الموسم الزراعي 2026… هل نزرع من أجل الحصاد أم من أجل الاقتصاد؟

مهند عوض محمود
نجاح الموسم الزراعي لا يتوقف على الأمطار أو حجم التمويل وحدهما، بل على توقيت القرار، وكفاءة التخطيط، وقدرة الدولة على إدارة الزراعة باعتبارها مشروعاً اقتصادياً متكاملاً لا مجرد موسم إنتاج.
كل عام، ومع بداية الخريف، ينشغل الجميع بالحديث عن المساحات المستهدفة، وكميات التقاوى، وحجم التمويل، ومعدلات هطول الأمطار. ثم ينتهي الموسم، فنقيس نجاحه بعدد الأفدنة التي زُرعت أو حجم الإنتاج الذي تحقق، قبل أن نكرر المشهد نفسه في العام التالي. لكن السؤال الحقيقي هو: هل نزرع من أجل الحصاد فقط، أم من أجل بناء اقتصاد أكثر قوة واستقراراً؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يقود الموسم الزراعي 2026.
لا يمكن إنكار الجهود التي تبذلها الدولة لإنجاح الموسم الزراعي. فقد انعقد في التاسع من يوليو، بمكتب وزير المالية، اجتماع ضم محافظ بنك السودان المركزي وعدداً من مديري المصارف التجارية، يتقدمهم البنك الزراعي السوداني، وأُعلن خلاله تكوين محفظة مصرفية مشتركة لتمويل الموسم الزراعي الصيفي. كما التزم بنك السودان المركزي بالمساهمة بنسبة 20% من المحفظة، فيما أعلن البنك الزراعي السوداني مساهمة قدرها ثلاثة تريليونات جنيه، إلى جانب مساهمات بقية المصارف. وهي خطوة تستحق التقدير، لأنها تعكس إدراك الدولة لأهمية الموسم الزراعي في هذه المرحلة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه ليس حجم التمويل، وإنما توقيته. فالزراعة تختلف عن معظم الأنشطة الاقتصادية؛ إذ إن الوقت فيها جزء من رأس المال. كل يوم يتأخر فيه التمويل لا نخسر وقتاً فقط، بل نخسر إنتاجية لا يمكن تعويضها. فتأخير التمويل يعني تأخير إعداد الأرض، وتأخير شراء المدخلات، وتأخير عمليات الزراعة، وقد يؤدي ذلك في بعض المناطق إلى فقدان جزء من الموسم نفسه. لذلك فإن نجاح أي محفظة تمويل لا يقاس بحجم الأموال المعلنة، وإنما بسرعة وصولها إلى المزارع، وسهولة إجراءاتها، وقدرتها على تمكينه من الزراعة في التوقيت الأمثل.
ومن هنا تبرز حقيقة كثيراً ما نتجاهلها: الموسم الزراعي لا يبدأ عندما تهطل الأمطار، بل عندما يصدر القرار الصحيح في الوقت الصحيح. فقبل أن يتوجه المزارع إلى مشروعه، ينبغي أن تكون الخطة الزراعية قد اكتملت، والتمويل قد توفر، والمدخلات قد وصلت، والأدوار بين المؤسسات المختلفة قد حُسمت. أما إذا جاءت القرارات بعد بداية الموسم، فإنها تصبح محاولة للحاق بالزمن أكثر من كونها تخطيطاً له.
ومع ذلك، فإن التمويل، مهما بلغ حجمه، لا يكفي وحده لإنجاح الموسم. فهو يساعد على زراعة الأرض، لكنه لا يضمن جودة المحصول، ولا يفتح الأسواق، ولا يضيف قيمة للمنتج، ولا يحول الإنتاج إلى عائد اقتصادي حقيقي. ولهذا ظل السودان، لعقود طويلة، يقيس نجاح الموسم بعدد الأفدنة المزروعة، بينما تقيس الدول الزراعية الناجحة نجاحها بالإنتاجية، وقيمة الصادرات، والعائد الذي يضيفه كل فدان إلى الاقتصاد الوطني.
ولهذا ينبغي أن تتغير طريقة التفكير. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال: كم سنزرع؟ يجب أن نسأل: ماذا سنزرع؟ ولمن؟ وما العائد الاقتصادي المتوقع من كل محصول؟ فالعالم لا يشتري كل ما ننتجه، وإنما يشتري ما يحتاج إليه، بالمواصفات التي يطلبها، والجودة التي يقبلها. لذلك ينبغي أن يبدأ التخطيط للموسم من احتياجات الأسواق، ثم تُوجَّه الخطة الزراعية والتمويل والمدخلات نحو المحاصيل التي تحقق أعلى قيمة اقتصادية، مع المحافظة في الوقت نفسه على متطلبات الأمن الغذائي.
كما أن الوقت قد حان للانتقال من تمويل الإنتاج وحده إلى تمويل سلسلة القيمة الزراعية بأكملها؛ من التقاوى والمدخلات، إلى الحصاد، والتخزين، والنقل، والتصنيع، والتصدير. فالقيمة الحقيقية لا تتولد في الحقل فقط، بل في كل ما يضاف إلى المحصول بعد حصاده. وقد ينتج المزارع محصولاً ممتازاً، ثم يفقد جزءاً كبيراً من قيمته بسبب ضعف التخزين، أو ارتفاع تكلفة النقل، أو غياب التصنيع، أو سوء التسويق.
إن السودان يمتلك الأرض الخصبة، والمياه، والتنوع المناخي، والخبرة الزراعية، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى رؤية اقتصادية تجعل الزراعة مشروعاً قومياً للنمو، لا مجرد نشاط موسمي يتكرر كل عام بالطريقة نفسها. والمطلوب ليس فقط خطة زراعية، بل خطة اقتصادية متكاملة تحدد أولويات الإنتاج، والأسواق المستهدفة، والعائد المتوقع، وتربط التمويل بالإنتاج، والإنتاج بالقيمة المضافة، والقيمة المضافة بالصادرات.
إذا نجح موسم 2026، فلن ينجح لأن الأمطار كانت جيدة، بل لأن القرار الاقتصادي كان في الموعد. أما إذا تأخر القرار، فلن تستطيع أفضل الأمطار أن تعوض ما فاته من وقت. فالطبيعة قد تمنحنا موسماً جيداً، لكن بناء اقتصاد قوي لا تصنعه الطبيعة وحدها، بل تصنعه القرارات الرشيدة التي تُتخذ في الوقت المناسب.



