من القطن إلى القيمة: حكاية صناعة النسيج السودانية من مجد الماضي إلى اقتصاد المستقبل (2-4)

نعمان يوسف محمد **
من القطن إلى الدولار: كيف خسر السودان القيمة المضافة؟
في المقال الأول من هذه السلسلة، عدنا إلى البدايات؛ إلى القطن ومشروع الجزيرة، وإلى المصانع التي حاولت أن تجعل السودان لا يزرع القطن فقط، وإنما يصنعه. كانت الفكرة أن تتحول الأرض إلى محصول، والمحصول إلى صناعة، والصناعة إلى صادرات وقيمة مضافة.
سؤال اليوم هو: ماذا حدث لهذه السلسلة؟
كيف انتقل السودان من بلد كان القطن يمثل نحو 60% من قيمة صادراته في بعض السنوات التاريخية، إلى اقتصاد يصدر جزءا من موارده في صورتها الخام، ثم يستورد منتجات مصنعة كان يمكن إنتاج نسبة معتبرة منها محليا؟
المشكلة في جوهرها ليست أن السودان توقف عن إنتاج القطن، وإنما أنه توقف عن التقاط جزء كبير من القيمة التي تأتي بعد القطن.
القيمة لا توجد في الحقل وحده:
حين يخرج القطن من الحقل، تبدأ رحلة اقتصادية أطول بكثير من مجرد بيعه. يتحول إلى ألياف، ثم غزل، ثم أقمشة، ثم منتجات جاهزة، وتدخل في كل مرحلة مهارات وعمالة وطاقة وتمويل ونقل وتسويق وتصميم وتجارة.
ولهذا فإن من يبيع القطن الخام يبيع مادة أولية، بينما من يحوله إلى غزل وقماش وملابس يبيع منتجا تتراكم فيه قيم العمل والخبرة والتكنولوجيا والتصميم والعلامة التجارية.
المعركة الحقيقية، إذن، ليست على إنتاج القطن وحده، وإنما على ما يحدث للقطن بعد أن يخرج من الحقل.
والسودان عرف هذه المعادلة مبكرا. فقد نشأت حول مناطق إنتاج القطن مصانع للغزل والنسيج، وظهرت تجارب في ود مدني والحصاحيصا والمناقل وغيرها، كما حاول مستثمرون سودانيون بناء حلقات متقدمة من الصناعة. لكن هذه التجربة لم تستمر بالقدرة والكفاءة اللتين كان يمكن أن تحققاهما.
عندما أصبح المصنع أقل قدرة من الحقل:
تكشف بيانات بنك السودان المركزي فجوة كبيرة بين الطاقة التصميمية والإنتاج الفعلي لصناعة الغزل والنسيج في عام 2005. فقد بلغت الطاقة التصميمية نحو 61 ألف طن من الغزل و300 مليون ياردة من الأقمشة و22.1 مليون قطعة من الملابس الجاهزة سنويا، بينما لم يتجاوز الإنتاج الفعلي نحو 9 آلاف طن من الغزل و25 مليون ياردة من الأقمشة، ولم يسجل إنتاج للملابس الجاهزة في ذلك العام.
وفي قطاع النسيج تحديدا، لم يتجاوز الإنتاج الفعلي نحو 8% من الطاقة التصميمية.
هذه الأرقام تختصر جانبا كبيرا من قصة التراجع. فلم تكن المشكلة في غياب المصانع وحدها، ولا في نقص المادة الخام وحدها، وإنما في عدم القدرة على تشغيل السلسلة الإنتاجية بكفاءة واستمرار.
فالمصنع يحتاج إلى كهرباء مستقرة وقطع غيار وتمويل وخبرات وأسواق ونقل وإدارة. وعندما تضعف إحدى هذه الحلقات، تبدأ الحلقات الأخرى في التراجع.
ماذا خسر السودان؟
حين يصدر السودان القطن خاما، فإنه يحصل على قيمة مرتبطة بإنتاجه وتسويقه، لكن عندما يعالجه محليا ويتحول إلى خيط وقماش وملابس، تتولد داخل الاقتصاد قيمة إضافية في كل مرحلة، من الأجور والأرباح إلى النقل والطاقة والصيانة والتمويل والتعبئة والتسويق.
ولهذا فإن خسارة صناعة النسيج لا تعني فقط فقدان فرصة تصدير الملابس. إنها تعني فقدان وظائف، وأسواق للمزارعين، وأعمالا للموردين، وإيرادات للدولة، وفرصا للاستثمار، وإيرادات محتملة من النقد الأجنبي، فضلا عن زيادة الحاجة إلى استيراد منتجات كان يمكن إنتاج جزء منها محليا.
إن توقف مصنع واحد قد يبدو مشكلة محدودة، لكن توقف سلسلة كاملة من المصانع والأنشطة المرتبطة بها يحول الخسارة إلى مشكلة اقتصادية ممتدة من المزارع إلى المستهلك.
حين يغادر القطن السودان:
تظهر المفارقة بصورة أوضح عندما ننتقل إلى التجارة الخارجية. ففي عام 2023 بلغت قيمة واردات العالم من القطن السوداني الخام نحو 246.7 مليون دولار، وكانت مصر والصين وباكستان وتركيا من أبرز الوجهات، بينما بلغت صادرات السودان السلعية الإجمالية نحو 3.62 مليار دولار وفق بيانات WITS.
هذه الأرقام تعكس أهمية القطن في توليد النقد الأجنبي، لكنها تطرح سؤالا أكثر عمقا: ماذا يحدث بعد أن يغادر القطن السودان؟
في الخارج يمكن أن يتحول إلى غزل، ثم قماش، ثم ملابس، ثم منتج يحمل علامة تجارية ويصل إلى المستهلك بسعر أعلى بكثير من قيمة المادة الخام. وبذلك لا يغادر السودان القطن وحده، بل تغادر معه الحلقات الأعلى من القيمة المضافة.
وهنا تصبح القضية مرتبطة مباشرة بميزان المدفوعات. فالدولة تحتاج إلى النقد الأجنبي لتمويل وارداتها، بينما يمكن لصناعة نسيج تنافسية أن تعمل في اتجاهين: توليد عملة أجنبية من خلال التصدير، وتوفير عملة أجنبية من خلال إنتاج سلع محلية تحل محل جزء من الواردات.
ولهذا فإن صناعة النسيج ليست قضية صناعية منفصلة عن الاقتصاد الكلي؛ إنها جزء من معركة السودان مع شح النقد الأجنبي وضعف الإنتاج والصادرات.
المفارقة: نصدر المادة ونستورد المنتج:
ربما تكون المفارقة الأكثر إيلاما أن السودان يمتلك أرضا مناسبة للقطن، وخبرة زراعية متراكمة، وتاريخا صناعيا في الغزل والنسيج، وسوقا محلية كبيرة، ومع ذلك أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المنسوجات والملابس.
الاستيراد ليس خطأ في حد ذاته، ولا يعني الاكتفاء الذاتي أن ننتج كل شيء مهما كانت تكلفته. المشكلة تبدأ عندما نصدر المادة الخام ونستورد في الوقت نفسه المنتج المصنوع منها، بينما تكون لدينا فرصة واقعية لإنتاج جزء منه بكفاءة وتنافسية داخل السودان.
السؤال هنا ليس: لماذا نستورد؟ وإنما: لماذا نصدر القطن ونستورد القيمة؟
القيمة المضافة لا تعني التصنيع بأي ثمن:
لكن استعادة القيمة المضافة لا تعني العودة إلى صناعة محمية وغير قادرة على المنافسة. فالمصنع لا يصبح ناجحا لمجرد تشغيل آلاته؛ بل عندما يستطيع إنتاج سلعة ذات جودة وتكلفة وسرعة تنافسية.
وهذا يتطلب كهرباء مستقرة، وتمويلا مناسبا، وتكنولوجيا ملائمة، ومهارات فنية، وإدارة كفؤة، وسلاسل توريد مستقرة، ومواصفات واضحة، ونقلا فعالا، وأسواقا قادرة على استيعاب الإنتاج.
لذلك فإن الهدف في السودان الجديد لا ينبغي أن يكون مجرد إضافة قيمة، وإنما إضافة قيمة تنافسية تستطيع الصمود في السوق المحلي والوصول إلى الأسواق الخارجية.
الحرب عمقت الأزمة:
لم تبدأ أزمة النسيج مع الحرب؛ فقد كان القطاع يعاني قبلها من ضعف الطاقة الإنتاجية، ومشكلات الكهرباء وقطع الغيار والتمويل، وتراجع الخبرات والاستثمار، والمنافسة من الواردات، وتذبذب إنتاج القطن.
لكن الحرب جاءت لتضرب ما تبقى من السلسلة، فأصابت المزارع والمصنع والطرق والكهرباء والمصارف والأسواق وسلاسل الإمداد.
وفي ظل انكماش الاقتصاد السوداني بنحو 29.4% عام 2023 وبنحو 14% إضافية عام 2024 وفق البنك الدولي، يصبح الحديث عن إعادة بناء الصناعة جزءا من الحديث عن إعادة بناء الاقتصاد نفسه.
فالسودان لن يستطيع الخروج من أزمته بالاعتماد على الاستهلاك والاستيراد. لا بد أن يعود إلى الإنتاج، ولا بد أن يعود الإنتاج إلى القيمة المضافة.
من صناعة النسيج إلى اقتصاد النسيج:
وهنا نحتاج إلى تغيير طريقة التفكير. فالمطلوب بعد الحرب ليس مجرد إعادة تشغيل مصنع هنا أو مصنع هناك، وإنما إعادة بناء اقتصاد النسيج.
اقتصاد النسيج يعني أن يعمل المزارع والمحلج والمصنع والممول والمصمم والعامل والتاجر والمصدر ضمن منظومة مترابطة. ويمكن للمزارعين، عبر التعاونيات أو الشركات، أن يصبحوا شركاء في بعض مراحل التصنيع، بينما يتولى المستثمرون تطوير الصناعات التحويلية، وتوفر المصارف التمويل، وتسهم الجامعات ومراكز البحوث في التكنولوجيا والمهارات، وتوفر الدولة البنية الأساسية والتنظيم والحوافز المناسبة.
بهذا يتحول القطن من محصول تصديري إلى محرك اقتصادي يمتد أثره من الحقل إلى المصنع ومن المصنع إلى السوق والتصدير.
المقياس الحقيقي ليس كمية القطن:
ربما آن الأوان لأن نغير سؤالنا الاقتصادي. لا يكفي أن نسأل: كم طن قطن ينتج السودان؟ بل يجب أن نسأل: كم قيمة يضيف السودان إلى كل طن من القطن؟
كم وظيفة يخلق؟ كم من الواردات يحل محلها؟ كم من الصادرات الجديدة يولدها؟ وكم من النقد الأجنبي يمكن أن يحتفظ به الاقتصاد بدلا من أن تذهب القيمة إلى الخارج؟
في الماضي كان القطن يجلب الدولار للسودان. أما اقتصاد المستقبل فيجب أن يجعل القيمة المضافة هي التي تجلب الدولار، وأن يتحول التصدير من بيع مادة أولية إلى بيع منتج سوداني يحمل مهارة وتصميما وجودة وعلامة تجارية.
وهنا تكمن الخسارة الحقيقية التي يجب أن نتعلم منها. لم يكن السودان يفتقر إلى الأرض أو الماء أو القطن أو الخبرات، لكنه لم ينجح في الحفاظ على الترابط بين حلقات الإنتاج. وحين تنقطع السلسلة، يتضرر الجميع: المزارع، والعامل، والمصنع، والتاجر، والمصرف، والدولة.
لذلك فإن إعادة بناء صناعة النسيج ليست مشروعا صناعيا فحسب؛ إنها مشروع لإعادة بناء جزء من الدورة الاقتصادية السودانية.
لكن وراء الأرقام والمصانع قصة أخرى لا تقل أهمية: قصة الإنسان الذي عمل فيها، والأسر التي عاشت منها، والمدن التي نشأت حولها، والمهارات التي تراكمت ثم بدأت في الاختفاء. كما أن للصناعة أثرا على البيئة والموارد لا يمكن تجاهله في أي نموذج مستقبلي.
** مصرفي سابق – استشاري التطوير المؤسسي



