تقارير

مبعوث عربي خاص للسودان… هل تنتقل الجامعة العربية إلى دور أكثر فاعلية في الأزمة؟

 

 

القاهرة- المحقق- صباح موسى

يأتي تكليف الأمين العام لجامعة الدول العربية، السفير زيد الصبان، مبعوثا شخصيا له إلى السودان، في توقيت بالغ الأهمية، تتزايد فيه التحديات السياسية والأمنية والإنسانية التي تواجه البلاد، وتتسع معه الحاجة إلى تحرك عربي أكثر فاعلية لمساندة السودان، والحفاظ على وحدته واستقراره، في ظل استمرار الحرب وتداعياتها على الدولة والمجتمع.

 

هدف التكليف:

 

ويستهدف التكليف، وفقاً لبيان الأمين العام للجامعة العربية، تعزيز جهود الجامعة للمساهمة في إنهاء الحرب في السودان، وتخفيف معاناة شعبه، من خلال تكثيف الاتصالات مع الأطراف السودانية المعنية، وتقريب وجهات النظر، والمساعدة في تهيئة الظروف لإطلاق حوار وطني جامع بقيادة وملكية سودانيتين، بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، وفي مقدمتهم أطراف الآلية الخماسية، كما يتضمن التكليف العمل على تعزيز دور الجامعة في معالجة الأزمة، وتفعيل أدوات الدبلوماسية والمساعي الحميدة، وتكثيف التواصل والمتابعة لدعم جهود التسوية السياسية، بما يصون سيادة السودان ووحدته ومؤسساته الوطنية، ويستجيب لتطلعات شعبه إلى الأمن والاستقرار.

 

دلالات سياسية:

 

ويبدو أن القرار لا يقتصر على كونه تكليفا دبلوماسيا في إطار العمل المعتاد للجامعة العربية، بقدر ما يحمل دلالات سياسية بشأن اهتمام المؤسسة العربية بتطورات الأزمة السودانية، وسعيها إلى تعزيز التواصل المباشر مع الخرطوم، واستكشاف سبل دعم جهود إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية تحفظ سيادة السودان ومؤسساته الوطنية، وتزداد أهمية هذه الخطوة بالنظر إلى توقيتها، إذ جاءت عقب الزيارة المهمة التي أجراها الأمين العام للجامعة العربية، الدكتور نبيل فهمي، إلى الخرطوم في 26 أكتوبر الماضي، ولقاءاته مع القيادة السودانية والقوى المعنية بالحوار، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول ما إذا كان تعيين مبعوث شخصي يمثل انتقالا بالتحرك العربي من مرحلة متابعة الأزمة إلى الانخراط بصورة أكثر مباشرة في جهود التسوية.

 

 

كما تبرز تساؤلات بشأن قدرة الصبان، بحكم خبرته الممتدة في الملف السوداني منذ عام 2004، على تقريب المواقف بين القوى السودانية، ومدى إمكانية إسهام هذا التحرك في تنسيق الجهود العربية مع الآلية الخماسية، وتجاوز تقاطعات المبادرات الإقليمية والدولية، وصولا إلى مقاربة أكثر فاعلية للتعامل مع الأزمة.

 

رسالة وخبرة:

 

من جانبه، قال وزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني، السفير محي الدين سالم، إن من الواضح أن الأمين العام للجامعة العربية يأتي إلى منصبه بأفكار ورؤى يؤمن بها، ويريد من خلاله أن يعيد للجامعة العربية مكانتها المعتادة والدور الذي ينبغي أن تضطلع به. وأضاف سالم، في حواره مع “المحقق”، أن اختيار الصبان، الذي ظل يتابع الملف السوداني منذ عام 2006 على الأقل، خلال مباحثات أبوجا بشأن دارفور، يعكس خبرة متراكمة لشخص ظل، ولا يزال، مديراً لإدارة القرن الأفريقي والسودان بالجامعة العربية، لافتا إلى أن هذه الخطوة تمثل إشارة ودلالة واضحتين على أن الجامعة لا تريد أن تكون مجرد طرف ضمن مجموعة الخماسية التي تتولى هذا الملف، وإنما ترغب في التقدم خطوة إضافية تجاه دولة عضو بالجامعة العربية، يستشعر الأمين العام أهميتها الخاصة، وما تفرضه هذه الأهمية من مسؤولية رسمية بموجب ميثاق الجامعة، ومسؤولية أخلاقية أيضاً، في ظل ما يتعرض له السودان من اعتداءات تستهدف مقدرات شعبه واحتياجاته الأساسية من مياه وغذاء وغيرهما، وتابع أن انتقال الأمين العام للجامعة العربية إلى هذا المستوى من التعاطي مع الملف السوداني يحمل رسالة ودلالة تتقبلها الخرطوم وتتفهمها، وتتفاعل معها بإيجابية، معلناً ترحيبه وترحيب الحكومة السودانية بهذا التعيين والمبعوث الجديد، وقال سنعمل معه ومع الجامعة بما يحقق أمن السودان واستقراره وأمن شعبه، مشددا على أن السودان يعول على الجامعة العربية منذ قديم الزمان، مؤكدا أنها لم تخذله في مختلف المراحل التي مر بها، ومشيرا إلى أن السودان ليس جديدا على الأزمات، وقال إن السودان يجد في الدكتور نبيل فهمي فهماً أكبر وقرباً أكثر من مشكلاته، لافتا إلى أن أول زيارة لفهمي عقب توليه وزارة الخارجية المصرية كانت إلى السودان، مضيفا أن هذا الفهم العميق والرؤية للسودان في إطار قومي أكبر، هو إطار الأمن القومي العربي الواحد، يمنحان الخرطوم الأمل، مشيرا إلى أن التوافق في طريقة التعامل مع الأزمات بهذه الكيفية يسهل على السودان والجامعة العربية التقارب بصورة أكبر نحو حلول أكثر واقعية وحكمة واستدامة.

