قراءة في موقف الحكومة الماليزية تجاه الحرب ضد إيران (1-2)

د. أحمد عبد الباقي
رغم موقعها الجغرافي بين 11 دولة في جنوب شرق آسيا -غالبيتها غير مسلمة باستثناء إندونيسيا وبروناي دار السلام وأقليات مسلمة في جنوب تايلند وأخرى بجنوب الفلبين وأقلية بسيطة في ماينمار- إلا أن ماليزيا مثلت نموذجا يحتذى للدول المسلمة من حيث التطور الاقتصادي والرفاء الاجتماعي والمواقف المناصرة لقضايا المسلمين في جميع أنحاء العالم، تشكلت ماليزيا من تنوع عرقي وثقافي وديني بلغت نسبة السكان المسلمين فيه 62% والبقية أقليات غير مسلمة، صنعت ماليزيا من هذا التنوع لوحة جمالية مرصعة بالنجاح الاقتصادي والاستقرار السياسي الذي أفضى إلى إنشاء دولة حديثة مستقرة ولها نهج وسهم وافر في دعم قضايا المسلمين بقوة وجسارة.
تأسيساً على ذلك النهج يفد إلى ماليزيا المسلمون الفارون من الحروب في بلدانهم (الروهينغا، السوريون، اليمنيون، السودانيون ومن قبلهم التونسيون) وتقف ماليزيا – خاصة عبر منظمات المجتمع المدني – إلى جانب الأقليات المسلمة في جنوب شرق آسيا مثل مسلمي جنوب الفلبين وجنوب تايلند والروهينغا في ميانمار والأويغور من الصين علاوة على دعم القضية الفلسطينية بشجاعة رغم بعدها الجغرافي عن المشرق العربي.
ومؤخراُ أظهرت الحكومة الماليزية وبعض منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية موقفاً مسؤولاً تجاه الحرب في إيران مستنداً ذلك الموقف على مبادئ الشرعية الدولية محذرة من انتقال التوتر من الشرق الأوسط إلى جنوب شرق آسيا، وداعية إلى تبنّي مقاربة جديدة للأمن القومي والإقليمي في ظل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتتخذ ماليزيا هذا الموقف الأخلاقي، رغم أنها تصنف الشيعة على أنهم جماعة منحرفة حسب فتوى صدرت من علماء ماليزيا في عام 1996م خوفا من انتشار التشيع في ماليزيا في ظل ظهور بعض حالات معزولة للتشيع آنذاك وسط بعض مواطني ماليزيا.
تقع ماليزيا في جنوب شرق آسيا قرب خط الاستواء، وتبلغ مساحتها 330 ألف كيلو متر مربع وهي جزء من أرخبيل الملايو، وتمثل مجموعة من الجزر المتقاربة التي تقع تجاه السواحل الجنوبية الشرقية من آسيا بين المحيطين الهادي والهندي، ويعتبر أرخبيل الملايو أكبر أرخبيل في العالم، ويتألف من آلاف الجزر التي تكون “إندونيسيا” و”الملايو” (ماليزيا) و”الفليبين” و”سنغافورة” و”سلطنة بروناي”. يحد ماليزيا من الشمال تايلاند، ومن الجنوب سنغافورة، ومن الشرق بحر الصين الجنوبي والفلبين، ومن الغرب إندونيسيا.
دخل الإسلام ماليزيا في القرن الرابع عشر الميلادي عن طريق ولاية ملاكا وكون سلاطين الملايو (السكان الأصليين لماليزيا) سلطنات إسلامية ما زالت آثارها باقية في الولايات الماليزية ذات الأغلبية المسلمة، وبمجيء الاحتلال البريطاني في 1867-1957 م، جلب معه بعض العرقيات من الهنود والصينيين لتلبية احتياجات الإمبراطورية البريطانية الاقتصادية ليعمل بعضهم (الصينيون) في مناجم القصدير وبعضهم الآخر (الهنود) في مزارع المطاط، وعند مفاوضات الاستقلال طالب سكان ماليزيا الأصليون بوضوح خروج تلك العرقيات إلى مواطنها في الصين والهند، ولكن بعد مفاوضات شاقة بين زعماء الملايو والإنجليز، نالت ماليزيا استقلالها، وبقيت تلك العرقيات في ماليزيا بموجب عقد اجتماعي منحها الجنسية الماليزية وحقوق المواطنة، واستمر ذلك الوضع حتى تشكلت ماليزيا الدولة القطرية بشكلها الحالي بعد عدة تطورت سياسية أهمها انفصال سنغافورة لتصبح دولة مستقلة في عام 1965م.
منذ استقلالها 1957م نجحت ماليزيا في بناء نموذج للتعايش السلمي حيث بلغ عدد سكانها في عام 2025م –وفقا لإحصائيات البنك الدولي- (35,977,838) نسمة تشكلها ثلاث عرقيات أساسية، وهي: عرقية الملايو يمثلون 69.8% وتليها عرقية الصينيين بنسبة 22.4% ثم عرقية الهنود بنسبة 6.8% و1% عرقيات أخرى. تبع هذا التنوع العرقي تنوع في الديانات والملل والنحل على النحو الآتي: بلغت نسبة المسلمين 61.3% والنصارى 9.2%، البوذيون 19.8% الهندوس 6.3%، ملل أخرى 0.4%، لا دينيين 0.7%، الكنفوشية والطاوية 1.3% وغير معروفي الملل والنحل 1.0% (وفقا لإحصائيات إدارة الإحصاء الماليزية لعام 2021).
جعل التعايش السلمي بين مكونات الشعب الماليزي بتعدده العرقي والديني من ماليزيا نموذجا ناجحا لدولة مسلمة وسط محيط من دول أغلبها غير مسلمة، ورغم ذلك حققت ماليزيا رفاءً اقتصادياً واستقراراً سياسياً واجتماعياً كما تظهره الإحصائيات التي نشرتها الحكومة الماليزية والبنك الدولي لعام 2025م على نحو: بلغت نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي (4.9%)، والفائض التجاري (3) ترليون رنقت ماليزي (الأول في تاريخ البلاد) وأصبحت نسبة البطالة 2,9% (الأقل منذ 11 سنة) في حين وصلت الاستثمارات الأجنبية المصدقة (285,2) مليار رنقت بزيادة (13,2%) مقارنة بسنة 2024م، وبلغ معدل دخل الفرد السنوي (13,901) دولاراً مقارنة بـ (12,619) دولاراً في عام 2024م أي بزيادة بلغت (10.2%) وانخفضت نسبة الفقر إلى (5.1%) في عام 2024م مقارنة بـ(49.7%) في عام 1970م، يعزي كل ذلك الإنجاز إلى الاستقرار السياسي، القيادة الرشيدة والتوزيع العادل للسلطة والثروة والمشاركة فيهما بمقاربة سياسية واجتماعية مستمرة منذ 1957م وحتى تاريخه.
ماليزيا وأمن الطاقة في ظل التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية بسبب الحرب على إيران
الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران أعادت إلى الأذهان أزمة النفط في السبعينيات وعادة هذه المرة بتأثير قوي أصاب ضرره العالم كله بما في ذلك ماليزيا التي تعتمد على مصادر الطاقة الأحفورية مثل النفط والغاز بنسبة أكثر من 91% واستوردت 69% من حاجتها من النفط الخام لعام 2025م من السعودية، الإمارات، سلطنة عمان، السودان وأمريكا، هذا ومع العلم أن ماليزيا تنتج نفطاً خاما من الدرجة الأولى، وتصدره إلى تايلند، أستراليا، اليابان سنغافورة، بروناي وبلغ إجمالي هذا الصادر في عام 2025م (23.8) مليار دولار وبالمقابل، فإن ماليزيا تستورد النفط المكرر الأقل تكلفة من سنغافورة، الصين وكوريا الجنوبية والغاز الطبيعي من أستراليا.
يتواصل….



