الذاكرة السودانية: صادراتنا الزراعية .. القصة القديمة المنسية (1-2)

ا
محمد الشيخ حسين
رغم أن عائدات صادراتنا الزراعية بشقيها النباتي والحيواني لا تشكل رقما كبيرا في عائدات البلاد من العملات الصعبة، إلا أن الأوضاع الناتجة عن التدهور الذي يعشه الاقتصاد الوطني، يحتم علينا بذل المزيد من الجهد في مجالات تشجيع الصادر، لإعادة الحياة للقصة القديمة المنسية المسماة تنويع الصادرات ورفع جودتها للمنافسة في الأسواق العالمية. وهنا الجزء الأول من روشتة العلاج.
(1)
تبدأ العودة للقصة القديمة بسؤال، هل سوء في التخطيط والإدارة، أن تمثل حصيلة صادرات البلاد الزراعية في ستينيات القرن الماضي سدس إجمالي الناتج القومي، ثم تتدهور بعد خمسة عقود لتصبح واحداً على خمسين من إجمالي الدخل القومي.
هل يعني هذا أن تنويع الصادرات أو إنعاش الصادرات الزراعية لبلد يقولون عنه (سلة غذاء العالم) أصبح قصة منسية في حياتنا؟
(2)
تاريخياً تمتع السودان بنجاحات في تصدير العديد من المنتجات الزراعية مثل: القطن، الحبوب الزيتية، الصمغ العربي، الثروة الحيوانية، ومنتجات أخرى كانت لها أهميتها من فترة إلى أخرى كالذرة والسكر.
(3)
مع مرور الزمن لم تراوح الصادرات التقليدية مكانها، مما أفقد السودان نصيبه في السوق. وقد كان يتمتع بالريادة في بعضها كالصمغ العربي والسمسم. بالإضافة لذلك تركزت الصادرات إلى أقطار محددة، فمثلا صادرات الضأن الحي للسعودية، القطن لمصر، السمسم للسعودية ومصر والإمارات.
(4)
واقع الحال أن صادرات السودان قد شهدت انتعاشا بسبب البترول. والذي كان يعتبر ثالث أكبر منتج للنفط في إفريقيا جنوب الصحراء بعد نيجيريا وأنقولا بإنتاج قدر بنحو 500 ألف برميل في اليوم في عام 2008م. وبعد انفصال جنوب السودان خرجنا من هذا المضمار.
(5)
غير أن واقع الحال لم يكن خيراُ كله، فقد كشفت دراسة بعنوان «تشخيص إدماج التجارة لأجل برنامج الإطار المتكامل» أن الاستثمارات في الموارد البترولية زادت الثروة القومية، ولكنها عقدت إدارة الاقتصاد الكلي بضغوط برزت في اختلال الموازنات الداخلية والخارجية، وأقعدت بنهوض القطاعات الأخرى والمهمة لنمو متوازن يحقق عدالة التوزيع.
(6)
البترول ـ حسب الدراسة ـ يدخل بقنوات المالية العامة وينتج تذبذبا في السياسة النقدية. ومن جانب آخر فالحساب الجاري قد تعقد مع القفزة في البترول، وأدى إلى ارتفاع قيمة العملة الوطنية. وهذا الوضع أدى إلى فقدان التنافسية باعتبارها عاملا إضافيا لمعوقات جانب العرض من إنتاج السلع.
(7)
تلخص الهدف العام للدراسة في عبارة فحواها أن إنعاش الصادرات غير البترولية يلائم الأسبقيات القومية.
وقبل الخوض في التفاصيل فإن هذه الدراسة أعدتها نقطة ارتكاز برنامج الإطار المتكامل التابعة لمفوضية شؤون التجارة العالمية التي تعد بمثابة معمل لإنتاج السياسات الاقتصادية، للتعامل مع متطلبات الانضمام لمنظمة التجارة الدولية.
وشارك في إعداد هذه الدراسة المهمة لجهة تأهيل الصادرات السودانية لتلبية متطلبات التجارة الدولية واستحقاقات المنافسة في الأسواق، خبراء ومختصون من سائر الجهات الحكومية ذات الصلة بالصادرات وخبراء من البنك الدولي.
(8)
حسب الدكتور محمد علي دنقل منسق هذه الدراسة، فإن إنعاش الصادرات الزراعية يمكن أن يلعب دورا مهما لاستغلال موارد السودان الهائلة للاندماج في الاقتصاد العالمي، وتحقيق التنمية الاقتصادية في مداها الواسع، مع تحسين مستويات المعيشة لقطاعات واسعة.
(9)
الواضح في ثنايا الدراسة أن البترول كان المحرك الفعلي للنمو الاقتصادي، ولكن لكي يصبح مستداما لا بد من النظر إلى زيادة الدخل عبر تنويع الموارد المستغلة لتحقيق النمو شاملا، لتسارع ونمو الصادرات غير البترولية.
(10)
يستدعي هذا الوضع إدماج التجارة في التنمية ومناهضة الفقر، ومن بين ذلك إنعاش الصادرات التي كانت تدر عائدا مقدرا لأكثر من نصف قرن.
وفي المدى البعيد تبرز ضرورة أن يتحرك السودان عبر سلسلة القيمة حتى ينمي صادرات مصنعة كاللحوم وغير ذلك من المنتجات المصنعة.
(11)
ترى الدراسة أن السودان لا يمكن أن يحقق نموا اقتصاديا ويناهض الفقر بالانكباب على احتياجات السوق المحلي، فالمنتجون لا بد أن ينظروا إلى احتياجات الاقتصاد العالمي، ليس فقط لبيع منتجاتهم، وإنما أيضا بالاعتماد على شراكات استثمارية ومع الجهات التي تتعامل في مدخلات الإنتاج.
(12)
عند متابعة المعوقات الداخلية والخارجية لإعداد السودان للاندماج في الاقتصاد العالمي، فقد وضح من الدراسة أن معظم هذه المعوقات محلية. وبخلاف الحظر الأميركي فإن صادرات السودان لا تواجه أية معوقات في السوق العالمي، فالتعريفة الجمركية المفروضة بالدول المستوردة عموما منخفضة ولا تشكل عائقا، ماعدا استثناءات محددة كالرسوم الباهظة التي تفرضها كوريا الجنوبية على الواردات من السمسم السوداني بكميات خارج الكوتة.
(13)
يتمتع السودان عالميا بمعاملة تفضيلية في معظم أسواق الدول الصناعية، إضافة لعضويته في مناطق التجارة الحرة الإقليمية. وهذه المعاملة سهلت تصدير كميات من السكر للاتحاد الأوربي وكينيا.
وفي حالة السودان يمكن أن ينوع من صادراته خاصة المنتجات المصنعة، فهذا النوع من المعاملة التفضيلية يصبح أكثر فائدة للاقتصاد، بالرغم من أن دولاً عديدة تزيد التعريفة مع تصاعد التصنيع.
(14)
توقفت الدراسة عند التعريفة المطبقة على الواردات السودانية، من جهة أن فئاتها تعبر عن نوع من الحد من الاستيراد، فالمتوسط المطبق حاليا نحو 20 في المائة، وإن كان هذا الرقم يقل كثيرا عن الأوضاع الحمائية التي كانت مفروضة قبل التسعينيات، فهي أعلى من الفئات المفروضة من عدد هائل من الدول النامية.
(15)
تحسم الدراسة هذا الأمر، باعتبار أن هذه الفئات العالية معوق لحركة الصادرات، لأنها تشجع المنتج للبيع في السوق الداخلي بدلا من التصدير، ولا تشجع المنتج على استخدام المدخلات المستوردة المطلوبة لزيادة الإنتاجية ونمو قدراتهم للاندماج مع السلسة القيمية للسلع على مستوى العالم.
(16)
لم تغفل الدراسة توضيح أن التدابير المتخذة من بعض الدول لإيقاف التحيز ضد التصدير مثل المناطق الحرة، لم تشكل نجاحا بعد في السودان، إضافة إلى أن العديد من الرسوم تحد من قدرات المصدرين التنافسية في الأسواق العالمية.
(17)
تعلن الدراسة بوضوح شديد أن تنافسية صادرات السودان يحدها التدني في الإنتاجية. فالإنتاجية في الزراعة والإنتاج الحيواني تقل عن مثيلاتها من الدول النامية، وبالخصوص التدني الملحوظ في جنوب وغرب البلاد.
(18)
تعزو الدراسة هذا الوضع الى شح الموارد المتاحة للبحث الزراعي والإرشاد. ومعظم الصناعة تعاني من تهالك الأصول والطاقات المعطلة. وهنالك مصدران لرأس المال المطلوب للاستثمار في التقانات الحديثة لزيادة الإنتاجية، هما الاستثمار الأجنبي المباشر «FDI» والإقراض من البنوك المحلية، ولكن المتاح حاليا ذهب إلى القطاعات المنتفعة من عائدات البترول كالإنشاءات وتجارة التجزئة.
(19)
الآن تبدو الحاجة عاجلة لزيادة الاستثمار في البحث الزراعي والإرشاد، ونقل التقانة التي تساعد في زيادة الإنتاجية للمحاصيل والثروة الحيوانية ذات القابلية للتصدير مثل: الأبقار، القطن، الفول السوداني، الصمغ العربي، السمسم، الضأن، والذرة. وهنا تبرز أهمية العون المالي من المانحين لدعم هذه الجهود.
(20)
في الجانب الآخر فإن تكاليف النقل الباهظة والانخفاض المستمر لقيمة العملة السودانية مقابل العملات الأجنبية، تحد من القدرة التنافسية للسودان.
(21)
لعل الأمر المحزن في هذا الجانب أن الرسوم التي يتم تحصيلها في ميناء بورتسودان هي الأعلى في الإقليم، وإن السفن قد تتعطل من خمسة إلى ستة أسابيع قبل أن تُفرغ شحنتها، مما يزيد التكاليف. ولا نغفل أن غياب الخدمات اللوجستية العالمية جعل السودان لا ينتفع من ثورة النقل بالحاويات. وهناك طول القنوات التسويقية حتى تصل السلع المصدرة لبورتسودان، فضلا عن أن البنية التحتية لتسهيل النقل في طور إعادة التأهيل بالشمال والوسط.
(22)
أما استمرار تدهور قيمة العملة السودانية التي زادت بنحو 2000 في المائة في الفترة من 2006 إلى 2026م، فإنه ينعكس انخفاضا في صافي أرباح المصدرين. وهذا يحتم تقييم سعر الصرف الحقيقي الذي يدعم التنافسية. ولا يحول الدولار الى سلعة تدر أرباحاً أكثر وبمجهود أقل.
نواصل،،



