحباط

راشد عبد الرحيم
الحكومة العاجزة المفلسة و الحرب العجيبة و المسيرات التي تحول النور و الضياء إلى ظلام، مسببات لكثير من الإحباط الذي نعيشه فقد
كنا ننعم بقدر من حياة سهلة ميسورة نتصيد فيها المعاني و القيم و نعيش التدين الذي يساير فطرة الإنسان السوداني.
لأهرب من هذا الواقع عشت مع ذكرى شخصيات غريبة و بسيطة و محملة بالمعاني السامية أوحي لي بها مقالي الأخير عن عمك تنقو الذي آمل أن أعود إليه متى ما تيسر لي .
في قرية أو حي قد تجد شخصية يظن بها الأهل أنها من (أهل الله) لما تمثله من معنى و ما تقوم به من أعمال غير معتادة و أقرب للخيال و يرى البعض أن مثل هذه الشخصيات تعيش خارج العقل و لذا تلصق بها صفات تنبئ عن تصورهم لها مثل (الدرويش) (المجنون) أو (العوير) و نحو ذلك .
(شرف) و هذا إسمه و كان معروفاً جداً في حينا بري المحس و اتخذ لنفسه مهمة وحيدة عاش لها منذ شبابه الباكر و حتى غاب عن دنيانا،
مهمته أن يفتح أبواب المسجد و يذهب إلي المؤذن في بيته قبيل الأذان و يقف أمام الباب لا يطرقه إلا إذا تأخر المؤذن ثم يصطحبه يتقافز أمامه طرباً أو ممسكاً بيده كما كان الحال مع عمنا عثمان الرجل الضرير ندي الصوت؛ كان شرف يفعل ذلك رغم وجود الساعة المنبهة.
في العطلة المدرسية يقل عدد من يؤدي صلاة الظهر في المسجد ولا يوجد من يؤذن و كنت أقوم بالمهمة رغم صوتي الأجش و حظيت بصحبة شرف الذي يأتيني و يذهب معي و لا يتحدث بل يتقافز أمامي حتي نصل المسجد ثم يعود بي إلى المنرل رغم أني لا أحتاج لرفقة .
عندما يدخل الناس في الصلاة يقف هو عند الباب واضعاً سبابته في سنه الأمامية و هو ينظر للمصلين لا يلتفت عنهم و لا يصلي معهم و كأنه يحرسهم .
بعد أن يوصل شرف المؤذن لمنزله يعود ليغلق المسجد ويرجع لأهله سعيداً فرحاً .
لم يره أحد إلا وهو في الطريق ذاهباً أو عائدا من المسجد إلى داره و بالعكس لا يشهد المناسبات مهما كانت .
ربطتنا به علاقة طيبة دون حديث أو أنس كثير فهو لا يتحدث خارج مهمته التي هيأه الله لها .
يقول الذين لم يدركوا (سره) أنه (عوير) و يقول غيرهم أنه من أحباب الله الذين أودعهم سراً إلهياً.
رغم ذلك فقد تزوج من فتاة جميلة كنت أسأله عنها و يقول لي أن قلبه في دقاته يقول إسمها نجاة ، نجاة ( و الإسم من عندي ) .
رحلت من الحي و علمت أنه رزق ببنت و ولد كانوا آية في الجمال و الذكاء و التميز في الدراسة و أمنيتي التي تعيش معي منذ سنوات طويلة أن أرى أولاده بعد أن فاتتني معايشته في أواخر عمره فقد كان فعلا آية من آيات الله .
يذكرني شرف بشخصية الزين بطل رواية الطيب صالح (عرس الزين) بما فيها من بعض مشتركات تتمثل في البعد الروحي العميق و الإنصراف لمهمة كأنما كتب له أن يقوم بها ، فقد كان الزين محبوبا من أكثر رجل مشهور بالتدبن في القرية هو شيخ (الحنين)
كان الزين يشهد حلقات القرآن و لا يتلو مع القراء و يتابع من يقرأ بحب عميق و يعتقد أهل القرية أنه يطرد عنهم النحس و كان يحب خدمة الناس دون أن يطلبوا منه و لا يأخذ عن ذلك مالا .
كان شكل الزين غريباً، عيناه جاحظتان و أذناه كبيرتان و هو نحيل و طويل و كانوا يصفونه بأنه (خلاقة)
كان الزين يعبر عن إعجابه بفتاة من الفتيات بصيحته المشهورة (أنا مكتول في بيت …. ) و كان ذلك طريقا و مفتاحا لها إلي بيت الزوجية و من أرادت الزواج كانت تتمنى زيارته لبيتهم أو أن يراها و يصيح الصيحة التي تنقلها لعش الزوجية .
لعلها كانت مكافأة له أن يتزوج من أجمل البنات (نعمة) و يشهد زواجه خلق كثير من سكان القرية و جوارها و قد ذبحت الإبل و الخراف و الغنم و طعم كل الناس و فرحوا و غنوا و سهروا حتي الفجر .
لماذا لم نعد نرى و نشهد مثل هذه الشخصيات التي ترفد الحياة بمعان تذهب بأسها و وحشتها و تدفع للتفكر فيها و تغذي الحس الإنساني السليم .



