رأي

معركة الكرامة: لماذا لا خيار للسودانيين سوى الاصطفاف خلف الدولة؟

مصطفى بشير عيسى

في لحظات التحول الكبرى في تاريخ الشعوب، لا يكون الحياد موقفًا أخلاقيًا ولا سياسيًا، بل يصبح في كثير من الأحيان شكلًا من أشكال التخاذل. والسودان اليوم يعيش واحدة من أخطر هذه اللحظات، وهو يواجه حربًا لم تُفرض عليه فقط بالسلاح، بل استهدفت وجوده، وإنسانه، ووحدته، ومستقبله.

ما يجري في السودان ليس صراعًا عابرًا على السلطة، ولا خلافًا سياسيًا يمكن احتواؤه بتسوية شكلية أو هدنة مؤقتة، بل هو عدوان مكتمل الأركان، تشارك فيه دوائر داخلية وأطراف خارجية، ويستهدف تفكيك الدولة السودانية وضرب مؤسساتها، وإعادة تشكيل واقعها الديمغرافي، خصوصًا في مناطق النزاع.

لقد كشفت تطورات الحرب بوضوح أن القوات المسلحة السودانية لا تخوض معركة بالوكالة عن أحد، وإنما تقود معركة كرامة وطنية دفاعًا عن الدولة، وسيادتها، وحق شعبها في البقاء على أرضه. ومن هنا، فإن الاصطفاف خلف الجيش ليس انحيازًا سياسيًا أو حزبيًا، بل موقف وطني تفرضه طبيعة التهديد.

ولا يمكن تجاهل المخاطر الجسيمة التي أفرزتها هذه الحرب، من استهداف مباشر للبنية التحتية، ومؤسسات الدولة، إلى محاولات مكشوفة لإحداث تغيير ديمغرافي قسري، كما حدث في بعض مناطق غرب السودان، في انتهاك صارخ لكل القوانين الوطنية والمواثيق الدولية، وعلى رأسها القانون الإنساني الدولي.

المؤسف في هذا المشهد، أن بعض القوى السياسية اختارت أن تقف في المنطقة الرمادية، أو أن تناوئ القوات المسلحة في لحظة تتطلب وحدة الصف، وهو موقف لا يخدم سوى مشروع الفوضى، ويطيل أمد الحرب، ويفتح الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية. إن المرحلة الراهنة تستدعي تجاوز الولاءات الحزبية والجهوية والشخصية، والتوافق على حدٍ أدنى هو حماية الدولة السودانية.

أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فقد بات واضحًا أن الحرب في السودان ليست معزولة عن حسابات ومصالح دولية، وأن هناك أطرافًا خارجية ساهمت في تأجيج الصراع، وهو ما أكدته تقارير استخبارية وإعلامية دولية. ورغم ذلك، فإن المجتمع الدولي عبّر، بصورة متزايدة، عن رفضه لأي كيان موازٍ للدولة، وأكد التزامه بالشرعية السودانية.

وفي هذا السياق، تثار دعوات لوقف إطلاق النار وهدنة إنسانية، وهي دعوات تبدو في ظاهرها إنسانية، لكنها تفقد معناها إن لم تُبنَ على أسس واضحة تضمن وقف العدوان، وتجريد المليشيات من السلاح، وتجميع قواتها تحت إشراف دولي. فلا معنى لهدنة تُمنح لطرف يواصل القتل والانتهاكات، ولا يحترم أي التزام قانوني أو أخلاقي.

إن السلام الحقيقي لا يُبنى على تجاهل جذور الأزمة، ولا على مكافأة العنف، بل على استعادة هيبة الدولة، وفرض سلطة القانون، وفتح الطريق أمام عملية سياسية شاملة بعد إسكات صوت السلاح.

ختامًا، فإن السودان اليوم أمام خيار تاريخي واضح: إما دولة موحدة بجيش وطني ومؤسسات قائمة، أو فوضى مفتوحة لا رابح فيها. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح دعم القوات المسلحة واجبًا وطنيًا، لا لأن الحرب خيار مفضل، بل لأن بقاء الدولة هو الشرط الأول لأي سلام عادل ومستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى