رأي

واشنطن بين الإغاثة والمساءلة؛ هل تملك الولايات المتحدة مفاتيح السلام في السودان؟

مهند عوض محمود

تتحرك الولايات المتحدة في الملف السوداني بخطوات دقيقة، تجمع بين مسعى إنساني–أمني يتمثل في تثبيت وقف إطلاق نار شامل وتأمين ممرات الإغاثة، وبين مسعى سياسي يهدف إلى تأسيس مرحلة انتقالية مدنية لا تُكافئ المليشيا المتمرّدة ولا تمنحها شرعية سياسية جديدة.  وقد مثّل لقاء سويسرا الأخير بين الفريق أول عبد الفتاح البرهان والمبعوث الأمريكي مسعد بولس مؤشراً على انتقال واشنطن من المؤتمرات العلنية إلى دبلوماسية هادئة مركّزة، تسعى أولاً إلى وقف النزيف الإنساني، ثم البناء عليه لإطلاق مسار سياسي منضبط.

رغبة واشنطن في دفع عملية السلام تنبع من اعتبارات متشابكة؛ أولها أمن البحر الأحمر وحركة الملاحة الدولية بعد ارتفاع كلفة المخاطر وتحوّل السفن بعيداً عن قناة السويس؛ ثانيها أنّ وزارة الخارجية الأمريكية كانت أعلنت رسمياً أنّ ما ارتكبه أعضاء من قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها في دارفور يرقى إلى جريمة إبادة جماعية، وأرفقت ذلك بعقوبات على قادتها وشبكاتها، مما يجعلها ملزمة بمسار يُقرن الحل السياسي بالمساءلة وعدم الإفلات من العقاب؛ ثالثها أنّ السودان أصبح ساحة مفتوحة للتنافس الجيوسياسي، خصوصاً مع عودة ملف القاعدة الروسية في بورتسودان، وهو ما تعتبره واشنطن تهديداً مباشراً لنفوذها؛ رابعها أنّ استمرار الحرب سيؤدي إلى توسّع موجات النزوح والهجرة غير الشرعية، ويفتح ثغرات أمام أنشطة إرهابية عابرة للحدود.

منذ محادثات جنيف عام 2024، تبيّن أنّ المؤتمرات العامة لا تحقق اختراقاً فعلياً، مما دفع واشنطن إلى إطلاق منصة Aligned for Advancing Lifesaving and Peace in Sudan (ALPS)

لتنسيق الضغوط الإنسانية وإبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحاً عبر بيانات دورية، في حين جرى الاعتماد على تفاهمات هادئة مع السلطات السودانية لإحداث اختراقات جزئية. وكان لقاء سويسرا الأخير انعكاساً لهذه المقاربة: البحث عن وقف شامل لإطلاق النار مع ترتيبات عملية لضمان وصول المساعدات، ثم التأسيس على ذلك نحو حل سياسي.

يبقى السؤال الجوهري: هل ستسعى واشنطن إلى تفاوض شامل، أم أنّها أقرب إلى شروط الحكومة السودانية القائمة على إقصاء الدعم السريع وتجريمه؟ الأرجح أنّ الولايات المتحدة تنظر إلى التفاوض كأداة لا كجائزة؛ أي تفاوض يجب أن يكون مشروطاً بوقف نار مراقَب وتأمين الممرات الإنسانية ؛  وبعد إعلان الإبادة الجماعية التي يقوم بها أعضاء من قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها، حسب قرار وزارة الخارجية الأمريكية الصادر في 7 يناير 2025م، أصبح من العسير على واشنطن أو شركائها الغربيين القبول بأي مشاركة سياسية لهذه المليشيا ؛ ومنذ ذلك القرار الصادر في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، لم تتقدم إدارة الرئيس دونالد ترامب اللاحقة بأي خطوة تنفي أو تتراجع عن ذلك التصنيف، وإن لم تُصدر بدورها إعلاناً جديداً حول الملف ؛ غير أنّ ثبات هذا الموقف يعني أن الولايات المتحدة لا يمكنها منطقياً أن تأتي بالدعم السريع مفاوضاً من أجل أن يكون جزءاً من الحكم، في ظل هذه الاتهامات الخطيرة بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب ؛ ومن ثمّ يتقاطع الموقف الأمريكي مع الرؤية السودانية: لا مشاركة في السلطة، مع إمكانية القبول بترتيبات تجميع القوات في معسكرات محددة (كانتونمنت) في غرب السودان تمهيداً لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج الانتقائي تحت إشراف دولي، إلى جانب مسارات عدالة تشمل العقوبات الفردية والجماعية، وإنشاء لجان تحقيق مختصة، وربما اعتماد آليات مشتركة مع الاتحاد الإفريقي أو الأمم المتحدة لتوثيق الجرائم ومحاكمة المسؤولين عنها وفق معايير القانون الدولي؛ وهذا ما يُعرف بالعدالة الهجينة، حيث تمتزج الآليات الوطنية بالخبرات والدعم الدولي، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على سيادة السودان من جهة، وضمان المحاسبة الفعّالة وعدم إفلات الجناة من جهة أخرى.

إلا أنّ استجابة الدعم السريع تبقى موضع شك كبير؛ فهذه القوة ليست جيشاً نظامياً، بل تشكيل غير منضبط يعتمد على الولاءات الشخصية، وتضم بين صفوفها مقاتلين متنقلين ومرتزقة من خارج السودان؛ وغياب الانضباط يجعل أي وقف نار عرضة للانتهاك، لأن القيادة لا تملك السيطرة الكاملة على الوحدات الميدانية؛ ولهذا، فإن نجاح أي اتفاق يقتضي آليات مراقبة صارمة وعقوبات فورية على الخروقات.

من جانب آخر، يُتوقّع أن تتحرك الولايات المتحدة دبلوماسياً لتجفيف منابع المرتزقة وإغلاق مسارات الإمداد البشري والعسكري، عبر التنسيق مع الدول المعنية بعبور المقاتلين والأسلحة؛ فنجاح هذه الخطوة شرط أساسي لضمان صمود أي وقف إطلاق نار.

ومن المرجح أيضاً أن تدفع واشنطن الخرطوم إلى خفض التصعيد الإعلامي، والتوقف عن توجيه اتهامات علنية لبعض الدول التي تتهمها الخرطوم بدعم المليشيا وتمويلها، وذلك حفاظاً على مسار التوافق الدولي؛ غير أن هذه المرونة يقابلها التزام أمريكي واضح بعدم فرض مشاركة سياسية للدعم السريع، وهو ما يشكل مقايضة غير معلنة: تهدئة الخطاب مقابل إقرار مبدأ الإقصاء السياسي للمليشيا، مع استمرار مسار المحاسبة وفق آليات العدالة الهجينة.

وهنا تبرز ضرورة أن تتمترس الحكومة السودانية في موقفها الثابت: عدم إشراك الدعم السريع في أي صيغة حكم مستقبلية، بل العمل على تجريم أفعاله ومحاسبة قادته؛ كما ينبغي أن يشمل ذلك شركاء الدعم السريع من القوى المدنية والسياسية التي وفرت له الغطاء، مثل بعض مكونات قوى الحرية والتغيير – المجلس المركزي وحلفائهم، وضرورة إخضاع هؤلاء جميعاً للمساءلة داخل السودان، باعتبار أنّ مسؤولية الجرائم لا تقع على العسكريين وحدهم، بل أيضاً على مَن وفر لهم الشرعية السياسية. ومن الضروري أن تحدد الحكومة الانتقالية فترة زمنية واضحة لترتيب انتخابات عامة، على ألا تتجاوز ثلاث سنوات، مع إشراف داخلي مستقل ومشاركة واشنطن وشركاء دوليين في مراقبة العملية الانتخابية وضمان نزاهتها. وبهذا، يكتمل المسار السياسي: انتقال مدني منضبط، إقصاء للمليشيا وداعميها، ومحاسبة عادلة داخلية، في إطار مراقبة دولية تضمن مصداقية الانتقال.

الجدول الزمني المرجح للتنفيذ يمر بثلاث مراحل: الأولى خلال الأسابيع المقبلة لإنجاز اتفاق وقف النار الشامل مع ترتيبات مراقبة أممية أو إفريقية وربط أي خرق بعقوبات فورية؛ الثانية بنهاية العام، وتشمل بدء عملية تجميع قوات الدعم السريع غرباً مع ترتيبات أمنية ميدانية، بالتوازي مع توسيع الحكومة المدنية الانتقالية القائمة لتشمل قوى وطنية مستقلة ومجتمعية، من دون إشراك المليشيا وحلفائها؛ الثالثة في النصف الأول من عام 2026، حيث يُفتح ملف إصلاح القطاع الأمني، ويُقصد به إعادة هيكلة الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية على أسس أكثر مهنية موحّدة: حصر السلاح، إعادة تنظيم القيادة العسكرية، دمج بعض العناصر بشروط، تسريح آخرين، وتطوير جهاز شرطة مدنية مهنية تحت إشراف مدني. ويمتد هذا الإصلاح ليشمل وضع ضوابط على عمل جهاز المخابرات، وتأسيس آليات رقابة برلمانية أو مدنية، بمساندة فنية وتمويلية من الشركاء الدوليين. غير أنّ هذا الجدول يظل مشروطاً بمدى التزام الدعم السريع وقدرة واشنطن على توحيد الموقف الدولي وتجفيف منابع السلاح والمرتزقة.

خلاصة القول: الولايات المتحدة لا تسعى إلى تسوية وسط تُعيد المليشيا إلى المشهد السياسي، بل إلى تسوية منظمة تقدّم الإغاثة أولاً، وتؤسس لانتقال مدني يقصي الدعم السريع وحلفاءه السياسيين، ويُبقي العدالة حاضرة، ويأخذ في الحسبان أمن البحر الأحمر وتوازنات النفوذ الدولي. فرص النجاح قائمة، لكنها رهينة باختبار التنفيذ في الميدان، ولا سيما على الممرات الإنسانية وحدود دارفور وكردفان، وعلى مدى صلابة الموقف الدولي في مواجهة أي محاولات للتنصّل أو الالتفاف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى