تقارير

من الخرطوم سلام (1).. سلسلة مشاهدات يسردها رئيس التحرير

عصر الأربعاء، التاسع والعشرون من أبريل 2026 هبطت بنا طائرة تاركو في “مطار الخرطوم الدولي”، ومع تدلي إطارات الطائرة وهي تدنو من المدرج، التفت إلى جاري في المقعد، فإذا بالدموع تنهمر من عينيه، وهو يبتهل حمداً وشكراً لله الذي أحياه حتى يعيش هذه اللحظة من عمره.. لحظات من المشاعر المختلطة سادت بين الجميع، شعور بالفرح وشعور بالدهشة والحزن، فاللذين كانوا على متن رحلة تاركو رقم 201 أتوا من وجهات مختلفة وجمع بينهم مطار بورتسودان، نحو وجهتهم النهائية، وجمعت بين بعضهم صالة شركة ساس.

“ساس” والخدمة الممتازة
في صالة شركة “ساس لتشغيل المطارات”، في مطار بورتسودان، لا تكاد حركة العابرين تتوقف، من القاهرة ومن جدة ومن الرياض ومن مسقط ومن اسطنبول، يصل المسافرون في طريقهم إلى الخرطوم، وعلى كثرة الوفود فإن شباب الصالة يعطونك الانطباع أنك ضيفها الوحيد؛ تراهم يقفون أمام كل قادم ليسألونه ما إذا كان يحتاج خدمة بعينها بخلاف الخدمة الراقية التي تقدم للجميع، وهناك تلتقي قطاعات من السودانيين لطالما فرقتهم ظروف الحرب، فتسمع منهم قصصاً متنوعة عن الذين ضربوا في أرض الله الواسعة، بعد الحرب، فشكلوا “شتاتاً” في مختلف القارات يجمع بينه صفات النخوة والنجدة والحنين الوطني، وكذلك بعض أشكال السلوك الفوضوي، وكأن البعض يفهم مقولة “بلداً ما بلدك أمشي فيها بالعراقي والسفنجة”!!

مطار الخرطوم عن قرب
المسلك الجوي الذي اتخذته الرحلة، أتى فوق منطقة جنوب الخرطوم، والشمس قد مالت باتجاه المغيب، وربما كان من حسن الطالع أن جاء مقعدي ضمن الصف الأقرب إلى يسار الطائرة، حيث أمكننا أن نرى النيل الأبيض منساباً نحو المقرن، وأمكننا أيضاً أن نشاهد من على البعد “كبري الدباسين” الذي بقي شاهداً على عجز أنظمة الحكم في بلادنا عن ترتيب أولوياتها والوفاء بالتزاماتها المحلية والخارجية.. وهذا حديث يطول.
اختارت لجنة الفريق إبراهيم جابر، صالة الحج والعمرة، أقصى جنوب مباني مطار الخرطوم، مكاناً مؤقتاً لإجراءات السفر من المطار والقدوم عبره، وقد أحسنت فعلاً بذلك، فالهيئة التي بدا عليها المطار، وشاهدها الركاب “بالعرض البطيء” قبل أن تستقر الطائرة في مكانها النهائي، تكشف أن دماراً واسعاً لحق بالمبنى الرئيسي لمطار الخرطوم، مما يجعل إعادة تأهيله مكلفاً ويستغرق وقتاً أطول.. وقد أتاح لنا هذا الاختيار أن نشاهد من المهبط حجم الدمار الذي لحق بواجهة المطار وبمرابض الطائرات والمباني الملحقة الخاصة بالشحن الجوي، إلى أن وصلت الطائرة نقطة التوقف تماماً قرب صالة الحج والعمرة، وسمح للركاب بفك أحزمة الأمان.

قبل أن تتوقف الطائرة تماماً رأينا طائرة الخطوط الجوية السودانية على وشك الهبوط، وكانت آتية هي الأخرى من القاهرة فأنزلت ركابها في بورتسودان ثم حملت آخرين إلى الرياض وعادت بركاب من هناك لينضموا إلى مـَن تركتهم في الانتظار، وقبل أن نغادر مقاعدنا، أتانا صوت مضيفة شركة تاركو: “على الركاب القادمين من بورتسودان النزول أولاً”، ففهمتُ أننا في هذه الرحلة ثلاث مجموعات، واحدة جاءت من القاهرة إلى بورتسودان قبل ست ساعات وأكملت إجراءات الدخول إلى البلاد في بورتسودان وكنت انا منها، ومجموعة ثانية وصلت من جدة ولم تغادر الطائرة أصلاً، وهؤلاء عليهم أن يستكملوا إجراءات الدخول في جوازات مطار الخرطوم، فيما الثالثة كانت رحلتها داخلية، من بورتسودان إلى الخرطوم ولا يحتاجون إلى ختم دخول.
ركاب رحلتين متزامنين اصطفوا حول “سير أمتعة” قصير، وهو الوحيد في منطقة القدوم، فلا تكاد تجد بينهم موطئاً تسحب من خلاله حقيبتك، وهناك يختلط القادمون من السفر والذين يستقبلونهم وعمال المطار وموظفيه، لكنك لا تكاد تلمح في وجوه المنتظرين والمتعاملين ضيقاً أو تبرماً، فالبعض هنا غاب لنحو ثلاث سنوات، ولم يعد انتظار استلام أمتعته لساعة أو يزيد قليلاً أمراً مزعجاً، والناس لا يكادون يفرغون من استقبال بعضهم بالأحضان والدموع.

إلى الجريف غرب:
وأنت خارج من مبنى المطار يستقبلك مناديب إحدى شركات الليموزين ويأخذونك – إن شئت – إلى مكتبهم في ساحة انتظار السيارات، فاخترت ان أذهب، وبعد أن استفسرتني موظفة الشركة عن وجهتي وقلت لها إلى الجريف غرب – الحارة الرابعة، فتحت جهاز الـ”تاب” الذي على طاولتها، لتقدر سعر الرحلة، ثم قالت لي “ثمانين ألف”!!
انتابني شك في أنها سمعت وصفي بشكل صحيح، وقلت لها الجريف غرب النيل وليس شرقه، فأكدت لي أنها سمعت مقالتي جيداً، وهذا هو السعر المناسب، وحينها لم أجد بداً من الدخول في مفاوضات شاقة، هي تحتج بغلاء البنزين وبما يطلبه أصحاب الليموزين، وأنا أتمسك بحالتي النفسية كـمهاجر غادر الخرطوم مجبراً قبل ثلاث سنوات وتمسك بنياط قلبه الأشواق ليرى بيته بعد هذه السنوات بأسرع ما يمكن، ولا يرغب في إضاعة وقت للبحث عن بدائل، فاستشارت من معها، ويبدو أنهم رقوا لحالي وقاموا بتخفيض المبلغ، فودعتهم وانطلقت إلى وجهتي، ولساني يلهح بالشكر، وأنا أقول في نفسي: هذا لا يحدث إلا في السودان.

في بيتنا:
تبدو منطقة شرق الخرطوم (الرياض والطائف) التي مررت بها في طريقي إلى بيتنا في الجريف غرب، كمريض في حالة نقاهة، تبدو على ملامحه الإعياء ويتعافى ببطء، حركة السيارات قليلة، وكذلك حركة الراجلين من الناس، وبين فينة وأخرى تجد (مغلقاً) لمواد البناء فتح أبوابه، وتجد كذلك محلاً للخضروات، وثالث لتصليح إطارات السيارات (بنشر) وتجد مخبزاً، لكنك لا تكاد تجد زبائن، غير أنك بمجرد أن تعبر شارع الستين شرقاً، ستجد وضعاً مختلفاً، ففي الجريف تضج الشوارع بالحياة، والناس هناك لم يغادر منهم إلا القليل، ولجنة الفريق إبراهيم جابر أوفت بما وعدت، وقامت باستبدال المحولات الكهربائية التي تم تخريبها بأخرى جديدة، في إطار منح الاولوية للمناطق المأهولة بالسكان..

أواخر أبريل 2023 غادرت بيتي، في معية الأسرة، إلى شمال أم درمان، وتحديداً للجزيرة إسلانج، بأمل العودة في أيام معدودات، كالكثيرين من سكان الخرطوم، لكن تلك الرحلة امتدت لثلاث سنوات، وها أنذا أعود اليوم، بعد أن أصبحت العودة ممكنة بفضل التضحيات الجسيمة التي قدمتها القوات المسلحة السودانية والمجاهدون والقوات المساندة من مختلف التشكيلات، حتى تحقق على أيديهم النصر وطردوا المليشيا من ولاية الخرطوم قبل عام، فلولا تلك التضحيات، لما أمكن لمثلي أن يروي قصته من منزله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى