رأي

من المغرب إلى مدغشقر .. ماذا يريد الجيل زد ؟

 

السفير عطا المنان بخيت

تشهد كل من جمهورية مدغشقر، والمملكة المغربية، منذ عدة أسابيع تظاهرات ووقفات إحتجاجية مستمرة في عدة مدن، تنظمها مجموعات من الشباب، ممن يُطلق عليهم (الجيل زد) . تظاهرات الشباب معظمها ذات طابع سلمي، وتسعى الحكومات في كلا الدولتين للتعامل معها بكثير من الحكمة والصبر، وتفتح باب الحوار مع الشباب حول مطالبهم المشروعة.

يرفع الشباب المغربي في تظاهراتهم المتجددة، مطالب خدمية، ركزت على ثلاث قضايا أساسية، هى: إصلاح وتطوير التعليم، دعم الخدمات الصحية، ومحاربة البطالة. ولا شك أن هذه مطالب ضرورية للمجتمع كله، وهي من صميم مهام الدولة. أما شباب مدغشقر فقد رفع سقف توقعاته عالياً حيث طالب بتنحي الرئيس طوعاً أو كرها.

ونظراً لتصاعد الاحتجاجات الشبابية، وتوسعها على امتداد التراب المغربي، بحثت في مصادر الإحصاء المفتوحة لمعرفة ميزاينات الصحة والتعليم فى الموازنة العامة للحكومة المغربية للعام 2025. وحصلت على أحصاءات وأرقام مهمة، فميزانية التعليم فى هذا العام بلغت حوالى تسعة مليار دولار، بينما بلغت الميزانية المخصصة للقطاع الصحى أكثر من أربعة مليار دولار، ولا شك أن التعليم والصحة تستحق ميزانيات أكبر من ذلك، ولكن بالتأكيد أن هذه الأرقام كبيرة لبلد أفريقى و من بلدان العالم الثالث. فهناك دول أفريقية لا تتجاوز موازنتها السنوية هذه الأرقام.

ما يجرى في مدغشقر والمملكة المغربية، جرى من قبل في دول كثيرة، ومرشح أن يجري في دول أخرى. إذا رجعنا قليلا للوراء فإن ثورة الجيل زد قد جرت فى بنغلادش والفلبين وسيريلانكا ، ونيبال، وكانت لها عواقب وخمية، إقتلعت بعض الأنظمة عنوة. وتجري الآن في أوروبا وأمريكا دعما للمستضعفين في غزة وصمودهم في وجه الإبادة الجماعية الاسرائيلية. وفي أفريقيا جرت من قبل في السنغال وكينيا، وغيرها. هذا الحراك الشبابي العارم، يدفعنا للبحث والتساؤل عن ماهو الجيل زد، وكيف يفكر، وكيف نتعامل معه، بما يجعل منه قوة دفع وبناء إيجابية.

الجيل زد هو الجيل الذى ولد في الفترة مابين العشرية الأخيرة من القرن الماضي، والعشرية الأولى من القرن الحالي، إذن هو مركز ثقل الكتلة البشرية الصلبة لقيادة النهضة وبناء المستقبل. لاسيما أن أفريقيا قارة شابة ديموغرافيا، ويشكل الشباب بأجيالهم المختلفة أكثر من 60% من سكان القارة الأفريقية.

يتميز الجيل زد عن الأجيال التي سبقته، بأنه منتج خالص من منتجات الإنترنت، نشأ فى ظل الهواتف الذكية وقروبات التواصل الاجتماعي، وله علاقة خاصة وقوية مع الفضاء الإفتراضي. ويمكن القول أنه جيل يفكر رقميا، وفق المعطيات التي توفرها له الوسائط، لذلك فإن طريقة تفكيره وتعاطيه مع الأحداث تختلف عن الأجيال السابقة.

تشير تظاهرات الشباب في مدغشقر والمغرب، إلى أن هذا الجيل يهتم جداً بالخدمات بالذات الصحة والتعليم وتوفير بيئة خصبة للعمل والإنتاج، بمعنى أن هذا الجيل له وعي ثقافي واجتماعي عالٍ، كما تؤكد أن الجيل زد يحرص على إسماع صوته عاليا للمجتمع وللدولة وللعالم كله، مستخدما وسائل متاحة وسهلة، فهو جيل لا يحب الصمت وقليل الصبر، ينظر إلى النتائج وينتظر الأفعال، ولا يحب الوعود والخطب الجوفاء، التي يدمنها السياسيون، لإلهاء الشعب. ولذلك غالبا ما تصطدم طريقة تفكيره مع تفكير الحكومات، مما يؤدي إلى المواجهة والصدام.

وبما أن الجيل زد يختلف عن الأجيال الأخرى التي سبقته، فإن الحكومات والأحزاب السياسية تحتاج أن تتبنى مقاربة مختلفة للتعامل مع هذا الجيل، وتوجيه طاقاته فى الإتجاه الصحيح ليسهم فى البناء والتعمير ونهضة الأمة. إن الجيل زد جيل واعٍ، وعملي نحتاج أن نفهمه ونثق فيه.
الخطوة الأهم في ذلك، هي ضرورة إشراك هذا الجيل في عملية صنع القرار، بمعنى أننا نحتاج إلى تقديم قيادات تنفيذية وسياسية شابة، في الأحزاب والحكومات، تفهم كيف يفكر هذا الجيل، قيادات لصيقة الصلة بالتكنلوجيا مدركة أن العالم يتوجه رقميا بشكل مذهل.

وفى الواقع فإن هناك هوة كبيرة جداً بين الأجيال في المجال الرقمي، والمجال السياسي والتنفيذي، وهذه مشكلة تواجه معظم دول القارة الأفريقية، ولا بد من مواجهتها بالشجاعة اللازمة. والسبب الرئيس في ذلك هو أن أفريقيا قارة شابة، لكن يحكمها حكام عجزة.

للتعامل مع الجيل زد، فإننا نحتاج إلى أحزاب وحكومات برامجية، تقدم برنامجاً واضحاً قابلاً للقياس يمكن أن تحاسب عليه، ولا تقدم شعارات جذابة على الورق، كذابة على الأرض.

إن التعامل مع الجيل زد يشكل تحدياً لكل قادة القارة الأفريقية، إما أن نستوعبه ليكون قوة بناء، أو ينفلت فيصبح صاروخاُ مدمراً غير موجه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى