بنوك التنمية المحلية في السودان: هل تبدأ رحلة نقل القوة الاقتصادية من المركز إلى الهامش؟

نعمان يوسف محمد **
في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها الدول، لا تكون الأزمة مجرد إختبار لقدرة الاقتصاد على الصمود، بل تكون أيضاً فرصة لإعادة التفكير في الأسس التي يقوم عليها هذا الاقتصاد نفسه.
السودان اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات الفارقة؛ حيث لم تعد الأسئلة تدور حول “كيف نعيد ما كان؟”، بل أصبحت أكثر عمقاً: كيف نبني اقتصاداً جديداً أكثر عدالة، وأكثر قدرة على إنتاج الفرص داخل الولايات لا في المركز فقط؟
ومن هنا، تبرز فكرة قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في جوهرها تحولاً بنيوياً عميقاً: إنشاء بنوك تنمية محلية في كل ولاية من ولايات السودان.
إقتصاد ظلّ مركزياً أكثر مما ينبغي:
لعقود طويلة، ظل التمويل في السودان متمركزاً في العاصمة، بينما بقيت الولايات في موقع المتلقي لا الفاعل. ورغم أن الموارد موجودة، والمشروعات محتملة، والطاقات البشرية هائلة، لكن الحلقة المفقودة كانت دائماً هي التمويل التنموي المحلي الفعّال.
ومع ذلك، لم يكن التاريخ خالياً من المحاولات. فقد شهد السودان تجارب مصرفية وتنموية مبكرة، أبرزها تجربة بنك الإدخار السوداني في مرحلته الولائية، الذي عمل من ود مدني وامتد أثره إلى ولايات الإقليم الأوسط، وأسهم في تمويل قطاعات التعليم والصحة والزراعة والصناعة والتجارة.
كما ظهرت محاولات ولائية لاحقة مثل بنك القضارف، إلى جانب إنتشار واسع لمؤسسات التمويل الأصغر التي لعبت دوراً مهماً في الوصول إلى الشرائح الإنتاجية الصغيرة، رغم ضعف البيئة الداعمة وتحديات ما بعد الحرب.
لكن .. لماذا لم تتحول هذه التجارب إلى نظام؟:
السؤال الجوهري ليس: هل نجحت التجارب السابقة؟
بل: لماذا بقيت معزولة ولم تتحول إلى نموذج وطني شامل؟
والإجابة تكمن في غياب الإطار الجامع الذي يحول المبادرات المحلية إلى منظومة مالية تنموية متكاملة.
الفكرة الجديدة .. بنك تنموي في كل ولاية:
المقترح اليوم لا يتحدث عن بنك تقليدي جديد، بل عن إعادة هندسة كاملة لفلسفة التمويل في السودان.
بنوك التنمية المحلية ليست بنوكاً تجارية، ولا هي مؤسسات إقراض صغيرة، بل هي أذرع اقتصادية ولائية مهمتها الأساسية:
– تمويل الإنتاج مهما صغر حجمه لا الإستهلاك،
– تمويل البنية التحتية لا المضاربات،
– دعم سلاسل القيمة لا الأنشطة قصيرة الأجل،
– تحويل الموارد المحلية إلى قوة إنتاجية.
ثورة صامتة في هيكل الملكية:
المقترح يقوم على نموذج ملكية غير تقليدي:
1) حكومة الولاية: 30%
2) القطاع الخاص: 30%
3) التعاونيات: 15%
4) جمهور المستثمرين والمغتربين: 25%
هذا ليس تفصيلًا إداريًا، بل هو تحول فلسفي نحو اقتصاد شراكة لا اقتصاد إحتكار.
المغتربون .. رأس المال المهمل:
أحد أكثر عناصر القوة في هذا النموذج هو إدماج المغتربين السودانيين كطرف إستثماري مباشر، عبر شراء الأسهم، تمويل الصادرات، الإستثمار في مشروعات إنتاجية محددة وأدوات إستثمار تنموية منظمة. وبذلك تتحول تحويلاتهم من تدفقات فردية متفرقة إلى قوة مالية منظمة تقود التنمية داخل الولايات نفسها.
مؤسسات التمويل الأصغر .. من التجربة إلى النظام:
السودان يمتلك شبكة واسعة من مؤسسات التمويل الأصغر الولائية، من الجزيرة إلى كردفان وإلى دارفور، ومن كسلا إلى البحر الأحمر، ومن الخرطوم إلى النيل الأبيض وإلى النيل الأزرق. هذه المؤسسات – رغم التحديات – راكمت خبرة حقيقية في الوصول إلى المنتجين والشرائح الهشة.
والسؤال اليوم ليس هل نبدأ من جديد؟
بل: كيف ندمج هذا الإرث داخل نظام مصرفي تنموي أكبر وأكثر إستدامة؟
بل إن المقترح يذهب أبعد من ذلك، إمكانية أيلولة أصول وإلتزامات هذه المؤسسات إلى البنوك التنموية الولائية الجديدة، بما يخلق قفزة مؤسسية بدل التدرج البطيء.
المعركة الحقيقية ..التمويل من أجل الإنتاج:
ما يقترحه هذا النموذج ليس مجرد تغيير في عدد البنوك، بل تغيير في فلسفة الاقتصاد نفسه:
– من تمويل المدن إلى تمويل الولايات
– من الاقتصاد الوسيط إلى الاقتصاد المنتج
– من المركز إلى الأطراف
– من الإستهلاك إلى الإنتاج
لماذا هذه الفكرة الآن؟
لأن اللحظة الاقتصادية في السودان لم تعد تحتمل التأجيل.
الأسئلة اليوم ليست تقنية فقط، بل وجودية:
– كيف نخلق فرص عمل
خارج المركز؟
– كيف نوقف نزيف الهجرة
الداخلية؟
– كيف نعيد تشغيل الطاقات المعطلة في الولايات؟
– كيف نحول الموارد الطبيعية إلى قيمة مضافة داخل السودان لا خارجه؟
رسالة مفتوحة إلى صناع القرار:
إن إنشاء بنوك التنمية المحلية ليس مشروعًا مصرفيًا جديدًا، بل مشروع إعادة توزيع القوة الاقتصادية داخل السودان.
ولربما يبدو الأمر في بدايته فكرة إصلاح مالي، لكنه في جوهره، إعادة هندسة الدولة اقتصاديًا من القاعدة إلى القمة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل يمكن تطبيقه؟
بل: هل يمكن للسودان أن يستمر بدونه؟
خلاصة القول:
التاريخ الاقتصادي للدول لا يُكتب في المكاتب، بل في اللحظات التي تقرر فيها هذه الدول أن تعيد تعريف أدواتها.
وبنوك التنمية المحلية قد تكون – ببساطة – واحدة من تلك اللحظات التي لا تتكرر كثيراً.
** مصرفي سابق _ إستشاري التطوير المؤسسي



