رأي

السودان بين سدين: كيف تُدار منظومة السدود السودانية في ظل التغيرات المناخية والتحديات الإقليمية؟ (2-3)

 

د. عمار أبكر عبد الله **

في خضم النقاش الذي أعقب بيان وزارة الزراعة والري الاتحادية في السودان ومقال الدكتور أحمد المفتي … برزت إلى الواجهة مرة أخرى وثيقة فنية ربما لا يعرفها كثير من المهتمين بالشأن المائي … رغم أهميتها الكبيرة.
ففي السادس من سبتمبر 2025 نُشر مقال بعنوان “ما هي حقيقة توقيع السودان اتفاقية ثنائية مع إثيوبيا حول سد النهضة؟” … تناول وثيقة Technical Rules and Guidelines for First Filling and Annual Operation of the Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD)،
وهي الوثيقة الفنية التي وقعها السودان وإثيوبيا في الخرطوم بتاريخ 26 أكتوبر 2022. وقد وُقعت الوثيقة عن الجانب السوداني بواسطة البروفيسور سيف الدين حمد عبد الله رئيس الوفد السوداني، وعن الجانب الإثيوبي بواسطة السفير الدكتور المهندس سيليشي بيكيلي رئيس الوفد الإثيوبي، كما اعتمدها وزيرا المياه في البلدين، حيث وقع عنها من السودان المهندس ضو البيت عبد الرحمن منصور وزير الري والموارد المائية المكلف، ومن إثيوبيا الدكتور المهندس هبتامو إيتيفا وزير المياه والطاقة. وقد أوضح المقال أن هذه الوثيقة ليست اتفاقاً سياسياً بالمعنى التقليدي، وإنما إطار فني وتشغيلي ينظم التعاون بين البلدين فيما يتعلق بالملء الأول والتشغيل السنوي لسد النهضة، وتبادل المعلومات والبيانات، والتنسيق بين سد النهضة وخزان الروصيرص، والتعامل مع حالات الطوارئ والجفاف، وإنشاء لجنة فنية وآلية وزارية مشتركة لمتابعة التنفيذ.

ومن يقرأ نص الوثيقة يلاحظ أنها ركزت بصورة كبيرة على بناء الثقة الفنية بين المؤسستين المسؤولتين عن إدارة المياه في البلدين … انطلاقاً من حقيقة أن سلامة تشغيل سد النهضة وخزان الروصيرص أصبحت مترابطة بصورة مباشرة. وتنص الوثيقة على تبادل يومي للمعلومات المتعلقة بالمناسيب والتصرفات، وتبادل شهري للبيانات الهيدرولوجية والأرصاد الجوية، وإخطار السودان بخطط التشغيل السنوية لسد النهضة، إضافة إلى التعاون في حالات الطوارئ والتغيرات التشغيلية غير الاعتيادية. وتكتسب هذه البنود أهمية استثنائية في ظل الظروف الحالية، لأنها صيغت أصلاً للتعامل مع مثل هذه المواقف التي تتطلب سرعة تبادل المعلومات واتخاذ القرار.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن هذه الوثيقة، على الرغم من أهميتها الفنية، لم تحظَ بالانتشار الكافي داخل الأوساط المهنية. وقد أثار ذلك تساؤلات مشروعة حول مدى تداول الوثائق الفنية الاستراتيجية داخل المؤسسات المختصة … خاصة بعد مرور نحو ثلاثة أعوام على توقيعها. وإذا كان عدد من المختصين قد اطّلعوا عليها للمرة الأولى بعد نشرها للرأي العام، فإن ذلك يفتح باباً مهماً للنقاش حول أهمية إتاحة الوثائق الفنية وتعزيز المعرفة المؤسسية … بما يدعم اتخاذ القرار المبني على العلم والبيانات.

السودان بين سدين:

ومن المهم الإشارة إلى أن السودان لا يدير منظومة سدوده بمعزل عن محيطه الإقليمي، فهو يقع عملياً بين سدين؛ سد النهضة الإثيوبي عند حدوده الجنوبية الشرقية، والسد العالي المصري شمالاً. وهذه الحقيقة الجغرافية والهيدرولوجية تجعل إدارة السدود السودانية أكثر تعقيداً، إذ تتطلب تحقيق التوازن بين تشغيل السدود الوطنية، والمتغيرات المناخية، والاعتبارات التشغيلية الإقليمية، بما يضمن سلامة المنشآت المائية واستدامة إدارة الموارد المائية. إن هذا الواقع يفرض على الجهات الفنية السودانية تطوير أدوات التخطيط والتشغيل بصورة مستمرة، لأن أي تغير في تشغيل إحدى المنظومتين أو في الظروف الهيدرولوجية لحوض النيل الشرقي ينعكس بصورة مباشرة على إدارة سدود السودان.

سؤال لا بد من طرحه:

وهنا يبرز سؤال مهني أعتقد أنه يستحق النقاش … فعلى الرغم من أن بيان وزارة الزراعة والري الصادر في 16 يوليو 2026 كان بياناً فنياً متوازناً ومهماً، فإنه لم يشر، من قريب أو بعيد، إلى وجود هذه الآلية الفنية الثنائية أو إلى اتفاق التعاون الموقع عام 2022. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الاتفاق لم يعد معمولاً به، كما لا يعني أنه ما زال يُنفذ بكامل تفاصيله … لأن ذلك يحتاج إلى معلومات رسمية لا تتوافر للرأي العام.
ومن زاوية فنية أخرى … لا يمكن استبعاد وجود اعتبارات تشغيلية أو إنشائية تتعلق بسلامة السدود أو بأعمال الصيانة قد أثرت في قرارات التخزين خلال تلك الفترة. وهي أمور لا يمكن تقييمها أو ترجيحها إلا بالاستناد إلى بيانات التشغيل الرسمية والوثائق الفنية المعتمدة، الأمر الذي يؤكد أهمية الشفافية الفنية وإتاحة المعلومات أمام المختصين … خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

لكن السؤال يظل قائماً: إلى أي مدى ما تزال الآليات الفنية التي أنشأها اتفاق عام 2022 تعمل على أرض الواقع؟ وهل ما تزال اجتماعات اللجنة الفنية المشتركة تُعقد بصورة منتظمة؟ وهل يستمر تبادل البيانات اليومية كما نصت الوثيقة؟ وهل أثرت الحرب في السودان، والتوترات الإقليمية، والظروف السياسية التي مرت بها المنطقة خلال الأعوام الثلاثة الماضية على مستوى التعاون الفني بين البلدين ، ويبرز إلى جانب ذلك تساؤل مهني آخر … وهو ما إذا كانت منظومة تشغيل السدود والخزانات السودانية قد استوعبت بالكامل المتغيرات التي فرضها تشغيل سد النهضة، أم أن أنماط التشغيل التقليدية تحتاج إلى مزيد من التطوير بما يتوافق مع الواقع الهيدرولوجي الجديد. وهو سؤال فني مشروع يستحق الدراسة والنقاش، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية، لأن الهدف النهائي يظل تعزيز كفاءة إدارة المياه وتقليل المخاطر على المنشآت والمجتمعات.

أكرر … هذه ليست أسئلة سياسية، وإنما أسئلة مهنية طبيعية، لأن نجاح أي منظومة لإدارة الأنهار المشتركة يعتمد في المقام الأول على انتظام تبادل البيانات واستمرار قنوات الاتصال بين المؤسسات الفنية … حتى عندما تمر العلاقات السياسية بظروف معقدة. ولعل هذا ما يجعل إعادة قراءة وثيقة عام 2022 اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى.

هل أصبح المناخ شريكاً في إدارة السدود؟

إذا كانت وثيقة عام 2022 تمثل البعد التشغيلي … فإن تقرير المنتدى الثالث والسبعين لتوقعات المناخ في القرن الإفريقي (GHACOF 73) يمثل البعد المناخي. وقد عقد المنتدى في أديس أبابا يومي 18 و19 مايو 2026، بتنظيم الهيئة الحكومية للتنمية (IGAD) عبر مركز التنبؤات المناخية وتطبيقاتها (ICPAC) وبالتعاون مع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) والهيئات الوطنية للأرصاد في دول الإقليم. وقد تناولت شخصياً مخرجات هذا المنتدى في مقال بعنوان: “موسم أكثر جفافاً وحرارة في القرن الإفريقي: هل يستعد السودان مبكراً لمخاطر 2026؟… من الإنذار المبكر إلى التحرك المبكر”. وخلص المقال إلى احتمال موسم أكثر جفافاً وحرارة من المعتاد في أجزاء واسعة من القرن الإفريقي، بما في ذلك مناطق من الهضبة الإثيوبية التي تمد النيل الأزرق بمعظم إيراداته. كما أشار إلى احتمالات مرتفعة لتطور ظاهرة النينيو خلال النصف الثاني من عام 2026، مع ما يصاحبها من تغيرات في توزيع الأمطار ودرجات الحرارة.

وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً … هل يمكن تفسير الانخفاض المؤقت الذي شهدته مناسيب النيل خلال الأسبوع الثاني من يوليو بأنه نتيجة لطريقة تشغيل سد النهضة وحدها؟ … أم أن الظروف المناخية التي حذر منها تقرير الإيغاد كانت أحد العوامل المؤثرة أيضاً؟ … الإجابة العلمية تميل إلى أن النظام الهيدرولوجي أصبح أكثر تعقيداً من أن يُفسر بعامل واحد. كما لا يمكن استبعاد أن تكون هناك عوامل تشغيلية داخلية تتعلق بإدارة الخزانات وسلامة المنشآت وأعمال الصيانة قد أسهمت، إلى جانب العوامل المناخية والتشغيلية، في تشكيل هذا الواقع. غير أن الفصل بين هذه العوامل يتطلب بيانات تشغيلية موثقة ومعلومات فنية رسمية.
فكمية المياه التي تصل إلى السودان أصبحت نتاج تفاعل بين الأمطار الساقطة على الهضبة الإثيوبية، وقرارات تشغيل سد النهضة، وطريقة إدارة السدود السودانية، والظروف المناخية السائدة. وهو ما يجعل الحاجة إلى البيانات الدقيقة، والتنبؤات المناخية، والتنسيق التشغيلي المستمر أكثر أهمية من أي وقت مضى. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على توقع كمية الأمطار أو متابعة التصريفات، وإنما أصبح يتمثل في القدرة على دمج المعلومات المناخية والهيدرولوجية والتشغيلية في منظومة واحدة تساعد متخذ القرار على إدارة المخاطر قبل وقوعها … وليس بعد حدوثها.

يتبع في الجزء الثالث والأخير …
حيث سأناقش كيف تُدار منظومة السدود السودانية في ظل الحرب والتحديات الإقليمية، وما الذي يمكن أن نتعلمه من هذه التجربة … مع خاتمة تتضمن مقترح لرؤية مستقبلية.

** مختص في شؤون الموارد المائية والإدارة المتكاملة للموارد المائية والتعاون العابر للحدود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى