موازنة السودان لعام 2027م: معاش الناس وزيادة الإنتاج أساس التعافي وإعادة الإعمار

د. محمد صلاح علي الفكي
لا تُقاس كفاءة الموازنة العامة بحجم الإيرادات والإنفاق، بل بقدرتها على تحسين معاش الناس، وزيادة الإنتاج، واستعادة الخدمات، وتحويل الموارد المحدودة إلى نتائج ملموسة. لذلك، ينبغي أن تجعل موازنة السودان لعام 2027م تحسين المعيشة وتوسيع القاعدة الإنتاجية أولوية متكاملة، تربط الاستقرار الاقتصادي بالتعافي وإعادة الإعمار.
أولًا: الإعداد العلمي والانضباط المالي
يبدأ إعداد الموازنة بتقييم الأداء المالي والتنفيذي للأعوام السابقة، وتحليل أسباب تعثر المشروعات والانحراف عن التقديرات، وبناء توقعات واقعية للإيرادات والإنفاق تراعي التضخم وسعر الصرف والمخاطر الاقتصادية. كما يتطلب تدريب الكوادر المالية، ونقل الخبرات الناجحة وتكييفها مع ظروف السودان، وربط الاعتمادات بمسؤوليات واضحة وجداول زمنية ومؤشرات قابلة للقياس.
ويتطلب تعزيز الإيرادات توسيع القاعدة الاقتصادية والضريبية، وتحسين التحصيل، ومكافحة التهرب والتسرب المالي، ومراجعة الإعفاءات غير المبررة، دون فرض أعباء غير مدروسة على المواطنين والمنتجين. وفي المقابل، ينبغي ترشيد الإنفاق، وتحسين المشتريات والعقود، ومنع ازدواجية المشروعات، وربط الصرف بالإنجاز الفعلي، مع ضبط تمويل العجز والحد من مخاطره التضخمية.
ثانيًا: الإنتاج طريق مستدام لتحسين المعيشة
تُوجّه الموارد إلى توفير مدخلات الإنتاج والتمويل والطاقة والنقل، وتأهيل مشروعات الري والمرافق الإنتاجية، وإعادة تشغيل المنشآت المتوقفة وفق جدواها الاقتصادية، وتشجيع التصنيع المحلي وإضافة القيمة إلى الموارد الوطنية.
وتتمثل الآلية الأساسية في تمويل دورة الإنتاج المتكاملة، من توفير المدخلات إلى الإنتاج والتصنيع والتخزين والتسويق، ثم إعادة استثمار العائد في دورة جديدة. ويُعزَّز ذلك بربط المنتجين بالمصانع والأسواق عبر الزراعة التعاقدية وعقود الشراء المسبق، وتوجيه التمويل إلى الأنشطة التي تحقق إنتاجًا ومبيعات فعلية.
وفي جانب المعيشة، تُطوّر أسواق البيع المخفض بالشراكة مع المنتجين والتعاونيات والقطاع الخاص، مع تقليل حلقات الوساطة وتكاليف النقل والتوزيع، وتوجيه الحماية الاجتماعية إلى الأسر الأشد احتياجًا. كما تُراجع الأجور والهيكل الراتبي وفق تكلفة المعيشة والتضخم والقدرة المالية للدولة، مع تقدير أثر الزيادات على الأسعار والعجز.
إن زيادة الإنتاج والمعروض من السلع وتوسيع فرص العمل تدعم الدخول وتخفف الضغوط المعيشية، بينما يسهم تحسن القدرة الشرائية في تنشيط الطلب على المنتجات المحلية. وهكذا يصبح الإنتاج أساسًا لمعالجة الأزمة المعيشية بصورة مستدامة، لا مجرد استجابة مؤقتة لارتفاع الأسعار.
ثالثًا: الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار
تُوجّه الموارد أولًا إلى الخدمات الأكثر إلحاحًا والمناطق الأشد احتياجًا، وفق حجم الضرر والاحتياجات والقدرة على التنفيذ.
ففي التعليم، يُحصر العجز في المعلمين بحسب الولايات والتخصصات، وتُوضع خطة مرحلية للتعيين والتوزيع والتدريب. وفي الصحة، تُعطى الأولوية للأدوية الأساسية والرعاية الصحية الأولية وتأهيل المرافق، بينما يركز قطاع المياه على الصيانة واستعادة الإمداد وتغطية المناطق المحرومة.
كما تُؤهّل الطرق والكهرباء وشبكات النقل التي تخدم الإنتاج والأسواق، مع ربط مشروعات إعادة الإعمار بجدواها الاقتصادية وتكلفة تشغيلها وصيانتها، وتجنب توزيع الموارد على مشروعات متفرقة تفتقر إلى متطلبات الاستدامة.
رابعًا: الاستثمار وقياس النتائج
يتطلب جذب الاستثمار تبسيط الإجراءات، وتحسين البنية التحتية، وتعزيز الشفافية وسيادة القانون، وتوفير معلومات موثوقة عن الفرص الاستثمارية، وتشجيع الشراكات المنتجة بعقود واضحة تحمي المال العام وتحدد المسؤوليات والمخاطر.
ولضمان التنفيذ، تُعتمد مؤشرات تقيس نمو الإنتاج والإنتاجية، وتكلفة الوحدة، والفاقد، والمنشآت التي عادت إلى التشغيل، وفرص العمل الجديدة، وتوافر السلع وأسعارها، وتكلفة المعيشة، وسد العجز في المعلمين، وانتظام خدمات الصحة والمياه، ونسب تنفيذ المشروعات والإيرادات والإنفاق.
ويُحدد لكل مؤشر خط أساس ومستهدف واقعي ومصدر بيانات وجهة مسؤولة، وتُراجع النتائج دوريًا لتحديد الانحرافات وأسبابها، وتصحيح التنفيذ وإعادة توجيه الاعتمادات نحو البرامج الأكثر أثرًا. كما تُنفذ الموازنة على مراحل تبدأ بالاحتياجات العاجلة واستعادة الإنتاج والخدمات، ثم التوسع وفق الموارد المتاحة والقدرة التنفيذية.
من الموازنة إلى الأثر
إن نجاح موازنة السودان لعام 2027م يتوقف على تحويل المال العام إلى إنتاج وفرص عمل وخدمات أفضل ومعيشة أقل كلفة. ويتطلب ذلك تمويل دورة الإنتاج كاملة، وتنمية الإيرادات عبر توسيع النشاط الاقتصادي، وضبط الإنفاق، وتوجيه الاستثمار إلى المشروعات ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي، مع متابعة النتائج ومساءلة الجهات المنفذة وتصحيح مسار التنفيذ.
فالغاية ليست إعداد موازنة متوازنة على الورق فحسب، بل بناء اقتصاد ينتج أكثر، ويوفر السلع وفرص العمل، ويستعيد الخدمات، ويحوّل الموارد الوطنية إلى قيمة تنموية ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.



