جامعة أفريقيا العالمية .. بقاء المعاني و غياب المباني

في مطلع ثمانينات القرن الماضي التحقت بالمركز الإسلامي الأفريقي… كمدرس وكان مؤسسة مدهشة مظهراً ومخبراً… فمن حيث المظهر كان تحفة معمارية… التشجير والنظافة قل نظيرهما … أما مخبراً فقد كانت رسالته مصممة لنشر الوعي الديني والدنيوي في أفريقيا… وكان طلابه من كافة أنحاء أفريقيا….وكل اساتذته من السودان… ومديره بعد الطيب زين العابدين من السعودية… فقد كان خلطة ولا أحلى … أمضيت فيه جزءاً من شرخ الشباب… وشهدت بواكير التحول إلى جامعة أفريقيا العالمية… وقد أشرفت فيها على أول رسالة ماجستير منحتها الجامعة… وكانت للطالب السنغالي أمباي لو… وهو الآن بروفسير في العلوم السياسية بجامعة ديوك Duke الأمريكية… وهو كثير الظهور في القنوات العالمية… الناطقة بالإنجليزية والفرنسية معلقاً على الأحداث في العالمين الأفريقي والإسلامي… وليت القنوات العربية وجدت إليه سبيلا لتسمع كلاماً مختلفاً يتدفق العلم منه تدفقاً..
غادرت جامعة أفريقيا باستقالة أخرجت البروفسور عبد الرحيم علي الذي كان مديراً لها من وقاره إلى عالم طرافة العلماء.. . إذ قلت فيها أنني ذاهب لسوق مسيد ود عيسي لأبيع الأمباز و الردة… بتشديد و فتح الراء… في دكان والدي.. وبعد عام من (القروش) التي لم أر لها مثيلاً حتى اليوم … وبإلحاح من والدي عليه رحمة الله والذي كان رافضاً لاستقالتي رجعت إلى عوالم الأكاديمية والإعلام والذي منه.. بعد ربع قرن من مغادرتي للمركز الإسلامي وإن شئت قل جامعة أفريقيا…. عدت إليها مدرساً للعلوم السياسية في عام 2020 وانطبق على قول الشاعر (غادرتها والشعر في لون الدجى وعدت به صباحاً مسفرا) فوجدتها جامعة قدر الدينا مظهراً ومخبراً… فمن حيث المظهر توسعت في مبانيها وأصبح لها امتداد شرقي مساحته لاتقل عن مساحة المركز السابق… وهاك يا براحات وهاك يا ميادين خضراء وهاك يا تشجير… والطلاب الآسيويين يحملون دفاترهم ويتجولون في عرصاتها… وكأن الكابلي عندما غنى تحية آسيا وأفريقيا كان يقصدها.. أما مخبراً فقد أصبح عدد كلياتها ومعاهدها المتخصصة تضم كل التخصصات التي تخطر على بالك…
كلية الاقتصاد والعلوم السياسية التي أصبحت من منسوبيها .. موقعها.. أساتذتها وطلابها.. وميدان النجيلة. الذي أمامها… والبراحات من حولها وتشجيرها… وموقف السيارات فيها كل هذا أشعرني بسعادة الكبر… بضم الكاف… لكن عين وصابت.. أو كما يقول أهلنا المصريين الحلو ما يكملش… فقد كان لهذة الكلية وبقية الجامعة نصيباً وافراً من الخراب والدمار الذي أحدثته الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023.. لقد وجد الدعامة في موقع الجامعة ومبانيها وميادينها مالم يجدوه في غيرها ونفذوا فيها كل برنامجهم التخريبي..
كان يوماً من أيام الحرب السوداء رغم أن كل أيامها كالحة السواد.. يوم أن رأيت طلاب جامعة أفريقيا في التلفاز وهم في حالة إجلاء عن طريق بورتسودان … وهم يودعون السودان بعيون دامعة وهم في حالة عدم استيعاب لما جرى… ويشكرون إدارة الجامعة التي غامرت من أجل اخراجهم بسلام…
كنت ومازلت أجد في الرسائل التي تأتيني من طلابي في جامعة أفريقيا سلوى ومؤاساه لا أجدها في أي شيء آخر… إدريسا من غانا يسأل دوما وبإشفاق في رسائله متى تتوقف الحرب في السودان… محمد درامي من غنيا يقول إن لا هم له هذة الايام إلا متابعة أخبار السودان… سعادة عبد الله من إريتريا لاتكف عن الدعوات لأهل السودان… لابل وبعضهم يسأل عن المساعدة التي يمكن أن يقدمها… ولكن الذي أدهشني أكثر رسائل الطلاب القدامى الذين درسناهم في المركز الإسلامي في القرن السابق… فهؤلاء ذرفوا الدمع في رسائلهم على السودان فكليوبالي من بوركينا فاسو درس بعد المركز البيطرة في جامعة الخرطوم وهو الآن مسؤل كبير في بلاده… تراوري من ساحل العاج وهو الآن خبير مصرفي… ومناتا من يوغندا الذي تخرج من التدريب المهني في المركز الإسلامي وغيرهم… يبكون السودان ويبكون شبابهم فيه… إنهم يحملون للسودان حباً ما كنا نتخيله..
عندما علموا من قروباتهم رحيل صديقنا الصدوق والانسان الخلوق الدكتور محمد عبد المعروف… أظهروا حزناً غير عادي ورثوه رثاء يتقاصر معه أي رثاء آخر … فمحمد رحمه الله كان علماً ومعلما من أعلام ومعالم جامعة أفريقيا… وأذكر أنه كنت أدرس الطلاب الناضجين في المركز الإسلامي بعض التعاليم الإسلامية باللغة الإنجليزية… فوردت كلمة المعروف فشرحت لهم معناها… رفع الطالب علي ايسونق من نيجيريا وهو من قبيلة الايبو المسيحية صوته قائلا إنه كان يظن أن عبد المعروف اسماً فإذا بها وظيفة… الإشارة لمحمد عبد المعروف الذي كان استاذا في شؤون الطلاب… فأوضحت له الصاح… ولكن قلت لمحمد والله هذة أعظم شهادة في حقك…
رغم كل الدمار والخراب الذي أصاب الجامعة… إلا أنه لله الحمد والشكر ماهي إلا هي أشهر معدودة… إلا وأخذت الجامعة في التعافي فلملمت الإدارة أطرافها.. وكربت نصها… وقالت هلا هلا على التقانات الحديثة… وبدأت في الابحار في الأسافير وواصلت نشاطها كله أونلاين … من قبول إلى تدريس إلى استخراج شهادات.. فأقامت حوالي عدة مراكز في ولايات السودان التي لم تدخلها الحرب مباشرة… أما في الخارج فقد غطت جهات أفريقيا كلها.. نيجيريا ويوغندا وجزر القمر ليبيا وفي آسيا إندونيسيا ثم في مصر التي ربطت بين العرب والأفارقة والسودانة كمان.. وكذلك في السعودية وقطر والإمارات… هذة المراكز تدار منها أنشطة الجامعة والامتحانات… إذ لا توجد امتحانات أونلاين… لزوم الدقة وإغلاق الثغرات… منذ بداية الحرب وحتى الآن عقدت أربعة مجالس علمية وفي كل مجلس هناك تخريج وإجازة لخطط الجامعة الآنية المستقبلية… وهذا يوضح أن الجامعة قامت بعملية تكثيف أكاديمي حتى تعوض الطلاب الزمن الذي ضاع بسبب الحرب… وبهذة الطريقة سوف يقل وربما يتلاشى هذا الفاقد الزمني… فيتخرج الطلاب الذين كانوا في أولى وثانية وربما حتى ثالثة في الكليات ذات السنوات الخمس في المواعيد المضروبة لهم ابتداء…
أنا لست هنا بصدد تعداد الإنجازات التي توضح أن الجامعة قد تعافت من ناحية أكاديمية فإمامي الآن تقارير الأداء التي ناقشها المجلس العلمي الذي انعقد اسفيريا يوم الأثنين الماضي … فأقل ما توصف به هذة التقارير أنها مبهرة… وهي التي أثارت شجوني وجعلتني أتناول أمر هذة الجامعة بهذة التداعيات ….
أما عودة الجامعة إلى مقرها في الخرطوم فهو مرهون بحالة العاصمة العامة… وليس بحالة الجامعة الخاصة فهذة مقدور عليها… وإن شاء الله غداً ستعود الجامعة إلى تلك السوح الجميلة… وهي تحمل معها تجربة ثرة أفرزتها هذة الظروف.. فرب ضارة نافعة والي الإمام.



