رأي

السردبة ..

 

موسم انتقاد الإنقاذ و حكوماتنا السابقة، سياسياً، عبر رسالة قصيرة للدكتور مصطفى عثمان ولكل قادة الإنقاذ

الرفيع بشير الشفيع

[1]

إستمعت لإجابة السؤال الأول فقط في بودكاست مع السيد الدكتور، مصطفى عثمان إسماعيل وزير الخارجية السوداني الأسبق وسفير السودان في الأمم المتحدة بجنيف، قُبيل إقالته من منصبه الأخير عقب الثورة “المختطفة” في ديسمبر 2018م.

 

السؤال يقول: ما هو سر إختفاء الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل بعد سقوط الإنقاذ؟

 

وكانت إجابة الدكتور بالنسبة لي غير مقنعة، ولا تناسب الدور الذي كان يؤديه الرجل، وكان من المفترض أن شخصاً مثله كان واحداً من صنّاع القرار السياسي بالبلاد، خصوصاً في السياسة الخارجية والأمن القومي الإقليمي والعالمي ، كان من المفترض أن تكون إجابته بنفس مستوى الدور ، مساهمة في حل الإشكال السياسي السوداني مهما كان وضعه شخصياً ومهما حدث للإنقاذ وغيرها.

 

كانت إجابة الدكتور ، تدل على أنه راعى شيئين: الأول هو عدم إحداث “شوشرة” عند إقالته من منصبه، حتى لا تؤثر في مسيرة الشباب أو الاشخاص بعد سقوط الإنقاذ.

والسبب الثاني: أنه تم تعيينه في جامعة حمد بقطر وأراد أن يحتفظ بقدسية التعليم ولا يلبسه بالسياسة (وقد نفى في نهاية إجابته على السؤال ، عشم الإنقاذيين في العودة للحكم) ، أو كما قال.

 

[2]

 

وأقول للدكتور:

أولاً : وللأسف كنت أظن أن صمت القادرين على التمام مثله، ومن بقية زملائه في الإنقاذ، أن “السردبة” كانت قراراً جماعياً من قيادة الإنقاذ حتى بعد تشرذم هذه القيادة في أيامها الأخيرة وتشتتها إلى لوبيات كثيرة حول السيد رئيس الدولة عمر البشير حينها، كقرار يمثل خطة مرحلية أسبابها الآتي:

 

1- أن تحفظ “السردبة” ماء وجه تجربة الإنقاذ، مقابل التعدي والتجرؤ البذيء الذي صاحب شيطنة الشباب في الشوارع وأن تمتص الغضبة المفتعلة والمصنوعة بواسطة اصحاب المشروع العميل المصادم لمشروع الإنقاذ، كمشروع انقاذي وطني شهد له حتى الأعداء أنه مشروع نهض وقد وصل السودان أسوأ حالاته في نهاية الثمانينيات وقد كاد يؤول إلى إدارة أسرية تاريخية مهدوية كانت تحوّر كل شيء لصالحها وتصنع في شعبيتها وجيشها الإنكشاري الخاص، حتى تحفّت أقدام الجيش الوطني مهزوما في الغابات أمام مشروع السودان الجديد الذي قام في بداية الثمانينيات.

 

2- كنت أظن أن قيادة الإنقاذ وبكل واجهاتها (اللوبيات) التي ظهرت حول القصر في نهاية الإنقاذ وعلى الرغم من الإختلاف بينها، كنت أظن أنها اكتشفت عٍظم الحرب الداخلية عليها، والتي كان يمكن أن تجر رموزها إلى المحكمة الجنائية أو إلى تصفية حسابات تاريخية حدثت بين المشروع الوطني والذي اختصره أصحاب المشروع العلماني المناهض في (دولة 56) ولعمري أنهم يقصدون دولة 1504م والتغيير الذي حدث بعد “خراب سوبا” مروراً بشكل وتركيبة السودان الإثنية والسياسية والدينية منذ ما قبل الإستقلال ، مروراً بحكومة الأزهري وعبود والمحجوب ومايو (بعد يوليو 1971 والى سقوطها) وقد رفعت شعار المشروع الوطني الإسلامي في 1983 قبل الإنقاذ بست سنوات.

 

3- كنت جازماً ومصدقاً أن قيادات الإنقاذ سردبت بسبب وعيها المناسب بأن الحرب العالمية والإقليمية مع المحلية التي ذكرنا اعلاه ، إنها حرب ليست على الإنقاذ فحسب وليست على السودان بدئاً بدولة 56 ومرورا بمايو ، وإنما هي حرب على المشروع الوطني القيمي الديني الذي تبنته الإنقاذ، والذي أسماه غيرها عنوة بالمشروع الإسلامي ، وعلى الرغم من أن الإنقاذ استفادت وطبقت أجندة “التجديد” في صيغة الحكم وإدارة الدولة بحيث آخت بين التأصيل والحداثة (التجديد)، وبين التعاملات العالمية (العالمانية) والتأصيل في التعاملات، وعلى الرغم من الوسطية التي تبنتها الإنقاذ في تعاملها مع الرأسمالية، وتبنيها غض الطرف عن تطبيق الأحكام الشرعية بصورتها التأصيلية البحتة، إلا وأن مشروع الحرب العالمية والإقليمية المتكاملة مع المشروع المناهض لمشروع الإنقاذ- الإسلامو- وضعي ، والذي صنفه المناهضون لمشروع السوداني القومي الوطني على أنه مشروع إسلامي تأصيلي “كيزاني” بحت وعلى إثر ذلك قامت قيامة الإنقاذ كما قامت القيامة على أي حكومة وطنية ليست لها علاقة بأي مشروع إسلامي، طالما أن مشروعها وطني نهضوي، وتقوم قيامة السودان كلما شعر العالم والإقليم ودول الطوق والدول المنتفعة من حالة الكساح السياسي والإداري السوداني والمتحالفة مع المشروع العلماني التجريفي العميل والذي ظهر بأقبح وجوهه بعد ديسمبر 2018م.

 

[3]

كنت مشدوداً نحو شاشة البودكاسات للإستماع لإجابات الدكتور مصطفى في تفسيره “للسردبة” باعتبار أنه من أرفع مستويات الفهم القيادي والتوجيهي السياسي في قيادات الإنقاذ ، لكن الدكتور آسفني جداً بإجاباته بهذه الصورة المؤسفة، وإذا كانت أسباب مثله كما قال ، فلنا الحق كشعب أن نعرف أن أسباب انهيار الإنقاذ ليست هي حرب مشاربع عالمية ومحلية فقط، إنما كانت أسباب مفاهيمية في إدارة الدولة من ناحية مؤسسية تفتقر إلى العمل الجماعي وأن أي فرد في الإنقاذ كان (يشوت ضفاري) بحسب فطرته السياسية والوطنية ولنا الحق في أن نقول أن كل حكوماتنا كانت عبارة عن حقل تجارب ولا تمتلك الرؤية المستحقة لإدارة وطن ينافس العالمين وسط التغيير العالمي الجاثم والمفروض على السودان بفرضية النظام العالمي الجديد ومشروع الشرق الأوسط الجديد والذي بدأ منذ 1983م ولم ينتهي بهذه الحرب في 2023م وسوف لن ينتهي (إلا أن يشاء الله) ما دام السودان لم يجد مجموعة من الحكماء الوطنيين الذين يملكون قراءة التاريخ السوداني “الحديث” الذي اتخذ ذريعة لهدم السودان من الداخل ، والتأريخ السوداني “القديم ” والذي من خلفه يجر كل الويلات على السودان والمنطقة فيما يسمى بالشرق الأوسط الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى