رأي

أحزابنـا إنقلابيـة

راشد عبد الرحيم

و نحن نودع شهر يوليو لا بد من الوقوف عند واحدة من محطاته المشهورة لنتعرف علي تأريخ مشهود للحراك الحزبي السوداني .

بعض الأحزاب السودانية تحاول أن تضفي هاله على نفسها و هي تدعي أنها ديمقراطية و ضد حكم العسكر و ضد الحكم الشمولي و لكن نظرة لشهر يوليو تؤكد أن هذه الأحزاب شمولية و ديكتاتورية و عسكرية و هي ضالعة بوجه ما في إنقلاب أو تغيير بالقوة .

شهر يوليو و من أوله شهد محاولتين إنقلابيتين فاشلتين هما محاولة اليسار و الحزب الشيوعي التي تحدثنا عنها سلفاً و كانت في نهار التاسع عشر من يوليو 1971م، والمحاولة الثانية كانت في يوم الجمعة الثاني من يوليو 1976م .

إستيقظت الخرطوم ذلك اليوم علي أصوات الطلقات النارية من مختلف الأسلحة و على جنود و قادة بالزي المدني و هم ينتشرون .

سيطرت الحركة في الساعات الأولي على مطار الخرطوم بواسطة مسلحين بعضهم يتحدث اللغة الإنجليزية، كما سيطرت على دار الهاتف التي تتحكم في التواصل عبر الهاتف حينها مع الداخل و الخارج و بذا عزلت الخرطوم .

القوات المهاجمة  سيطرت على السلاح الطبي و أغلقت الجسور الثلاثة في العاصمة الخرطوم و بذا تحكمت في الحركة داخل المدينة و منها و إليها .

في منتصف النهار بدت العاصمة و كأنها في يد هذه القوات التي لم يعرف عنها سكان العاصمة شيئاً غير أنها تحكمت على الحركة في المدينة .

حكومة مايو لجأت لخدعة ذكية قلبت موازين القوة حيث قالت و بثت في الناس أن مرتزقة هاجموا العاصمة السودانية، و بذا كسبت كل وحدات القوات المسلحة و التعاطف الشعبي .

هذه الحيلة حركت الجيش ضد القوات المهاجمة و هي قوات الجبهة الوطنية التي اتضح مع المساء أنها دربت عناصرها في ليبيا و أرسلتهم للخرطوم و نظمت و أدارات الهجوم  على العاصمة.

سريعاً ما أعاد الجيش سيطرته و تحكمه في كل المواقع السيادية و العسكرية و الخدمية من القيادة العامة للقوات المسلحة و المطار و الإذاعة و دار الهاتف .

بعد الظهر تكشفت المعلومات بأن المحاولة قامت بها الجبهة الوطنية المعارضة لنظام مايو و التي يقودها السيد الصادق المهدي عن حزب الامة و الشريف حسين الهندي عن الإتحادي الديمقراطي و عثمان خالد مضوي عن الإخوان المسلمين .

و كما يحدث عند كل محاولة إنقلابية  يكون الحي الذي نسكنه(البراري) مسرحاً للأحداث التي تلازم التحركات العسكرية..

في محاولة الشيوعيين السابقة  هرب العساكر من القيادة العامة إلي بري المحس أما في هذه المحاولة فقد هرب بعض أفرادها من  مطار الخرطوم بإتجاه الرياض و إمتداد ناصر .

مع اقتراب الهاربين  من الجمهور صاح أحدهم أن هؤلاء من المرتزقة كانوا في المطار، لتحيط بهم الجموع حتي أتت قوات عسكرية و استلمتهم .

من تعرف عليهم و صاح في الجمهور هو طيار في سودانير و كان يسكن حي إمتداد ناصر ..

بعض الشباب الذين كانوا يلعبون  كرة القدم في الميادين تعرفوا على أحد الذين كانوا يسكنون بيوت (العزابة) من خريجي جامعة الخرطوم.

هرب أيضا بمحاذاة النيل عدد من المشاركين في دار الهاتف و شاهدهم السكان و هم يعبرون النيل .

قاد محاولة الجبهة الوطنية العميد محمد نور سعد و هو ضابط إستخبارات تلقى تدريباً في ألمانيا و عمل ملحقاً عسكرياً بها و بعد المعاش استقر بها و كان متزوجاً من ألمانية  و استدعاه حزب الأمة لقيادة المحاولة و كان رجلاً شجاعاً مقداماً و حكم عليه نظام مايو بالإعدام بعد فشل المحاولة.

كان من أسباب فشل حركة الثاني من يوليو أن جنودها لم يكونوا على علم بالمواقع التي أتوا لاحتلاها فكانوا يسألون عن مكان القيادة العامة و بقية الأسلحة و عن الإذاعة .

من أسباب الفشل أيضا تأخر وصول القوات التي كان مخططاً أن تصل باكراً و تتعرف على المواقع و تدرس خططها على الأرض .

و يتردد أن التأخير كان سببه عملية فساد في شراء سيارات قديمة بدلاً عن  الجديدة تأخرت في صحراء ممتدة .

إنتهت يوليو الثانية و تأكد أن أحزاب الأمة و الإتحادي و الإخوان المسلمين  كانت هي المخطط و المنفذ للحركة.

حزبا الأمة و الإتحادي الديمقراطي كانا في طليعة التجارب الديمقراطية البرلمانية الحزبية و لكنهما لم يستطيعا مقاومة الرغبة في تولي الحكم عبر الانقلابات و أصبحا في جبهة واحدة مع كل الأحزاب التي حاولت النفاذ للسلطة بالقوة

ليصلح القول في حق جميع الأحزاب السودانية (من كان منكم بلا خطيئة  فليرمها بحجر).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى