الذاكرة السودانية: لمحات شريف خاطر .. هل من عودة لمجانية التعليم؟

محمد الشيخ حسين
قال الطيب صالح: السودانيون لم يوطنوا أنفسهم على أن يروا واقعهم في مرآة التاريخ، فمات رجال عظماء وحملوا تجاربهم إلى قبورهم.
غير أن كتاب الأستاذ شريف أحمد خاطر جاء كرد متأخر على مقولة الطيب صالح. وهنا يبدو أن الأستاذ خاطر مثل رجل رفض أن يلقى وجه ربه دون أن يفرغ ما في صدره من ذاكرة الوطن.
(1) (لمحات من مسيرتي في الحياة ومجال التعليم في السودان) هذا عنوان كتاب ألفه الأستاذ شريف أحمد خاطر. ولا يوجد توثيق للكتاب في المكتبات الإلكترونية الكبرى داخل الشبكة العنكبوتية. وحين سألت الذكاء الاصطناعي فجعني بإجابة فحوى نصها الحرفي (ده حال 90% من كتب المذكرات السودانية للأسف). أما إذا جال في الذهن أن فكرة الكتاب الأساسية تشير إلى أنه ليس كتاباً عن التعليم كسياسات ووزارات، فهذا الظن صحيح تماما، بل أن الوصف الأكثر دقة أنه كتاب (معلم يكتب سيرته من خلال السبورة).
(2)
كل تاريخ السودان الحديث المدون في كتاب الأستاذ خاطر كُتب في الخرطوم، لكنه صُنع في مكانين: عبري وبخت الرضا. في عبري تعلم الأستاذ خاطر كيف يحفظ القرآن على لوح، وفي بخت الرضا تعلم كيف يحول اللوح إلى كتاب مدرسي.
إذن كتاب الأستاذ شريف أحمد خاطر (لمحات من مسيرتي في الحياة ومجال التعليم في السودان)، ليس سيرة للمؤلف وحده، والراجح عندي أن الكتاب سيرة المكانين معاً. هو قصة كيف خرج ولد من أقصى الشمال ليصنع عقل السودان كله.
(3)
من مدخل مختلف، يبدو أن الكتاب لا يتحدث عن المؤلف كشخص، بل يحاول أن يصبح جسرا يربط بين جغرافيتين صنعتا التعليم في السودان.
عندما تقرأ الكتاب ستفهم لماذا قالت البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه، وهي أول سيدة تنال الأستاذية في العلوم الإنسانية من جامعة الخرطوم، وأول مديرة للجامعة، في مقدمتها للكتاب. (إن هذا الكتاب يجب أن يُحفظ. لأنه ليس عن شريف خاطر، بل عن السودان الذي كان، والسودان الذي يمكن أن يكون).
(4)
القراءة السريعة لفصول الكتاب السبعة ترسخ في الذهن النقاط التالية:
1/ رحلة المؤلف من عبري إلى بخت الرضا قام بها أحد شهود العصر الذهبي.
2/ من نشأة المؤلف في عبري يتضح لك أن عبري ليست قرية، عبري كانت جامعة. الخلوة كانت تعلم الانضباط قبل الحروف.
3/ عندما يصل بك المؤلف إلى بخت الرضا، وهذا قلب الكتاب 1934-1969، تكتشف أن بخت الرضا لم تكن معهداً للمعلمين، بل كانت مشروع دولة، حيث يستيقظ الطالب في الساعة الرابعة صباحا، ليعمل في الزراعة، الطبخ، التمثيل في المسرح، والدرس.

(5)
أما إذا واصلت القراءة السريعة للكتاب فستشعر بحزن البروفسيور فدوى عبد الرحمن علي طه حين كتبت في مقدمة الكتاب بأسى بالغ (أن مسرح بخت الرضا القوي لم يوثق له وضاعت كراريس الإخراج)، لكنها سرعان ما تسعدك حين تقول إن (كتاب خاطر يوثق ما ضاع).
يعكس شريف خاطر تنقله بين المدارس المختلفة في أنحاء السودان رحلة المعلم الحقيقية من الفاشر لشرق الجزيرة للخرطوم، وهي رحلة المعلم الذي كان قائد تنمية وتنوير، وليس موظفاً ينقل من مكان لآخر.
ونختم هذه المطالعة السريعة بالمقارنة السريعة بين كتاب بخت الرضا الذي كان يطبع في الدويم بأيدي سودانية، وكتاب اليوم المستورد.
(6)
المهتمون بقراءة الكتاب تفصيلا سيجدون أن الفصل الأول المعنون الجذور والأعراق يتناول تاريخ المنطقة النوبية شمال السودان والهوية الثقافية للمؤلف. ويستعرض التحولات التاريخية والاجتماعية في بلاد النوبة عبر مختلف العصور، بدءً بعصور ما قبل الميلاد حتى ظهور المسيحية ودخول العرب والتعليم الإسلامي، مروراً بفترة الحكم التركي والثورة المهدية.
يركز الفصل الثاني (الطفولة والصبا) على التنشئة الأولى للمؤلف في مدينة عبري في شمال السودان.
ويستفيض في وصف الحياة الأسرية اليومية على ضفاف النيل، ودراسته الأولى في الخلوة لتحفيظ القرآن، ثم انتقاله إلى مدرسة عبري الأولية.
(7)
يقدم الفصل الثالث (خلفية عن التعليم في السودان)، مراجعة تاريخية لنشأة وتطور نظام التعليم في السودان ومحطاته الرئيسية،
ويسهب في استعراضً السياقات السياسية والاجتماعية التي أثرت في المناهج والمؤسسات التعليمي في السودان.
يسلط الفصل الرابع (معهد التربية بخت الرضا)، الضوء على معهد بخت الرضا باعتباره رائد حركة تصميم المناهج وتأهيل المعلمين في السودان.
ويتوقف عند نشأة معهد بخت الرضا من حيث النشأة والتحديات الأولى، وتجربة (ترييف التعليم)، وتطوير المناهج ودور دار النشر التربوي.
(8)
يهتم الفصل الخامس (ذكرياتي في معاهد التربية) بتدوين مذكرات شخصية وانطباعات المؤلف خلال عمله في معاهد التربية بكل من: بخت الرضا، شندي، والفاشر.. ويتناول بإسهاب الأنشطة الثقافية والرياضية والمسرحية، والرواد والأعلام مثل: مستر غريفث، عبد الرحمن علي طه، وسر الختم الخليفة)، إضافة لتجارب تعليمية مثل “المدرسة ذات المعلم الواحد” وفترات ابتعاثه للخارج في المملكة المتحدة والولايات المتحدة.
يتطرق الفصل السادس (الجامعات والمؤتمرات والبحوث) لمسيرة المؤلف في التعليم العالي والعمل الأكاديمي، خاصة في جامعة أمدرمان الإسلامية، والتعاون بين الجامعات، والمشاركة في اللجان والمؤتمرات التربوية، وإعداد البحوث والمقالات العلمية.
(9)
يضم الفصل السابع (الإفادات) شهادات ورؤى من زميلين وباحثين هما: سيد محمد عبد الله مسل، محمد حسن طه شريف قدما تقييما لمسيرة المؤلف وإسهاماته في الميدان التربوي.
ويختتم المؤلف بثلاثية بدأت أولا برؤية مقترحة لتطوير وتحديث التعليم في السودان، وتضمنت ثانيا نبذة عن أسرته. وانتهت بقائمة المراجع التي اعتمد عليه في تأليف هذا الكتاب.

(10)
انتهى الأستاذ شريف أحمد خاطر من كتابه، لكنه لم ينته من رسالته.
(لمحات) ليست كلمة تواضع، هي كلمة دقيقة. لأن حياة جيل كامل من معلمي السودان لا يمكن أن تكتب كاملة، يمكن فقط أن تلمح إليها، كما تلمح البرق في ليل السودان الطويل المظلم.
قيمة هذا الكتاب أنه جاء في الوقت الضائع. بعد أن تفرقت بذور بخت الرضا في المنافي، وبعد أن تحولت مدارس عبري الطينية إلى ذكريات؟
حصاد القول إن كتاب الأستاذ شريف أحمد خاطر (لمحات من مسيرتي في الحياة والتعليم) شهادة أخيرة من رجل رأى التعليم حين كان رسالة، قبل أن يصبح وظيفة
على السؤال القضية هل من عودة لمجانية التعليم هل من عودة؟



