واجب حماية من يمدون يد العون للآخرين

د. إيناس محمد أحمد
احتفل العالم أمس (الاربعاء) 19من أغسطس باليوم العالمي للعمل الإنساني وتكريم عمال الإغاثة في العالم أجمع ، وتعود ذكرى الاحتفال بهذا اليوم إلى حادثة التفجير التي تمت في 19 أغسطس 2003م ، حيث نفذ هجوم علي فندق في بغداد أسفر عن مقتل 22 من العاملين في مجال الإغاثة الإنسانية من ضمنهم الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق (سيرجيو فيينا دي ميلو) وإصابة أكثر من 150 شخصاً ، وتم تنفيذ الحادث عبر اصطدام شاحنة محملة بكمية كبيرة من المتفجرات صدمت المبنى ودمرت أجزاء أساسية منه.
كان هؤلاء العاملين يقومون بعمل إنساني في تقديم المساعدات الإنسانية والاغاثة في العراق ، عرف التفجير فيما بعد (بتفحير مبني الأمم المتحدة) لأن الأمم المتحدة كانت تستخدم الفندق كمقر رئيسي لها في بغداد منذ التسعينات، كان لهذه الحادثة ارتدادات عالمية كثيرة ولأمد طويل أثرت على الاحتياطات الأمنية التي أصبحت تنتهجها الأمم المتحدة في كل العالم .
وبعد خمس سنوات اعتمدت الأمم المتحدة قرارا بإعلان يوم 19 أغسطس من كل عام يوماً عالمياً للعمل الإنساني لتكريم العاملين وإحياء ذكرى من فقدوا حياتهم أثناء أداء مهماتهم .
يأتي الاحتفال بصورة تضامن مع العاملين في المجال الإنساني، الذين يتعرضون لخطر الإصابة والاحتجاز والخطف وأحياناً كثيرة للموت أثناء أداء عملهم ، ويأتي هذا اليوم ليكرم عطاءهم ويحيي ذكراهم وارثهم ويجدد الدعوة إلى حماية من يعملون في المجال الانساني في كل أنحاء العالم.
المتابع لأحوال العاملين في المجال الإنساني يجد أن عدد القتلي منهم وصل إلى 326 حتي عام 2025م في 21 دولة ، وتم اختطاف أكثر من 136 شخصاً وإصابة اكثر 240 شخص.
الملاحظ وفق هذه الاحصاءات أن الغالبية العظمى من العاملين في المجال الإنساني هم عاملين وطنيين بمعنى أنهم ليسوا أجانب عن البلاد التي قتلوا فيها بنسبة تصل إلى 96%.
القانون الدولي الإنساني يحظر استهداف العاملين في المجال الإنساني ويفرض احترامهم وحمايتهم ويلزم أطراف النزاع بتسهيل وصول الاغاثة والمساعدات الإنسانية للمدنيين ، لكن هل القانون الدولي الانساني استطاع أن يحمي العاملين في المجال الانساني؟ أم كانت التزامات داخل أوراق الاتفاقيات الدولية فقط ؟ فالقانون وفق القاعدة 31 من القانون الدولي الإنساني العرفي ينص علي وجوب احترام أفراد الإغاثة الإنسانية وحمايتهم ، واللجنة الدولية للصليب الأحمر اعتبرت أن هذه القاعدة يستفاد منها أياً كان نوع النزاع دولي أو غير دولي، وتشمل الحماية كافة أنواع وأشكال الاعتداءات من قتل وخطف وأخذ رهائن واحتجاز تعسفي وضرب وسؤ معاملة وغيرها ، فالعامل في المجال الإنساني يستفيد أيضاً من كونه مدنياً لتطبق عليه أحكام واتفاقيات حماية المدنيين.
إذا كان عامل الإغاثة مدنياً ويقوم بمساعدة المدنيين ولم يشارك في الأعمال العدائية وتم استهدافه عمداً بغرض قتله، فإنه وفق نظام روما الأساسي يعد استهدافه جريمة حرب.. مع ملاحظة أن أي استهداف لأفراد أو منشآت أو مركبات مشاركة في مهام انسانية وفق ميثاق الأمم المتحدة يكون الاعتداء عليها أو استهدافها يشكل أيضا جريمة حرب.
القانون في ذات الوقت لا يقصر حماية العاملين في المجال الإنساني علي منع استهدافهم فقط ، بل يمتد إلى تمكينهم من أداء عملهم في تقديم المساعدات الإنسانية والطبية للمدنيين، لأن هذا هو جوهر عملهم .
علي ذات النسق وفي مايو 2024م اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2730 بشأن حماية موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني وشدد على التحقيق في الانتهاكات التي ترتكب في حقهم ومحاسبة المتورطين فيها.
وفي أبريل 2026م حذر وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية (توم فليتشر) من زيادة خطر الاستهداف حيث قتل قرابة الألف من العاملين في مجال الإغاثة الإنسانية خلال آخر ثلاث سنوات وأوضح أن هناك مسافة زمنية بين إدانة الهجوم والتحقيق فيه ومسافة أخرى بين التحقيق وملاحقة المسؤولين عنه، وبين هذه وتلك مسافة إنسانية و قانونية وسياسية شاسعة.
القانون موجود لكن الحماية تحتاح إلى نتيجة ملموسة على أرض الواقع ، بالتالي ليس من المنطقي أن تبدأ الادانة بعد موت العامل في مجال الإغاثة، بل تبدأ بمنع استهدافه أثناء عمله وتمكينه من أداء وظيفته ، فالحماية تقاس بما يحدث لحظة انتهاك الحق، وليس ما يترتب عليه بعد انتهاكه.
علي الصعيد الوطني يأتي السودان في المرتبة الثانية عالمياً بعد غزة (وفق تقارير الأمم المتحدة) ، كأكثر المناطق في العالم خطرا علي العاملين في المجال الانساني، حيث قتل اكثر من 165من عمال الاغاثة الوطنيين (معظمهم سودانيين) منذ اندلاع الحرب منتصف أبريل 2023م .
كما عاني السودانيون من اعتداءات المليشيا الإرهابية علي قوافل ومقار المساعدات الإنسانية والطبية للمدنيين، بالإضافة إلى تعرض عمال الإغاثة للقتل والضرب والخطف والاعتقال والحجز التعسفي والتعرض للاصابات جراء الأعمال العدائية .
عالميا وحسب احصاءات منصة أمن عمال الإغاثة وهي منصة تمولها كندا وأستراليا وتتجمع فيها احصاءات الحوادث التي يتعرض لها عمال الإغاثة والتي وصلت إلى 907 من العاملين في مجال الاغاثة الإنسانية قتلوا وأصيبوا واختطفوا خلال عام 2025م مقارنة ب 833 في العام 2024م ، مما لفت نظر العالم إلى خطر المسيرات التي تستهدف قوافل الاغاثة في العالم ، ومنها بطبيعة الحال مسيرات المليشيا الإرهابية لاماكن تواجد المدنيين .
المراقب للحرب في السودان يجدها مجموعة اعتداءات شاملة على حقوق الإنسان، في ظل عدم مبالاة وردود فعل باردة وتقاعس عن اتخاذ تدابير دولية تجاة ما يعاني منه المدنيون وعمال الاغاثة ودون عقوبات رادعة للمليشيا المتمردة عما تقوم به من جرائم ، فضلا عن أزمة النزوح الطارئة التي تعد الأسوأ والأشد على مستوى العالم في ظل ضعف تمويل المساعدات الإنسانية.
لذلك نتوجة بالتحية والتقدير لكل من قدم وشارك في تقديم المساعدات الإنسانية لبلادنا وتحية إجلال وتقدير لشباب وشابات السودان الذين انخرطوا في غرف الطواريء والتكايا ولعبوا دورا بطوليا في تقديم العون والاغاثة والمساعدات الإنسانية لأهلنا منذ اندلاع الحرب وقدموا شهداء فداء للوطن يحق لنا أن نخلد ذكراهم وعطاءهم الوطني في مثل هذا اليوم .



