التحديات المائية في مصر وفرص التكامل الزراعي مع السودان

مهند عوض محمود
بدعوة كريمة من السيد سمير العلايلي رئيس مجلس إدارة شركة Investia؛ وبالتنظيم الرفيع من مجلس الأعمال الكندي–المصري برئاسة معالي المهندس معتز رسلان – رئيس مجلس إدارة مجموعة رسلان – تشرفت بالمشاركة في المؤتمر الذي عُقد تحت عنوان:
“التحديات المائية في مصر – الأسباب والحلول”.
حضر المؤتمر عدد من الوزراء السابقين والحاليين؛ أبرزهم معالي الوزير سامح شكري وزير الخارجية الأسبق؛ إلى جانب عدد من المحافظين الحاليين والسابقين؛ وأعضاء من مجلس الشيوخ؛ ولفيف من السفراء من آسيا والاتحاد الأوروبي؛ فضلًا عن نخبة من رجال الأعمال المصريين وبعض المستثمرين الأجانب؛ وممثلين عن البنوك والمؤسسات الاقتصادية المصرية.
وقد تفضل معالي السيد الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري، بمخاطبة المؤتمر عبر محاضرة قيمة كشفت عن حجم العمل الكبير الذي تقوم به الوزارة في مواجهة أزمة المياه. الوزير استعرض تفاصيل دقيقة تُظهر أن الوزارة لا تكتفي بالسياسات التقليدية؛ بل تخوض تجربة تكنولوجية متقدمة نادراً ما نشاهدها في المنطقة.
فاليوم، تجلس فرق الوزارة داخل مكاتبها في القاهرة، تتابع مجرى النيل من منابعه حتى مصبه عبر الأقمار الصناعية وتقنيات الاستشعار عن بُعد؛ يتم رصد أي تعدٍ على النيل أو مخالفة في لحظتها بالصور والفيديو؛ ويتم التعامل معها فورياً. إنها نقلة نوعية تكلف الدولة مليارات الجنيهات؛ لكنها في المقابل تؤكد أن مصر باتت تُدير ملفها المائي بعقلية متقدمة وحديثة.
واللافت للنظر أن هذه التكنولوجيا المكلفة، لو وُجه ربع ميزانيتها نحو إدخال التقانة الزراعية الحديثة وكهربة المشاريع الزراعية في مصر والسودان معاً؛ لأمكن أن نضع البلدين في مصاف أعظم الدول الزراعية في العالم. ذلك أن الموارد الطبيعية متاحة؛ لكن ما ينقص هو الاستثمار المنهجي في الزراعة الذكية وربطها بمصادر الطاقة المستقرة.
وبوصفي رجل أعمال سوداني أستثمر في مصر، بدا لي المؤتمر فرصة للتفكير في المقارنة بين وضع مصر والسودان. ففي مصر، نصيب الفرد من المياه لا يتجاوز 550 مترًا مكعبًا سنويًا، أي نصف خط الفقر المائي العالمي؛ بينما في السودان – بفضل الأراضي الواسعة وتعدد مصادر المياه – يصل نصيب الفرد إلى نحو 1,700 متر مكعب سنويًا؛ وهو أعلى بثلاثة أضعاف تقريبًا من نصيب الفرد في مصر. كذلك فإن التعداد السكاني في السودان أقل بكثير من مصر؛ ما يجعل الضغط على الموارد المائية أخف؛ والفرص الزراعية أوسع.
من هنا تأتي أهمية التكامل الزراعي المصري–السوداني؛ فمصر تمتلك خبرة في إدارة المياه؛ وبنية تحتية قوية؛ وأيدٍ عاملة مدربة؛ بينما السودان يمتلك مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة؛ وموارد مائية سطحية وجوفية ضخمة. إذا جمعنا هذه المعادلة؛ فإن النتيجة المنطقية هي تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء؛ بل وتصديره للعالم العربي وأفريقيا.
ولمن يظن أن فكرة التكامل بعيدة المنال؛ أذكر أن التاريخ القريب شهد شواهد حيّة على استعداد السودان للتضحية من أجل شراكة استراتيجية. ففي ستينيات القرن الماضي، غمرت مياه السد العالي مدينة وادي حلفا وتم تهجير أهلها بالكامل؛ إيمانًا بجدوى المشروع لمصر والمنطقة. هذا التضامن ليس استثناء؛ بل هو جزء من علاقة تاريخية متجذرة بين شعبَي وادي النيل. واليوم، رغم أزمة مصر المائية، فتحت البلاد أبوابها لملايين السودانيين الذين نزحوا إليها هربًا من الحرب؛ هذا هو التكامل في أبهى صوره الإنسانية والاجتماعية.
فلماذا لا نترجم هذا التكامل الإنساني والسياسي إلى تكامل اقتصادي وزراعي؟ خاصة وأن الزراعة في مصر تستهلك ما يقارب 80% من مواردها المائية؛ فإذا تحولت الأنشطة الزراعية الثقيلة جنوبًا، نحو السودان؛ ستتمكن مصر من تقليل الضغط الهائل على حصتها من النيل؛ وفي المقابل سيستفيد السودان من التقانة المصرية والاستثمارات والخبرات البشرية.
إنها فرصة نادرة لتحويل التحدي إلى إنجاز؛ مصر تحتاج المياه؛ والسودان يحتاج إلى التكنولوجيا؛ والاثنان يحتاجان إلى الأمن الغذائي. إننا أمام بوابة تكامل زراعي واقتصادي يمكن أن تغير مستقبل وادي النيل؛ وتجعل من مصر والسودان معًا سلة غذاء حقيقية للعالم العربي وأفريقيا.
ختامًا؛ إن نهر النيل الذي جمعنا تاريخًا، قادر أن يوحدنا مستقبلًا؛ فإذا امتزجت مياه مصر بخضرة أرض السودان، فلن يجد الجوع طريقًا بين وادي النيل ولا بين شعوب أمتنا العربية.