 

إشارة إيجابية:

 

من جهته أوضح رئيس قوى الحراك الوطني، الدكتور التجاني سيسي، أن معرفته بالسفير زيد الصبان تعود إلى عام 2004، عندما كان مشاركاً في مفاوضات أبوجا. وقال سيسي لـ”المحقق” إنه منذ ذلك الوقت أصبح الصبان متابعا للشأن السوداني ومتواصلا مع أهل السودان، بصفته ممثلا لجامعة الدول العربية، ومشاركا في اللقاءات التي تتناول قضايا السودان، وباذلا قصارى جهده وعصارة أفكاره لتقديم الدعم اللازم للسودانيين في مجالات عدة، خاصة ما يتعلق بالأزمات الأمنية، ورأى أن تعيين الصبان مبعوثا خاصاًللأمين العام للجامعة يمثل إشارة إيجابية نحو تعزيز الانخراط الإيجابي للجامعة في الشأن السوداني، مضيفا نحن في قوى الحراك الوطني نرحب به مبعوثا للأمين العام، مشيرا إلى أنه، ومن خلال لقائهم بالدكتور نبيل فهمي إبان زيارته للخرطوم الشهر الماضي، وبحضور مبعوثه إلى السودان، يعتقدون أن الصبان سينجح في مهمته، خاصة أنه يحظى باحترام وتقدير أهل السودان.

 

 

يرتقي بالأدوار:

 

بدوره، أكد الناطق الرسمي باسم لجنة تهيئة الحوار عثمان ميرغني، أن الصبان يتمتع بخبرة عميقة بالسودان وتفاصيل المشهد السياسي، مشيرا إلى أن لديه تواصلا مستمرا مع مختلف التيارات السياسية، وقال ميرغني لــ”المحقق” إن تكليف الصبان بمهام المبعوث الخاص للجامعة العربية يرتقي بالأدوار التي تلعبها الجامعة ومساهمتها في تيسير حل الأزمة السودانية، خاصة أن الجامعة تحظى باحترام كبير في المجتمع السوداني، وتجد قبولا لمساعيها ومجهوداتها، مضيفا أن الصبان يمكن أن يساعد في دعم التعاون بين الجامعة العربية ولجنة تهيئة الحوار السوداني، معربا عن أمله في أن يرى السودان نتائج تعيينه قريبا.

 

خير مستشار:

 

أما رئيس تنسيقية القوى المدنية محمد سيد أحمد سر الختم الجاكومي، فقال إن تكليف الصبان جاء بعد أن اطلع الدكتور نبيل فهمي على الجهود الكبيرة والمقدرة التي بذلها الأخير بصفته مندوبا للجامعة العربية في الآلية الخماسية، وعلى مواقفه التي وصفها بالصلبة والقوية، والتزامه الصارم بما يتوافق عليه داخل الجامعة، ومنع التعامل مع كيان تأسيس. وأضاف الجاكومي لـ”المحقق” عندما التقينا الأمين العام للجامعة أوضحنا له ذلك بجلاء شديد، وأوصيناه خيراً بالصبان، الذي ظل ينفذ كل مطلوبات الجامعة وقراراتها وموجهاتها بكل دقة، لافتا إلى أن الصبان كان لا يجلس في مكان تطأه أقدام جماعة تأسيس، مشيرا إلى مغادرته أي مكان نزلت به تأسيس، ومؤكدا أنه خير مستشار للجامعة في السودان، لما يتمتع به من قبول لدى القوى السياسية السودانية، فضلاً عن الحصافة ورجاحة العقل وحسن التدبير، وقال إنه ذكر لفهمي، أمام أكثر من 40 من رموز المجتمع السياسي السوداني، من حركات مسلحة ومنظمات مجتمع مدني وقوى سياسية وتحالفات وكتل وإدارات أهلية، أنه لولا الصبان ومشاوراتهم معه في كل ما يخص الشأن السوداني، لما استطاعوا إدارة معاركهم داخل الآلية الخماسية بالقوة والاقتدار نفسيهما، أو فرض إرادة القوى السودانية داخلها، في وقت كانت فيه بقية مكونات الآلية تعمل، بحسب قوله، على دعم صمود وتأسيس، وتابع أن القوى السودانية كانت عندما تدخل في خلاف مع الاتحاد الأوروبي وتقدم رؤيتها له مباشرة، تتفق فيما بينها على نقل الملف إلى الآلية الخماسية، موضحا أن ذلك كان مقترحا من الصبان، وقال إن الصبان كان يرى أنهم لن يستطيعوا التدخل في خلافهم مع الاتحاد الأوروبي بصورة مباشرة، ولذلك من الأفضل توجيه الخطاب إلى الآلية، لتقرر بنفسها بشأن المذكرات التي تُرسل إليها، موضحا أنهم أصبحوا يخاطبون الآلية الخماسية، معتبرا أن ذلك كان إحدى عبقريات الصبان، إذ أسهمت هذه الخطوة، عبر مخاطبة الآلية، في تحقيق وحدة حقيقية بين الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية وإيغاد، الذين أصبحوا يتحدثون بصوت ولغة واحدة، وبتفكير منسجم، مؤكدا أن كل ذلك يمثل، من وجهة نظره، إشارات ودلالات على أن الصبان يتمتع بصفات لا توجد لدى آخرين، مضيفا شهادتنا في الصبان مجروحة، فهو شخص مخلص ووطني يدافع عن الأمة العربية، ويتذكر ماضيها التليد ومؤتمر الخرطوم للاءات الثلاث، عندما استطاع الرئيس إسماعيل الأزهري والشريف حسن الهندي ومحمد أحمد المحجوب أن يجمعوا الملك فيصل بالزعيم عبد الناصر، وكانت المصالحة الشهيرة التي أُسدل بها الستار على الخلاف بين مصر والسعودية وقتها، وتابع أن الصبان يذكرهم بذلك الجيل من العمالقة الذين عملوا في الجامعة العربية، معتبرا أن وجوده فيها يمثل دعما كبيرا وقوياً للشعب السوداني.

 

الكتلة ترحب:

من جانبه أعلن الناطق الرسمي باسم الكتلة الديمقراطية الدكتور محمد زكريا، ترحيب الكتلة بتكليف الصبان مبعوثا خاصا للأمين العام للجامعة العربية إلى السودان، مشيرا إلى أن الخطوة تعكس اهتمام الجامعة بتطورات الأزمة السودانية وحرصها على تعزيز دورها في جهود إنهاء الحرب وتحقيق السلام والاستقرار. وقال زكريا لـ”لمحقق” إن الكتلة تأمل أن يشكل هذا التكليف إضافة فاعلة، بالاستفادة من خبرة الصبان الطويلة في الملف السوداني، وأن يسهم في تعزيز الحضور العربي وتنسيق الجهود الإقليمية والدولية، مؤكدا أن نجاح الجامعة العربية في حل الأزمة السودانية مرهون بدعم حوار سوداني شامل، بملكية وقيادة سودانيتين، يعالج جذور الأزمة ويؤسس لسلام مستدام وانتقال ديمقراطي حر، مضيفا أن الكتلة تؤكد استعدادها للتعاون مع المبعوث الجديد والإسهام في الجهود الجادة لتحقيق السلام، معتبرا أن التكليف يمثل انطلاقة لدور عربي أكثر فاعلية في دعم السودان واستعادة أمنه واستقراره.

 

تقدير للقضية:

 

ورأى الأمين السياسي للحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل معتز الفحل، أن تعيين الصبان مبعوثا خاصاً للأمين العام للجامعة العربية يحمل تقديرا للقضية السودانية، بالنظر إلى ما يتمتع به من وعي وإدراك بالملف السوداني. وقال الفحل لـ “المحقق” إن هذا التكليف يؤكد اهتمام الجامعة العربية وجديتها في التعامل مع أزمة السودان، مضيفا أن مبعوث الأمين العام للجامعة سيجد منهم كل تعاون وترحيب حار بتعيينه، وتابع أن الأمين العام للجامعة، بتعيينه السفير زيد الصبان، أرسل رسالة مفادها أنه قادم إلى الملف السوداني برصيد معرفي ورؤية متميزين، وقدم الفحل أمنياته للصبان بالتوفيق والنجاح، معربا عن تقديره للأشقاء العرب، ممثلين في الأمين العام للجامعة، على مواقفهم النبيلة مع الشعب السوداني، ودعمهم وحدة أراضيه وسيادته والتمسك بهما.

 

ترجمة الإهتمام:

 

ويبقى أنه بين الترحيب الرسمي والسياسي بتكليف زيد الصبان مبعوثا خاصا للأمين العام للجامعة العربية إلى السودان، تتجه الأنظار إلى ما يمكن أن يحققه هذا التحرك من نتائج عملية، ومدى قدرته على ترجمة الاهتمام العربي إلى دور أكثر فاعلية في دعم الحوار السوداني وإنهاء الحرب، بما يحفظ وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، كما يبقى التحدي في طبيعة الدور الذي ستضطلع به الجامعة العربية عبر مبعوثها الجديد، هل سيكون مكملا لجهود الآلية الخماسية وداعما لها، أم سيمنح التحرك العربي مسارا أكثر استقلالية في مقاربة الأزمة السودانية؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى