مهندسو اللا حل

المُبـر محمـود
كل بضعة أشهر تعقد منظمة “بروميديشن” الفرنسية اجتماعاً جديداً حول السودان. تتغير المدينة أحياناً، ويتغير عنوان الورشة أو الملتقى، لكن المشاركين يكادون يكونون أنفسهم، كما تكاد تكون الأسئلة نفسها والنتائج نفسها. وعلى امتداد سنوات الانتقال السياسي ثم سنوات الحرب، حافظت المنظمة على حضور مستمر وسط القوى السياسية السودانية، وقدمت نفسها باعتبارها وسيطاً يسعى إلى تقريب وجهات النظر وصناعة التوافق بين الأطراف المختلفة.
لكن السؤال الذي يستحق الطرح ليس ماذا تقول المنظمة عن نفسها، وإنما ما طبيعة هذه المؤسسة وما المدرسة الفكرية والسياسية التي تنتمي إليها وما حصيلة عملها في القارة الإفريقية. فبروميديشن لا تعمل في مجالات التنمية أو الخدمات أو الإغاثة الإنسانية، وإنما تنشط في مجال الوساطة السياسية وإدارة النزاعات. والقائمون عليها جاءوا من خلفيات مرتبطة بالسياسة والأمن وإدارة الأزمات والعلاقات الدولية. كما أنها مجرد واجهة لشبكة واسعة من المؤسسات الأوروبية والدولية العاملة في ملفات الساحل الإفريقي وليبيا وتشاد والسودان منذ الحرب الباردة، وهي شبكة تنطلق من تصور ليبرالي لادارة النزاعات، وتتلقى تمويلها من حكومات أوروبية وتضم مراكز أبحاث وخبراء أمنيين ومبعوثين ومنظمات متخصصة في إدارة الصراعات والانتقالات السياسية.
وعند مراجعة حصيلة هذه الشبكة في إفريقيا يصعب العثور على قصة نجاح مكتملة. ففي مالي تدخلت لسنوات طويلة، وعُقدت اتفاقيات متعددة بين النخب السياسية والجماعات المسلحة، لكن البلاد انتهت إلى انقلابات عسكرية متكررة وانهيار للدولة وتآكل متواصل في الثقة بين الدولة والمجتمع. وفي ليبيا لم يتوقف سيل المؤتمرات والحوارات التي نظمتها منذ سقوط القذافي، من الصخيرات إلى برلين إلى جنيف، ومع ذلك ما زالت البلاد تعيش الإنقسام والهشاشة الأمنية وكل الأزمات ذاتها تقريباً. أما تشاد فقد ظلت لعقود ساحة مفتوحة للمبادرات والحوارات والتسويات دون أن تتمكن تلك الجهود من معالجة جذور الأزمة السياسية هناك. وبعد كل هذا التاريخ الطويل من التدخلات والوساطات الفاشلة، يحق لأي صاحب عقل أن يسأل: أين الدولة التي تحولت إلى نموذج للاستقرار بفضل هذه الحوارات والمؤتمرات والتسويات؟
لذلك فإن الشك في طبيعة الدور الذي تؤديه هذه المؤسسات هو شك مبرر وله دفوعات موضوعية. فالمتابع لهذه التجارب يلاحظ أن الجهد الأكبر يذهب إلى إدارة الصراع لا إلى إنهائه. فالصراع المنتهي لا يحتاج إلى وسطاء ولا ورش عمل ولا مشاريع حوار ولا بعثات خبراء. أما الصراع المفتوح فيعني تمويل مستمر ووفود خبراء جوالة، ودراسات مدفوعة القيمة، ومبادرات مربحة. ولذلك تبدو بعض هذه المؤسسات وكأنها أصبحت جزءاً من اقتصاد سياسي كامل يعيش على استدامة الأزمات. لا بمعنى وجود مؤامرة كبرى بالضرورة، وإنما بمعنى أن استمرار النزاع يضمن استمرار الدور والحضور والتأثير والتمويل.
وتقوم معظم هذه المبادرات الغربية على فكرة إدماج جميع الأطراف المسلحة في أفريقيا داخل العملية السياسية. وهي فكرة تبدو جذابة عند عرضها في القاعات المكيفة، لكنها تطرح سؤالاً بسيطاً: هل كانت فرنسا نفسها ستقبل بمشاركة جماعة مسلحة تمردت على الدولة وقتلت جنودها وسيطرت على مدن فرنسية بالقوة ثم تطالب بنصيب من السلطة مقابل إلقاء السلاح؟ وهل كانت بريطانيا أو ألمانيا ستتعامل مع الأمر باعتباره فرصة للحوار الوطني؟ الإجابة معروفة. فالدول الغربية تتعامل مع التمرد المسلح داخل حدودها باعتباره تهديداً لسيادة الدولة والقانون. أما عندما يتعلق الأمر بأفريقيا، فإن الوصفة المقدمة كثيراً ما تقوم على منح السلاح قيمة سياسية إضافية وتحويله إلى بطاقة عبور نحو طاولة التفاوض.
وفي السودان وجدت هذه الأفكار بيئة خصبة داخل جزء من النخبة السياسية. وهي نخبة مصنوعة بانتقائية تراعي ضعف التأهيل المعرفي وقصور الأفق الإستراتيجي والقابلية المطلقة للتبعية. فمنذ سنوات أصبح حضور الورش والمؤتمرات الدولية لدى بعض السياسيين نشاطاً دائماً يكاد ينافس العمل السياسي نفسه. وما إن تصل دعوة من منظمة أجنبية حتى تبدأ ترتيبات السفر والبيانات والتصريحات والصور الجماعية. واللافت أن كثيراً من هؤلاء لم يتوقفوا يوماً لمراجعة نتائج كل تلك اللقاءات. عشرات الورش وعشرات المؤتمرات وعشرات المبادرات، لكن السودان انتقل من أزمة سياسية إلى حرب مدمرة هددت وجود الدولة نفسها. ومع ذلك يستمر الحماس للمبادرة التالية كما لو أن شيئاً لم يحدث.
وقد يكون التفسير الأقرب لذلك أن بعض النخب السودانية ما زالت تمنح الشرعية القادمة من الخارج قيمة أكبر من الشرعية المستمدة من المجتمع السوداني نفسه. ولذلك تجدها أكثر نشاطاً في قاعات الفنادق الأجنبية منها في القرى والمدن والأحياء التي تدّعي تمثيلها. وتجدها أكثر اهتماماً بالحصول على مقعد في منصة دولية من اهتمامها ببناء قاعدة اجتماعية حقيقية داخل البلاد.
والمشكلة أن أزمة السودان لا تتعلق فقط بمن يحكم ومن يشارك في السلطة. فالحرب الحالية كشفت عن أسئلة أكبر بكثير تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وشرعية النخب والاحزاب المتحكمة في المشهد، واحتكار السلاح، وطبيعة العقد الاجتماعي المنظم للعلاقة بين السلطة والمجتمع. وهذه القضايا لا تُحل عبر اجتماعات مغلقة بين عدد محدود وغير مفوض من السياسيين والحركات المسلحة، ولا عبر وصفات جرى اختبارها مراراً في دول إفريقية أخرى دون نتائج مشجعة.
ولهذا فإن النقاش حول “بروميديشن” لا يتعلق بمنظمة واحدة بعينها، بل بنموذج كامل لإدارة الأزمات في أفريقيا. نموذج يقوم على تدوير النخب نفسها، واستدعاء الأدوات نفسها، وإعادة إنتاج المقاربات نفسها مهما كانت حصيلتها السابقة. وبعد أكثر من عقدين من التجارب في الساحل الإفريقي وليبيا وتشاد والسودان، لا تبدو النتائج بحاجة إلى كثير من الشرح. فالأزمات ما زالت قائمة، والدول ما زالت هشة، والصراعات ما زالت تتجدد، بينما تستمر صناعة الوساطة الدولية في التوسع. وهذا وحده كاف لأن يدفع العقلاء من السودانيين إلى النظر بعين أكثر نقداً لكل مبادرة جديدة تُطرح باسم السلام والتوافق، خصوصاً عندما تأتي من المؤسسات نفسها التي لم تقدم حتى الآن دليلاً مقنعاً على نجاح وصفاتها في أي مكان في عالمنا الأدنى.



