تقارير

كهرباء الولاية الشمالية.. أزمة مستمرة تهدد بفشل الموسم الزراعي

 

المحقق – نازك شمام

يعيش مواطنو الولاية الشمالية، منذ أكثر من خمسة عشر يوماً، معاناة مستمرة جراء الانقطاع الكامل للتيار الكهربائي؛ الأمر الذي أدى إلى سيادة حالة من الاستياء العام بسبب تردي الأوضاع المعيشية، وتمدد العطش في المشاريع الزراعية التي يعتمد عليها سكان المنطقة كحرفة أساسية لإدارة اقتصادهم المنهك.

وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، ظلت المشاريع الزراعية بالولاية تتعرض لحالات مستمرة من الجفاف ، على خلفية انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة؛ ويعود السبب في ذلك إلى الدمار الهائل الذي أحدثته ميليشيا الدعم السريع في “سد مروي”، المغذي الرئيسي لكهرباء الولاية.

وفي الخامس من مايو الجاري، كشفت شركة كهرباء السودان القابضة عن تجدد العطل الفني في المحول الرئيسي المغذي لأجزاء من الولاية الشمالية، مما أدى إلى عودة انقطاع التيار مجدداً.

وأكدت الشركة آنذاك أن عمليات الصيانة الطارئة جارية لمعالجة الخلل وضمان عودة الخدمة في أقرب وقت ممكن، معربة عن اعتذارها للمواطنين عن هذا الظرف الخارج عن الإرادة، ومؤكدة التزامها باستقرار الإمداد وتجاوز العقبات الفنية الراهنة.

ويعاني قطاع الكهرباء في السودان من تدمير واسع النطاق للبنية التحتية وخسائر تُقدر بمليارات الدولارات إثر تداعيات الحرب، حيث فقدت البلاد نحو 70% من القدرة الإنتاجية للشبكة القومية، والتي تُقدر حاجتها الفعلية بأكثر من 3.5 جيجاوات.

مخاوف ومهددات

وعلى الرغم من وضوح الأسباب الكامنة وراء مشكلة الكهرباء، فإن شكاوى المزارعين بالولاية تتصاعد وسط تخوفات وتحذيرات من ضياع الموسم الصيفي الحالي، أسوة بالموسم الشتوي السابق الذي واجه المشكلة ذاتها.

وفي هذا السياق، حذر مفيد حسين، وهو مزارع بمشروع الحامداب الزراعي، من ضياع الموسم الزراعي الحالي بسبب العطش، وعدم قدرة المزارعين على ري أراضيهم نتيجة لانقطاع الكهرباء.

وأوضح مفيد لـ (المحقق) أن العطش قد ضرب محاصيل البصل، وأثر بشكل كبير في حصاد القمح، مبيناً أن عدم ري القمح في مرحلته الأخيرة أصاب المحصول بضمور في الحبوب، مما جعلها غير قابلة للاستخدام.

وأشار إلى التكلفة العالية لبدائل الكهرباء، لا سيما بعد ارتفاع أسعار الجازولين ووصول سعر البرميل إلى أكثر من 2 مليون جنيه، فضلاً عن عدم قدرة الكثير من المزارعين على إنشاء وحدات الطاقة الشمسية نظراً لارتفاع تكلفتها التأسيسية.

مطالبات بالتدخل الرئاسي

من جانبه، وصف طارق علي نقد، عضو لجنة تجمع المزارعين بالولاية، مشكلة الكهرباء بالصعبة والمعقدة، مبيناً أن السلطات بالولاية لا تتجاوب مع الكيانات الأهلية في مساعيها الرامية لحل هذه الإشكالية.

وأوضح نقد لـ (المحقق) أن تأثير انقطاع الكهرباء على الزراعة بات كبيراً وواسع النطاق، لا سيما في ظل الارتفاع الكهير في تكاليف البدائل الأخرى كالمولدات أو الطاقة الشمسية.

وأكد أن أغلب المزارعين غير قادرين على استخدام هذه البدائل، مما يساهم بشكل كبير في تدمير القطاع الزراعي، مطالباً مجلس السيادة -في أعلى مستوياته- بالتدخل السريع لحل مشكلة كهرباء الولاية، ومؤكداً انعدام الحلول الجذرية في الوقت الراهن.

 

تعسر المزارعين

وفي المقابل، يرى منتصر فيصل، المدير العام لشركة “حنين” الزراعية (وهي شركة مختصة بتوفير المدخلات الزراعية بالولاية)، أن انقطاع التيار الكهربائي أضحى مشكلة مزمنة تهدد استمرار المشاريع الزراعية بالولاية.

وأكد فيصل لـ (المحقق) تعرض الموسم الزراعي الماضي لخسائر كبيرة، انعكست على شكل عجز في سداد المستحقات للجهات التمويلية، وفي مقدمتها البنك الزراعي.

وكشف فيصل عن تقلص المساحات المزروعة بالقمح بنسبة تتجاوز 50% من إجمالي المساحات التي زُرعت في الموسم الماضي، مشيراً إلى التأثر الكبير لإنتاجية الفدان من القمح والبصل والبساتين بسبب شح الإمداد المائي.

ونوه إلى أن البنك الدولي قد طرح تمويلاً للمشاريع الزراعية لتوفير الطاقة الشمسية، إلا أن هذا التمويل اصطدم ببعض العقبات، وفي مقدمتها ارتفاع التكلفة في المشاريع الكبيرة. وأكد أن حل مشكلة الكهرباء يتمثل في توفير المحولات البديلة لضمان استقرار التيار، وتوجيه البنوك بتسهيل إجراءات تمويل الطاقة الشمسية.

الزراعة مهددة بالموت

من جهته، يرى رئيس لجنة التسيير والخدمات بمنطقة قشابي، حبيب حسين، أن الزراعة بالولاية بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة جراء الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي.

وقال حبيب لـ (المحقق) إن “المشاريع الزراعية مهددة بالموت، الأمر الذي يجعل اقتصاد الولاية -التي تعتمد على الزراعة بشكل كامل- في خطر محدق”.

وأضاف: “لقد خسر مزارعو الولاية موسمهم السابق، مما أدخل المواطنين في معاناة مستمرة حتى الآن”، مشدداً على أهمية الإسراع في إيجاد حلول ناجعة لهذه المشكلة المستمرة التي أوقعت إنسان الولاية في معاناة ممتدة على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.

تحركات رسمية

والخميس الماضي، التقى وزير الطاقة المعتصم إبراهيم أحمد بوفد المجلس الأعلى لأهالي مروي برئاسة عثمان سيد أحمد إنجليز، وبحضور المدير العام لشركة كهرباء السودان القابضة المهندس عبد الله أحمد.

واستعرض اللقاء موقف كهرباء مروي ومعاناة المواطنين جراء عدم استقرار التيار الكهربائي بالمنطقة، كما بحث الحلول الطارئة لمعالجة كهرباء القطاع السكني والمشاريع الزراعية ورفع المعاناة عن المواطنين.

وأكد وزير الطاقة خلال اللقاء اهتمام الوزارة وسعيها الحثيث لإيجاد حلول عاجلة لمشاكل الكهرباء، إلى جانب إعادة تأهيل الشبكة بعد الدمار الكبير الذي تعرضت له من قبل الميليشيا.

وأوضح دعم الدولة للتوجه الرامي إلى توسيع مشاريع الطاقة الشمسية من خلال إجازة قانونها الخاص، وإعفاء مدخلاتها من الجمارك، وتوفير التمويل المصرفي لها، تشجيعاً للمشاريع الزراعية وجمعيات الإنتاج الزراعي.

وفي لقاء آخر جمع وزير الطاقة بوزيري البنى التحتية والمالية بالولاية الشمالية، أكد الوزير أن هنالك معالجات طارئة جارية لمواجهة مشاكل الكهرباء القومية والعمل على استقرارها، لا سيما كهرباء الولاية الشمالية.

وقطع بأهمية الكهرباء الكبيرة في الحياة العامة ولدعم الاقتصاد الوطني والإنتاج؛ وبحث اللقاء الحلول الطارئة، وموقف اكتمال تنفيذ محطة الطاقة الشمسية بالولاية التي تنتج (10) ميجاواط، بجانب توفير محول الولاية الشمالية، وموقف محطة التوليد الحراري، ومشاريع الربط الكهربائي المصري.

وأوضح وزير الطاقة دعم الدولة للتوجه نحو توسيع مشاريع الطاقة الشمسية بإجازة قانونها، وإعفاء مدخلاتها من الجمارك، وتوفير التمويل البنكي تشجيعاً للتوسع فيها من قبل القطاع الخاص وأصحاب المشاريع، لتغطية القطاعين الزراعي والسكني كمرحلة أولية.

من جانبه، كشف وزير المالية بالولاية الشمالية عن الأهمية البالغة لاستقرار التيار الكهربائي، ودوره المحوري في زيادة الإنتاج بالمشاريع الزراعية وتأمين الغذاء، فضلاً عن معالجة التحديات الحرجة التي تواجه القطاع الصحي والمستشفيات في ظل عدم استقرار الإمداد الكهربائي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى