رأي

اتفاق الرياض–إسلام آباد: بداية اهتزاز الثقة بين الخليج وأمريكا

مهند عوض محمود

الضربة الإسرائيلية الأخيرة في قلب الدوحة لم تكن مجرد عملية عسكرية عابرة؛ بل صدمة سياسية وأمنية هزّت الخليج كله. فالعاصمة القطرية التي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، وتُعد شريكاً وثيقاً لواشنطن، لم تُصن حرمتها، ما طرح سؤالاً مريراً: إذا لم تردع المظلة الأمريكية اعتداءً على حليفها الأقرب، فمن يضمن لبقية العواصم الخليجية الحماية؟

وسط هذه الأجواء جاء توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان، التي تنص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يُعد اعتداءً على الآخر. لم يكن التوقيت محايداً؛ بل جاء مباشرة بعد ضربة الدوحة، ليمنح الاتفاق معنى يتجاوز التعاون الثنائي إلى رسالة استراتيجية أوسع. فإدخال قوة نووية كبرى مثل باكستان في معادلة الردع الخليجية يُعطي الرياض ورقة قوة جديدة، ويؤكد أن العواصم الخليجية باتت تفكّر جدياً في تنويع مظلّاتها الدفاعية وعدم الارتهان لواشنطن وحدها.

التاريخ القريب والبعيد يبرهن أن القلق الخليجي مبرّر. واشنطن اعتادت رفع الغطاء عن حلفائها ساعة الشدة: في السودان تخلّت عن جعفر نميري عام 1985 رغم خدماته الاستخبارية الكبيرة؛ وفي تونس عام 2011 تركت زين العابدين بن علي يواجه مصيره رغم كونه شريكاً أمنياً؛ وقبل ذلك، فرضت على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل الانسحاب من السويس عام 1956 حين رأت أن مصالحها تقتضي ذلك. أما في العقد الأخير، فقد انسحبت من شمال سوريا عام 2019 وتركت الأكراد يواجهون المصير وحدهم، ثم جاء المشهد الفوضوي للانسحاب من أفغانستان ليؤكد الصورة: أمريكا لا تتحرك بدافع الوفاء للحلفاء، بل وفق أولوياتها المتغيرة.

إدارة ترمب الحالية عمّقت هذا الانطباع. فقد منحت الأولوية المطلقة لإسرائيل، واستخدمت الفيتو مراراً لتغطية ممارساتها في غزة، ولم تُبدِ أي استعداد للضغط عليها حتى حين امتدت عملياتها إلى أرض حليف عربي يستضيف قوات أمريكية. كما اختزلت مفهوم الحماية في صفقات سلاح ومكاسب مالية، بلا التزام استراتيجي راسخ. هذا النهج الصَفقي عزز القناعة الخليجية بأن الاعتماد الأحادي على واشنطن لم يعد خياراً آمناً.

لكن التفكير في ما بعد أمريكا لا يعني القطيعة معها. فواشنطن لا تزال تمتلك قدرات عسكرية واستخبارية لا غنى عنها. الجديد هو أن الخليج لم يعد مستعداً للمراهنة على مظلة واحدة. هناك توجه لبناء “سلة أمنية” متعددة: استمرار التعاون مع الولايات المتحدة في مجالات التسليح والتدريب والمعلومات؛ تعزيز التفاهمات الثنائية مثل اتفاقية الرياض–إسلام آباد؛ تطوير مظلات دفاعية خليجية مشتركة؛ والانفتاح على قوى آسيوية كبرى مثل الهند وتركيا والصين في حدود محسوبة.

المستقبل القريب يضع أمام الخليج عدة سيناريوهات. أرجحها استمرار التعاون مع واشنطن لكن بجرعة أعلى من التحوّط، عبر اتفاقيات دفاعية جديدة ومشاريع دفاع جوي مشترك. وقد نشهد تباعداً مُداراً إذا تكررت اعتداءات إسرائيلية على أراضٍ خليجية وسط صمت أمريكي. أما إذا أعادت واشنطن صياغة التزامات أكثر صلابة وضبطت اندفاع تل أبيب، فقد يحدث ارتداد جزئي في مسار التنويع الأمني. لكن المؤكد أن مرحلة الاعتماد المطلق على أمريكا قد ولّت، وأن دول الخليج باتت أكثر وعياً بضرورة رسم خارطة أمنها بنفسها.

اتفاق الرياض–إسلام آباد إذن ليس مجرد وثيقة دفاعية؛ إنه مؤشر على بداية تحوّل في التفكير الخليجي: من الثقة العمياء بمظلّة أمريكية أثبتت هشاشتها، إلى مقاربة أمنية جديدة تقوم على التنويع والتحوّط والاستعداد لعالم لا يعترف بالثوابت القديمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى