ثقافية

الذاكرة السودانية: جوزيف لاقو  .. رحيل رجل صنع جنوب السودان مرتين

 

محمد الشيخ حسين

ظللت سحابة سوداء من الحزن العميق سماء مدينة جوبا صباح الثلاثاء الموافق 27 أكتوبر 2026م، إثر إعلان وفاة اللواء جوزيف لاقو.  توفي لاقو في جوبا عن 95 عاماً، نعاه الفريق أول سلفاكير ميارديت رئيس جنوب السودان، وكذلك الرئيس السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان. ونكست الأعلام في الخرطوم وجوبا. وهكذا جاء نعي رجل من دولتين كانتا دولة واحدة وبكتاه معاً.

في جملة واحدة: جوزيف لاقو هو الرجل الذي صنع جنوب السودان مرتين: مرة بالبندقية في 1963ومرة بالاتفاقية في 1972. وكان رفاق لاقو يتساءلون كيف لمحارب أن يصبح موظفاً في دولة الشمال؟ لكنه كان يرى أبعد منهم. كان يرى أن الحرب لا تصنع وطناً، السلام هو الذي يصنعه.

 

(1)

ولد لاقو  في 1931 في موموكوي من قبيلة المادي الصغيرة في الاستوائية الشرقية. لم يكن من أبناء القبائل الكبرى. لكنه فعل ما لم تفعله القبائل الكبرى في جنوب السودان.

ففي 1963 جمع المجموعات المسلحة المتفرقة في الأدغال وسماها اسماً واحداً: الأنيانيا، وتعني (سم الثعبان). ومن سم الثعبان صنع جيشاً.

قبل لاقو كانت الحرب في الجنوب تمرداً. بعد لاقو أصبحت قضية.ثم جاءت لحظته التاريخية. في أديس أبابا، جلس الرجل الذي كان مطلوباً للموت، أمام الرئيس السوداني الأسبق جعفر محمد نميري. ووقعا سلاماً منح الجنوب حكماً ذاتياً لأول مرة في تاريخ السودان الحديث.

 

(2)

عشر سنوات من السلام (1972 – 1983) بنيت فيها جوبا ومدارسها وجامعتها.

عشر سنوات يعتبرها الجنوبيون حتى اليوم العصر الذهبي.

ولهذا يحبه الجنوبيون ويحترمه الشماليون. لأنه لم يكن يريد أن يحكم، كان يريد أن يثبت أن الجنوب يمكن أن يحكم نفسه.

عينه نميري رئيساً للمجلس التنفيذي العالي للجنوب (1978 – 1979) ثم نائباً ثانياً لرئيس الجمهورية (1982 – 1985). وفي كل منصب، كان الرجل الهادئ الرزين الذي لا يصرخ. حتى عندما انهارت اتفاقية أديس أبابا وعادت الحرب، لم يحمل السلاح مرة أخرى. ذهب سفيراً للسودان في الأمم المتحدة.

(3)

توفي لاقو ونعاه عدوان لدودان: سلفاكير ورياك مشار. سلفاكير أمر بتنكيس الأعلام. ومشار، من داخل قاعة محاكمته، قال: كان محرراً شجاعاً ضحى بمصلحته الشخصية، لم يرد أن يكون زعيماً، فترك القيادة لغيره. وهذه هي الجملة التي تلخصه. في عالم يتصارع فيه الجميع ليكونوا زعماء، جاء رجل حرر وطن ثم تنحى جانباً.

توفي جوزيف لاقو، وماتت معه آخر قطعة من جيل كان يؤمن أن السودان يمكن أن يحل مشاكله على طاولة، لا في خندق القتال.

 

(4)

يتمظهر الانطباع الأول عن لاقو في النقاط التالية:

أ/ مؤسس الأنيانيا في 1963 وهو ضابط صغير أسس الجناح المسلح للمقاومة الجنوبية في الحرب الأهلية الأولى. قبل لاقو كانت مجموعات قبلية متفرقة، هو الذي نظمها وجعلها جيشاً حقيقياً.

ب/ رجل السلام الذي قاد المفاوضات مع الرئيس نميري التي أوقفت الحرب الأولى ومنحت الجنوب حكماً ذاتياً عبر اتفاقية أديس أبابا. ويعتبر المحرر الأول لجنوب السودان قبل جون قرنق.

ج/  أصبح لاقو رئيس المجلس التنفيذي العالي للجنوب  1978 – 1979، ثم النائب الثاني لرئيس الجمهورية نميري من 1982 حتى سقوط نميري في ابريل 1985. وكان مندوب السودان في الأمم المتحدة 1990 – 1992.

 

(5)

يأتي التقييم العام عن لاقو  مختلفاً في الشمال والجنوب في الانطباعات التالية:

أ/  ينظر إليه في الشمال كجنوبي معتدل وكعسكري منضبط، ليس انفصاليا متطرفاً، يؤمن بالوحدة مع حكم ذاتي.

ب/ في الجنوب يعتبر البطل المؤسس، حتى رياك مشار نعاه يوم وفاته من داخل قاعة المحكمة، ووصفه بأنه (محرر شجاع ضحى بمصلحته الشخصية ولم يرد أن يكون قائدا).

ج/ وفاة لاقو  أغلقت آخر صفحة من جيل الأنيانيا الأولى، ولا غرو في ذلك إذ أن جون قرنق كان تلميذه، وسلفاكير كان جندياً في جيشه. وحتى قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الرحمن البرهان أرسل تعزية لسلفاكير، وقال عنه إنه (رمز الحكمة والتعايش السلمي).

 

(6)

إذا أردت أن تقيم لاقو كشخصية تاريخية، يتعين أن تقسمه إلى ثلاثة وجوه:

أ/ العسكري  لا الثائر: لاقو لم يكن ثائراً عاطفيا مثل جون قرنق. كان ضابطاً نظامياً. قوته ليست في الخطابة، بل في التنظيم. الأنيانيا قبله كانت عصابات قبلية،

ب/ السياسي: الواقعي المعتدل، وهنا تكمن قوته وضعفه معاً. قوته: كان أول جنوبي يفهم أن الشمال لن يعطي الجنوب استقلاله بالحرب فقط، بل بالتفاوض. اتفاقية أديس أبابا 1972 كانت إنجازا عبقريا في وقتها. لو استمرت، لكان مصير السودان مختلفاً تماما.

ج/ الإنسان: الزاهد في السلطة وهذه أندر صفة في سياسيي السودان. لاقو لم يكن طامعاً. بعد أديس أبابا، كان يمكن أن يكون رئيساً أبدياً للجنوب، لكنه ترك المنصب. بعد 1985، لم يركض وراء السلطة في الحركة الشعبية.

 

(7)

كتب لاقو مذكراته باللغة الإنجليزية بعنوان:

Sudan Odyssey Through a State from Ruin to Hope

وأكمل كتابة مذكراته  في المنفى في بريطانيا ونشرها في جوبا في العام 2006.

وأعاد مركز محمد عمر بشير في جامعة أمدرمان الأهلية طباعتها باللغة العربية بعد أن قام بترجمتها إلى اللغة العربية الأستاذ محمد علي جادين رحمه الله.

وفي الفكرة الرئيسية للكتاب يرى لاقو أن (السودان ليس دولتين، بل دولة واحدة فشلت أن تدير التنوع). ويخلص إلى أن المشكلة ليست في الشمال أو الجنوب، بل في الخرطوم التي تريد أن تحكم الكل بعقلية واحدة.

 

(8)

يحتوى كتاب جوزيف لاقو (رحلة السودان من الخراب إلى الأمل) الصادر في العام   2006 على سبعة فصول تناثرت على 600 صفحة.

تناول الفصل الأول الطفولة في موموكوي 1931-1958، حيث نشأ مسيحيا وسط وثنيين ومسلمين. ودخل المدرسة التبشيرية وتعلم الانجليزية، وحلم أن يكون ضابطا سودانيا لكل السودان، ليس جنوبيا فقط.

وفي الفصل الثاني سرد تجربته في الجيش السوداني، وكيف في العام 1963 هرب بثلاث بنادق فقط ومعه منجلة.

سرد في الفصل الثالث كيف صنع الأنانيا 1963، حين حول مجموعات لصوص مسلحة إلى جيش منظم يضم  6000 مقاتل. يمثل الفصل الرابع عن اتفاقية  أديس أبابا 1972 ذروة الكتاب وشرح في 40 صفحة تفصيلية عن المفاوضات مع نميري برعاية هيلاسلاي.

 

(9)

عند مطالعة الفصل الخامس من المذكرات المعنون (من الثوار إلى الوزراء 1972 – 1983 تجربة الحكم الذاتي). يجيب لاقو عن سؤال: كيف فشل الجنوبيون أنفسهم في الحكم؟. ويعلل الفشل بسبب القبلية، وينتقد رئاسته للمجلس التنفيذي الأعلى بين عامي 78 و1979 بالقول: كنا نحارب الخرطوم لكننا نحكم بنفس عقلية الخرطوم.

في الفصل المعنون (النائب الثاني 1982 – 1985 ومنفى لندن). يروي كيف عينه نميري نائباً ثانياً ثم ألغى الاتفاق وفرض الشريعة 1983.

وخلص إلى أن (نميري لم يلغ الاتفاق، بل ألغى الثقة).

وروى لاقو أيضا قصة هروبه إلى بريطانيا وعمله مع منظمة Moral Re-Armament (إعادة التسلح الأخلاقي) في 18 دولة.

 

(10)

الخلاصة السياسية من كتاب لاقو من الخراب إلى الأمل:

لا تكرروا خطأ أديس أبابا: الاتفاق ليس ورقة توقع، بل ثقة تبنى يوميا.

انفصل الجنوب، لأنه لم يجد نفسه في السودان، لا لأنه لا يحب السودان.

يعترف لاقو بأنه أخطاء ثلاث مرات فلا تكرروها:

أ/ أخطأت حين ظننت أن الشمال هو العدو. العدو كان الجهل في الشمال والجهل في الجنوب.

ب/  أخطأت حين ظننت أن الحكم الذاتي هو الحل. الحل هو أن يحكم السوداني أخاه السوداني كأنه يحكم نفسه.

ج/ أخطأت حين سكت عندما ألغى نميري الاتفاقية تدريجياً من 1977 إلى 1983. كنت أرى الاتفاق يموت قطعة قطعة وكنت أقول (سيصلح).

لا تسكتوا على موت الاتفاق قطعة قطعة.

 

(11)

كانت وصية جوزيف لاقو الأخيرة والتي نشرت بعد وفاته (ادفنوني في موموكوي، حيث ولدت. لكن اكتبوا على قبري):

هنا يرقد جوزيف لاقو سوداني جنوبي

قاتل الشمال ثم صار نائبه

ثم صار لاجئاً عند الإنجليز

ثم صار سفيراً للشمال في الأمم المتحدة

ثم صار مستشاراً للجنوب ليستقل عن الشمال

ومات وهو لا يعرف: هل كان يحارب من أجل الوحدة أم من أجل الانفصال؟

كان يحارب من أجل أن يكون السوداني إنساناً.

فإذا أصبح السوداني إنساناً في وطنه، فلا يهم أين رسمتم الحدود.

 

(12)

مات لاقو وعمره 95 سنة. عاش 17 سنة حرب، و11 سنة سلام، و22 سنة حرب أخرى، و15 سنة استقلال.

أما إذا سعدت بزيارة متحف جوبا ستجد بندقية جوزيف لاقو معلقة في المتحف، لم تعلق كغنيمة حرب، بل كتذكار سلام.

وتحتها لوحة صغيرة كتب عليها  لاقو بخطه (هذه البندقية قتلت 17 جندياً سودانياً. أعتذر لأمهاتهم. سلمتها لكي لا تقتل الـ 18).

حصاد القول: لم يعتذر ضابط سوداني في التاريخ لأمهات جنود العدو، إلا جوزيف لاقو، وهكذا مات بطلاً في دولتين. وانتهت القصة الوحيدة في تاريخ السودان الحديث التي انتصر فيها رجلان نميري ولاقو بتسليم سلاحيهما، لا برفعه، بعد أن كانا يتبادلان الرصاص 9 سنوات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى