
القاهرة – المحقق
في جلسة احتفت بالذاكرة السودانية وأهل القلم والمعرفة، فتح منتدى إسناد الثقافي نوافذه على تجربة ثرية للكاتب والباحث والإعلامي الأستاذ محمد الشيخ حسين، الذي أعاد إلى الحياة ثمانية مؤلفات شكلت محطات مضيئة في مسيرة التوثيق السوداني.
ترأس جلسة المنتدى السفير العبيد أحمد مروح. وتحدث فيها كل من د. عثمان أبوزيد والسفير د. خالد فرح. وشارك فيها عبر رسالة صوتية من الخرطوم أستاذ الأجيال علي محمد شمو. وهنا التفاصل.
تروي سهاد شريف النور، مدير الإعلام بجمعية إسناد، جانباً من هذا المنتدى، فتقول:
أكد مؤلف الذاكرة السودانية أن الكلمة الصادقة قادرة على الانتصار على النسيان وصيانة ذاكرة الوطن للأجيال القادمة.
واصطحب الكاتب الحضور في رحلة معرفية وإنسانية ثرية، مستعرضاً تجربته في استعادة وإحياء مؤلفاته الثمانية التي صدرت على امتداد ما يقارب اثني عشر عاماً، في تجربة جسدت انتصاراً للذاكرة السودانية على النسيان، وانتصاراً للمعرفة على تقلبات الزمن.

وأكد الأستاذ محمد الشيخ حسين أن المجموعة الأولى من مشروع «الذاكرة السودانية» تمثل انتصاراً في معركته الشخصية بإعادة الحياة إلى مؤلفاته، موضحاً أن ذلك تحقق بحمد الله، وبفضل جهود مكثفة ومساهمات مقدرة أثمرت عن جمع نسخ ورقية وإلكترونية من جميع كتبه، لتعود إلى دائرة المعرفة والتداول، شاهدة على محطات مهمة من التاريخ السوداني السياسي والثقافي والفكري.
واستعرض المحتفى به مسيرة مؤلفاته التي بدأت عام 2009 بكتاب «مرفأ الذاكرة السودانية.. نحو عصر تدوين جديد»، الذي أثار النقاش حول أحداث وقضايا وشخصيات سودانية تركت بصماتها في الحياة العامة. تلاه كتاب «جعفر نميري.. لوحة لرئيس سوداني» الذي تناول البعد الإنساني في تجربة أحد رؤساء السودان، ثم كتاب «إسماعيل الأزهري.. الزعيم الإنسان» الذي قاده إلى عالم رجل كانت دنياه السودان بأعمق دلالاته وأوسع معانيه.

كما حلق بالحضور إلى فضاءات الثقافة السودانية عبر كتاب «عبد الله الطيب وزمنه الثقافي»، الذي تشرفت جامعة الخرطوم بطباعته ونشره، قبل أن يتناول في كتابه «بصمة علي شمو.. ستون عاماً من المعرفة والاستنارة»، والذي تشرفت وزارة الثقافة بطباعته ونشره، مسيرة أحد أبرز رموز الإعلام والثقافة السودانية.
وانتقل الأستاذ محمد الشيخ حسين إلى عالم المفكر الراحل منصور خالد من خلال كتاب «منصور خالد.. لورد من أم درمان.. قراءة في حوار مع الصفوة بعد خمسين عاماً»، ثم كتاب «شذرات وهوامش منصور خالد.. الحساب ولد»، الذي تناول مذكرات المفكر الراحل وما أثارته من حراك فكري واسع. أما كتابه الثامن «نفح الطيب من غصن دارفور الرطيب»، فقد جاء حصيلة رحلات صحافية امتدت بين عامي 1989 و2016، موثقاً جوانب من الحياة والثقافة والمجتمع في ولايات دارفور.
وأشار الأستاذ محمد الشيخ حسين إلى أن حلم تأسيس مشروع «الذاكرة السودانية» لا يزال قائماً، باعتباره مشروعاً وطنياً مفتوحاً يزخر بقضايا وأحداث وشخصيات تستحق أن تحفظ وتوثق للأجيال القادمة.
د. عثمان أبوزيد:
ابتدر الدكتور عثمان أبوزيد الحديث في المنتدى الذي شهدته قاعة جمعية “إسناد” لدعم المتأثرين بالحروب والكوارث ، ظهر يوم 24 يونيو 2026 في مقر جمعية إسناد لدعم المتأثرين بالحروب والكوارث، معتبراً أن المجموعة تُعد وثيقة اجتماعية وسجلا تاريخيا يوثق لشخصيات مهمة في السياسة والثقافة مثل جعفر نميري ومنصور خالد وزين العابدين الهندي والصادق المهدي وعبد الله حمدنا الله وإسماعيل الحاج موسى وآخرين.
وجاء في استعراضه أن كتاب الذاكرة السودانية حوى ثماني كتب للمؤلف عبارة عن مقالات واستطلاعات وحوارات وسيرة غيرية لشخصيات وأعلام في المجتمع السوداني.
يتكون الكتاب من (704 صفحة) في طباعة جيدة لا تخلو من بعض الأخطاء الفنية.

التعريف بالمؤلف:
الأستاذ محمد الشيخ صحفي حاذق، وصفه أحد المقدمين لكتبه الأستاذ فضل الله محمد بأنه تجسيد حي لمدرسة في الكتابة الأدبية تمزج بين خصائص الاستقصاء الصحفي ولوازم البحث المعمق.
أجاد الأستاذ حسين كتابة صحفية نسميها كتابة الملامح (الفيتشر)، ووثق للزمن السوداني عبر كتابات سياسية ومقالات اجتماعية عن حياة الناس وعن نوع التفكير السائد في وقت من الأوقات، مع ما يبدو من صعوبة في احتواء الذاكرة السودانية بجهد فردي مهما أوتي هذا الفرد من جهد ونشاط، لذا كنت أوثر أن يكون عنوان الكتاب (من الذاكرة السودانية).
والأستاذ محمد الشيخ مع أنه قضى وقتاً طويلاً في العمل الصحفي داخل السودان وخارجه فإن أعماله غير منتشرة إنتشاراً يوازي قيمتها الفكرية وعطاء المؤلف الثقافي، ولعل السبب في ذلك أنه ظل كاتباً موضوعياً ومعتدلاً لم يورط نفسه في النقد الحزبي المباشر أو اجتراح الهجاء السياسي، وقد اتخذ لنفسه خطاباً يتفهم حجج ومنطق كل الأطراف وعدم التسرع في إطلاق الأحكام. وليته ألّف ووضع كلمات أغنية من الأغنيات ليصعد اسمه إلى سماء المشاهير.
محتوى الكتاب:
الكتاب الجيد هو الذي يمنحك أفكاراً جديدة ويطلعك على حقائق وعلوم لم تكن مطلعاً عليها. وربما أن كتاب الذاكرة السودانية تميز بإعطائنا جرعات من الوعي الوطني بمداخل فنية حتى إن مقدماً لأحد كتب الذاكرة السودانية وهو دكتور الصديق عمر الصديق يقول: “إن سودانيتي كانت ناقصة قبل قراءة هذا السفر”.
وقيمة الكتاب من حيث أنه اعتنى بالتدوين مشيراً إلى هشاشة الشفاهة، إذ يضع لأول كتبه عنوان إشارة هو نحو عصر تدوين جديد واستهله بقصة عن حسن نجيلة اختبر هذه القضية في أقصوصة لطلبته في الفصل الدراسي.
من الواضح أن الشخصيات التي استضافها الكاتب أفضت إليه بما عندها من مكنون الذكريات والشجون، نقرأ للأستاذة رشيدة إبراهيم عبد الكريم وزيرة سابقة للشؤون الاجتماعية والزكاة وهي تقول: “كنت أستغرب للذين يندهشون عندما يعرفون أنني غير متزوجة، أما التفكير في الزواج فقد أصبح Too late وكمان هل تصبح الوزيرة عروسة؟!”.
ويكتب المؤلف بلسان شخص قضى نصف عمره في الجريمة والسجون، ويختم مقاله برجاء إلى رئيس الجمهورية بإسقاط ما تبقى له من عقوبة، ولا ندري إن كانت رئاسة الجمهورية استجابت لهذا النداء الصحفي. وهكذا يجعل الكاتب الشخص يفضي بما في نفسه بضمير المتكلم، وهذا أسلوب حميمي يجعل القارئ أكثر قرباً من شخصيات الكتاب.
ولا شك أن الكتاب جوّد معرفتنا بالكثير من الشخصيات مثل الزعيم إسماعيل الأزهري؛ فما كنت أعرف عنه اتجاهه الإسلامي الذي ظهر بقوة فيما يروى عنه: “إن القانون الوضعي دخل السودان بالشباك ويجب إخراجه بالباب”، وكان الزعيم الأزهري يرى بأن تطبيق الشريعة مسألة وقت، وظل يحث القانونيين على الإهتمام بالشريعة والمداومة على الاجتهاد في الإلمام بها.
وله موقف عندما أراد البعض في البرلمان الترخيص ببيع أنواع من الخمور للعامة فرد عليهم بقوله “عايزيني أنا ود الخلاوي والمتصوفة أبيح شرب الخمور؟”.
ومن المواقف المؤثرة عندما سرد الكاتب قصة عن عبد الوهاب إبراهيم الذي كان مديراً لجهاز الأمن في عهد نميري وتكفله بدفع إيجار منزل لزوجة معتقل سياسي من نثريات الجهاز، وهذا تعبير عن البعد الإنساني في الصراع السياسي بالسودان وفي ذلك قصص كثيرة يمكن أن تروى.
حدثني البروفيسور عون الشريف قاسم عندما سألته عن المعاملة الحسنة التي كنا نلقاها في سجون العهد المايوي فقال: إن الدولة كانت تنظر إلى الشباب والطلاب المعتقلين بأنهم رصيد للوطن، ولا ينبغي التفريط فيه بل العمل على توجيههم وضمان مستقبلهم.
ويتساءل المرء أين ذهبت هذه السماحة السياسية في ظل الحرب المتوحشة والقسوة المتناهية التي نعايشها هذه الأيام.
ومضة تنموية:
في الحوار مع حاكم الإقليم الشمالي بروفيسور عبدالله أحمد عبدالله في سنة 1985 تحدث الحاكم بحسرة أن مشروع التنمية الوحيد في الإقليم متوقف. لم يكن هنالك طريق واحد مسفلت في الإقليم. وكان خزان الحامداب حلماً من الأحلام وكذلك محطة كريمة للكهرباء، وكان يوجد كبري واحد على نهر عطبرة وظل الانتقال بين الضفتين عبر البنطونات المتهالكة وغاية آمال حاكم الإقليم آنئذ تجديد هذه العبارات وصيانتها.
تاريخ ما أهمله التاريخ:
في كتاب (جعفر نميري لوحة لرئيس سوداني) يذكر الكاتب وصية أحمد عبدالحليم له بألا يتتبع كل ما يقال ويحكى عن نميري لأنه إن فعل ذلك سيكتب أساطير الأولين. ولا أعلم كاتباً تسنى له الاطلاع على ملف خدمة نميري العسكرية، ولا نعرف كيف تأتى له ذلك لما نعلم من حرص العسكريين على أسرارهم. ويذكر عن نميري أنه في صغره بود مدني كان يقود في بعض الأحيان حمير أهل الحي وينظفها في النيل، ويشير إلى القدرات الجسدية المتميزة التي آتاها الله للرؤساء ومن ذلك إشارته إلى أن نميري كان يستيقظ في الرابعة صباحاً وكان لا ينام طويلاً تكفيه ساعتان أو ثلاث وقد يبقى يومين أو ثلاثة دون نوم. وأضيف إلى هذا ما نقل عن عامل في القصر الجمهوري عن إسماعيل الأزهري كان يستغرب أن إسماعيل الأزهري قلما يذهب إلى الحمام.
ويطلعنا الكاتب على ملمح من شخصية الأستاذ علي شمو في كتاب بصمة شمو أن له صوتاً شجياً في الغناء حين يدوزن على الكبريتة، وذكر أنه كان واحداً من مجموعة سرية لحزب الاتحاد الديمقراطي لكنه مع ذلك لم يضع قدمه في أحزاب الاتحاد الديمقراطي ووصفه بأنه كان ناشطاً اتحاديا وناشطاً إسلامياً في آن معاً، ويبدو أن الطبيعة السودانية قد سمحت في وقت ما لأن يكون الشخص عضواً في الحركة الإسلامية أو في أنصار السنة المحمدية ثم يكون منتمياً في حزب الأمة أو الحزب الاتحادي كما يروى عن علي طالب الله أول مراقب للإخوان في السودان أو الشيخ محمد هاشم الهدية رئيس أنصار السنة الذي كان اتحادياً في الوقت نفسه.
فائدة لغوية:
يروي الكتاب قصة بدر الدين سليمان وزير الصناعة والتعدين عندما قدم للرئيس نميري مسودة الاتفاق مع شركة شيفرون، واشتمل النص على عبارة (اقتسام الإنتاج) التي اعترض عليها نميري لأنها قد تفيد تساوي الأنصبة بين المتقاسمين. لذا طلب الرئيس الاتصال بالدكتور عبدالله الطيب والطلب منه اختيار كلمة أنسب للدلالة على أنصبة غير متساوية فأجابهم عبدالله الطيب بأنه لا يرى في كلمة اقتسام معنى الأنصبة المتساوية ومع ذلك فهو يفضل كلمة قسمة فهي أبلغ للدلالة على الأنصبة غير المتساوية، وذكرهم بالآية: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى … الآية}.
فائدة لغوية أخرى عندما ناقش الكاتب ما تعلق بعنوان مذكرات دكتور منصور خالد وهو (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية) ولا يخفى ما في هذا العنوان من عجمة وما فيه من ضعف التأليف، فضلاً عن أن وضع (الشولة) في العناوين أمر غير معتاد.
ويختم الدكتور عثمان أبوزيد مداخلته بالقول:
إن صدور المجموعة الأولى من الذاكرة السودانية في هذا الوقت وفي مدينة القاهرة ليدلنا على ما نلمسه من نشاط في الجبهة الثقافية على مستوى النشر ولا شك أن وجود المثقفين السودانيين في منافيهم خارج بلدهم في أعقاب حرب أبريل أتاح لهم فرصة الكتابة والنشر. وعلى الرغم من ثراء الحركة الثقافية فإننا نلحظ عدم ظهور أسماء كبيرة وعدم وجود اختراق للساحة الثقافية العربية بما يحقق الاعتراف للسودانيين على الوجه المطلوب وربما أن من أسباب هذا المشهد ضعف وسائل الإعلام السودانية وانشغالها بالجوانب العسكرية والسياسية.
وإننا لنتطلع إلى هيئات ومؤسسات مثل منظمة إسناد أن يكون لها إسهام في دعم هذه الحركة الثقافية وتسديدها وتشجيعها. والله ولي التوفيق والإعانة.
مداخلة الدكتور خالد فرح:
استهل المتحدث الثاني في منتدى اسناد الثقافي
لتدشين كتاب: الذاكرة السودانية: المجموعة الاولى السفير د. خالد محمد فرح حديثه:
أود بادئ ذي بدء أن أحييكم أطيب تحية في هذه النهارية السعيدة، التي نجتمع في رحابها، لكي نحتفي بتدشين كتاب الذاكرة السودانية: المجموعة الاولى.
واستطرد:
إن كتاب الذاكرة السودانية المجموعة الأولى، هو سفر ضخم، ومجلد موسعي يضم أكثر من سبعمائة صفحة من القطع الكبير، من تأليف صديقنا الكاتب والصحفي الاستاذ محمد الشيخ حسين، حفظه الله ومتعه بموفور الصحة والعافية. وهذا الكتاب هو في الواقع، جماع لجملة من المؤلفات المستقلة، والمراجعات في الكتب، والمقالات التي كان قد نشرها المؤلف في تواريخ مختلفة سابقاً، ثم عمد إلى جمعها على صعيد واحد لتنشر في هذا المجلد الذي بين أيدينا ، والذي يوحي عنوانه؛ الذاكرة السودانية؛ المجموعة الأولى، بأن هنالك مجموعة، أو ربما مجموعات أخرى سيأتي نشرها تباعا كما نأمل بإذن الله.
وتابع:
* إن شهادتي في محمد الشبح حسين شهادة مجروحة كما يقال، وذلك لأكثر من سبب وقرينة. فأولا نحن أتراب وأبناء جيل واحد، هو الجيل الذي صار يطلق عليه في الإنجليزية “جنريشان جونز ” ، وهم مواليد ما بين أواخر الخمسينيات من القرن الماضي وأوائل الستينيات منه .. ولد كلانا كما أتصور في عهد عبود، ودخلنا المدرسة في عهد حكومة أزهري ومحجوب وعام النكسة ومؤتمر اللاءات الثلاث بالخرطوم، ودرسنا جميع مراحلنا الدراسية في عهد نميري إلى أن تخرجنا من الجامعة في نفس العام 1984، واشتغلت أنا مثله بعد التخرج بالصحافة أولا بوكالة السودان للأنباء (سونا)، قبل أن أنتقل منها للعمل بوزارة الخارجية في عام 1986م. ثم ظللنا نتعارف منذ التسعينيات، ونشأت بيننا علاقة صداقة وثيقة، زادها متانة عشق كلينا لمجالس ومنتديات الأدب والثقافة والابداع، والتي كثيرا ما نلتقي في رحابها، حيثما كانت بالعاصمة المثلثة.
* أما كتاب الاستاذ محمد الشيخ هذا الذي نحن بصدده، فإنني أقول عنه من دون أية مبالغة أو تزيّد، إنه كتاب مهم ومفيد للغاية، ولا غنى عن اقتنائه والاطلاع على ما فيه من مادة دسمة ومتنوعة وأصيلة في بابها، لأي دارس أو باحث في مختلف جوانب تاريخ السودان الحديث وخصوصاً المعاصر، إلى جانب مجال السير والتراجم.
* وأنا لا أقول ذلك من قبيل المجاملة، ولاعتبارات الإخاء والصداقة والكيمياء المشتركة فيما بيننا، ولا لكون أنه قد ذكرني فيه بالخير، حين أشار في صفحة 29 منه ، إلى مشاركتي في ندوة عقدت في عام 2008 بقاعة الشارقة بجامعة الخرطوم، لمناقشة كتاب: ذكرياتي في البادية للأستاذ حسن نجيلة، في إطار ندوة العلامة عبد الله الطيب الأسبوعية عامئذٍ، بما قد يُفهم منه أن ذلك من قبيل مضمون المثل الشعبي القائل: تشهد للعروسة وتطري جمالها مزينتها وأمها وخالتها، ولكن من واقع تقويم واقعي، ونظرة موضوعية متجردة لهذا الكتاب في الواقع.
* تميز محمد الشيخ حسين كما يشهد بذلك كتابه هذا، في كتابة السيرة الغيرية ( Biographies )، التي أضحى التأليف فيها، جنساً كتابياً مميزاً وملحوظاً في المكتبة السودانية خلال العقود الأخيرة، إلى درجة أن أحد الكتاب والمثقفين المعاصرين، هو الدكتور مصطفى الصاوي، قد خصص لها رسالته للدكتوراه في الادب السردي السوداني الحديث، وهي رسالة أنجزها تحت إشراف الراحل البروفيسور ِعبد الله حمدنا الله.
* ولعل محمد الشيخ حسين يتأسى في ذلك النمط من التأليف، ويقتفي آثار من سبقوه فيه من أفذاذ الكتاب السودانيين من أمثال: محجوب عمر باشري، وعون الشريف قاسم، وعلي المك، ومحمود أبو العزايم، وبشير محمد سعيد، واحمد شاموق، وصديق البادي وغيرهم.
* أما عن محمد الشيخ حسين الصحفي، فبحسبي أن أقتطف هذه الفقرة واضحة الدلالة، من التقديم الباذخ الذي خطه يراع المثقفة والاعلامية الكبيرة الأستاذة آمال عباس العجب، كتوطئة لكتابه: مرفأ الذاكرة السودانية: نحو عصر تدوينٍ جديد، الذي صدر في عام 2008، والذي يتصدر متنه هذه الموسوعة الكبرى:
* تقول الاستاذة آمال عباس: ” الصحفي النابه محمد الشيخ حسين، عرفته عن قرب في العام 1984، وهو على العتبات الأولى في دنيا الصحافة. من صحيفة الصحافة، رافق قافلةً ثقافية، سيرها معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية إلى الاقليم الشمالي وقتها. ومن أسلوب تغطيته لمناشط القافلة، كنت ألمح مشروع صحفي متميز ، حسب فهمي لدور الصحافة، لا مجرد مُخبر يكتب الخبر وحسب. فقد كان محمد يعيش الحدث وينظر إلى دلالته ومكوناته ومآلاته. ” انتهى كلام الاستاذة آمال عباس، ويا لها من شهادة.
* وبحمد الله وفضله، فإن الأستاذ محمد الشيخ حسين لم يخيب ظن استاذته آمال عباس فيه، إذ غدا فيما بعد، صحافياً نابهاً ، وكاتباً متميزاً يُشار إليه بالبنان، ولا أود أن أقصم ظهره، والدليل على ذلك، هذا التداعي الملحوظ من قبل هذا الجمع النوعي الكريم، لحضور تدشين الجزء الاول من موسوعته الموسومة ب ” الذاكرة السودانية “.
* وللتدليل على ما ذهبنا إليه من شغف المؤلف بالكتابة في مجال السيرة الغيرية، واستعراض الكتب، واستنطاق الشخصيات العامة، ممن يعرفون بالشاهدين على العصر في شتى المجالات في السودان، اسمحوا لي ان استعرض امام حضراتكم سريعاً، بعض العناوين الجانبية، لكتاب الاستاذ محمد الشيخ ” مرفأ الذاكرة السودانية “.
* ففي باب الشخصيات السودانية من هذا الكتاب، أورد المؤلف على سبيل المثال، نبذاً تعريفية عن كل من: حسن نجيلة، وزين العابدين الهندي، والصادق المهدي، وفيفيان ياجي، وعبدالله حمدنا الله، وعلي شمو، ومحمد خير البدوي، بل انه لم ينس إيراد نبذة عن عامل بسيط اسمه ” حارس ” ، كان يعمل فراشا بمكتب العلامة عبد الله الطيب لبضعة عقود.
* وفي باب محطات تاريخية، كتب المؤلف على سبيل المثال مقالات تحت هذه العناوين: مذكرات خضر حمد، وحصاد أكتوبر، وإفادة سر الختم الخليفة، وإفادة أحمد سليمان، وإفادة أحمد السيد حمد، وإفادة جعفر كرار. وكل ذلك يندرج بالطبع، في سياق وقائع تاريخ السودان المعاصر فيما ثورة أكتوبر 1964 المجيدة، هذا إلى جانب مقالات أخرى عن: انتفاضة أبريل، والأحزاب الجنوبية، والجمعية التأسيسية، والمؤتمر الوطني، ودارفور بوابة السودان الغربية وغيرها.
* وأما في باب آفاق فكرية، فقد أثبت المؤلف في هذا الباب، لمحات من وجهات نظره بالطبع في شخصيات مثل: محمد عمر بشير، ومدثر عبّد آلرحيم، ومحمد هاشم عوض، ومحمد عبد الوهاب جلال.
* وعلى صعيد آخر، يستعرض المؤلف في ذات الكتاب بإيجاز، كتباً من تأليف، عن شخصيات مرموقة ومؤثرة في المجتمع مثل: الرئيس جعفر نميري، والدكتور منصور خالد ، والبروفيسور عبد الله الطيب، والدكتور منصور خالد وغيرهم.
* إن الاهتمام بالذاكرة السودانية، والحرص والسعي لحفظ جميع متعلقاتها، والتوثيق لها، من وقائع وأحداث وأماكن وآثار وشخوص وموضوعات ، لهو هم وطني مشروع، بل واجب مقدس، يتعين على الدولة السودانية بمؤسساتها الرسمية ذات الصلة، على مستوى وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والخارجية، والجامعات والمتاحف واللجنة الوطنية لليونسكو ، فضلا عنّ الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون ودار الوثائق القومية وغيرها أن توليها الاهمية القصوى، وذلك رغم التحديات الجسام التي ظل يتعرض لها السودان بسبب الحرب المدمرة التي طالت جميع مؤسساته وبناه التحتية . هذا بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني وسائر الكتاب والمثقفين والمبدعين الذين يجب ان يقوموا بدورهم الأكمل في هذا المجال، وذلك حفظا لتراث السودان المادي وغير المادي، للأجيال القادمة، بل للإنسانية جمعاء.
* وبمناسبة الحديث عن منظمات المجتمع المدني المعنية بتوثيق تراث السودان التاريخي والثقافي ، مما له صلة وثيقة بمفهوم الذاكرة السودانية، فلعل مما يجدر ذكره في هذا المقام، انه قد تأسست في تسعينيات القرن الماضي منظمة تحمل اسم المنظمة السودانية لتوثيق المعرفة، كان يترأسها الوزير الراحل إبراهيم منعم منصور ، ويتولى منصب أمينها العام الدكتور بدر الدين عمر الحاج موسى.
* وأود ان اخلص من ذلك إلى القول بأن الوعي بأهمية المحافظة على الذاكرة السودانية ، وصون تراثها لمصلحة الاجيال القادمة، قد ظل مرعيا لحسن الحظ، بواسطة نفر كريم من ابناء السودان وبناته ، وان ما ظل يفعله صديقنا الاستاذ محمد الشيخ حسين من خلال كتاباته، ممثلةً في موسوعته الباذخة هذه، يصب بكل تاكيد في هذا الاتجاه. ولعلي انتهز هذه السانحة لكي اقترح ضم الاستاذ محمد الشيخ إلى هذه الجمعية الرائدة، تقديراً لعطائه الجم والمتميز كما وكيفا في هذا المضمار، هذا إذا لم يكن يتمتع بعضويتها سلفا، مع تمنياتي له بدوام الصحة والعافية، واطراد التوفيق والسداد، لتحقيق المزيد من العطاء الفكري والمعرفي المتميز والنافع إن شاء الله.
حصاد المنتدى:
اختتم منتدى إسناد الثقافي فعالياته بجملة من التوصيات المهمة، أبرزها ضرورة التعامل مع التوثيق باعتباره مشروعاً وطنياً استراتيجياً، وإنشاء جسم أو مؤسسة متخصصة تعنى بالتوثيق العلمي، والعمل على بناء قاعدة بيانات معرفية تحفظ المعلومات للأجيال القادمة، إضافة إلى تحويل الأرشيف الورقي إلى أرشيف رقمي حديث، بما يفضي إلى إنشاء موسوعة إلكترونية سودانية متاحة للجميع، تسهم في صون الذاكرة الوطنية وإثراء المعرفة الإنسانية.
وأكدت جلسة المنتدى أن الكتابة ليست مجرد تدوين للأحداث، بل فعل مقاومة للنسيان، وأن الوفاء للذاكرة هو وفاء للوطن، وأن ما ينجزه الباحثون والمثقفون من أعمال توثيقية يظل جسراً تعبر عليه الأجيال نحو معرفة ماضيها واستشراف مستقبلها.



