بين المناصحة والمناطحة

د. إسماعيل ساتي
كثيراً ما نلتقي في حياتنا بأشخاص نظن أننا نتحاور معهم، فإذا بنا نتفاجأ بأننا لا نتحاور بل نتصارع. ونظن أننا نقدم نصيحة، فإذا بالطرف الآخر يتلقاها وكأنها هجوم، أو يرد عليها بهجوم مضاد. وهنا يبرز سؤال مهم: ما الفرق بين المناصحة والمناطحة؟
المناصحة خلق رفيع، وهي تعبير عن الحرص على الآخر، والرغبة الصادقة في معاونته على رؤية ما قد يكون غاب عنه. أما المناطحة، فهي سلوك يقوم على إثبات الذات والانتصار للرأي وإلحاق الهزيمة المعنوية بالطرف الآخر. المناصحة تبني العلاقات، أما المناطحة فتهدمها، حتى وإن جاءت متخفية في ثوب النصح.
ولعل المشكلة الكبرى أن كثيراً من الناس، من الرفقاء والفرقاء على السواء، لا يفرقون بين الاثنين. بل إن بعضنا قد يمارس المناطحة وهو يعتقد تماماً أنه يمارس المناصحة.
ولكن هل يكفي هذا التمييز الأخلاقي لفهم الظاهرة؟ أم أن المسألة أعمق من مجرد حسن النية أو سوئها؟
ما الذي يجعل الإنسان مناصحاً أو مناطحاً؟
هل الأمر متعلق بالتربية؟ أم بالثقافة؟ أم بمستوى التعليم؟ أم أن هناك عوامل أخرى أعمق؟
الحقيقة أن السلوك الإنساني نادراً ما يكون نتاج عامل واحد. فالتربية المبكرة تلعب دوراً كبيراً؛ فالطفل الذي نشأ في بيئة تسمح بالحوار والاختلاف والتعبير الآمن عن الرأي، غالباً ما يتعلم المناصحة بوصفها وسيلة للتعاون والتعلم المشترك. أما من نشأ في بيئة تقوم على القهر أو السخرية أو إثبات الغلبة، فقد يتعلم أن كل اختلاف هو معركة يجب الفوز بها.
كما أن الثقافة المجتمعية تؤثر تأثيراً بالغاً. فهناك مجتمعات تشجع على الحوار والتفكير النقدي، وهناك ثقافات تميل إلى اعتبار التراجع عن الرأي ضعفاً، والاعتراف بالخطأ هزيمة، والانتصار في الجدل فضيلة في حد ذاته.
أما التعليم، فرغم أهميته، فإنه ليس ضمانة للسلوك الراشد. فقد نجد إنساناً محدود التعليم لكنه واسع الصدر، حسن الاستماع، رفيقاً في نصحه، ونجد في المقابل شخصاً عالي التأهيل الأكاديمي، لكنه لا يرى في الحوار إلا فرصة لإثبات تفوقه على الآخرين.
غير أن هذه العوامل، على أهميتها، لا تفسر وحدها ظاهرة المناطحة. فالدراسات النفسية الحديثة تشير إلى أن الإنسان لا يدافع دائماً عن أفكاره لأنها صحيحة في نظره، بل لأنه يرى فيها امتداداً لهويته وصورته عن نفسه. وعندما يشعر بأن رأيه يتعرض للنقد، فإنه قد يتعامل مع ذلك لا بوصفه نقداً لفكرة، بل تهديداً لذاته ومكانته. ولهذا، فإن المناطحة ليست دائماً تعبيراً عن قوة الشخصية، بل قد تكون أحياناً تعبيراً عن هشاشتها، وعن الحاجة المستمرة إلى الاعتراف والتفوق والانتصار الرمزي على الآخرين.
لماذا تتحول المناصحة إلى مناطحة؟
تقوم المناصحة على افتراض ضمني مفاده أن الحقيقة أكبر من الأشخاص، وأن الجميع معرضون للخطأ والصواب. أما المناطحة، فتقوم على افتراض مختلف تماماً، وهو أن قيمة الإنسان ترتبط بقدرته على الانتصار في الجدل، لا بقدرته على الاقتراب من الحقيقة. ومن هنا ينشأ تحول خطير؛ إذ يصبح الهدف من الحوار ليس الفهم بل الغلبة، وليس البحث المشترك بل تسجيل النقاط. وعند هذه اللحظة، يفقد الحوار وظيفته المعرفية والأخلاقية، ويتحول إلى ساحة صراع نفسي واجتماعي.
ولعل وسائل التواصل الحديثة قد عمقت هذه الظاهرة؛ إذ أصبح كثير من الحوارات يجري أمام جمهور، لا بين طرفين فقط. وفي وجود الجمهور، يصبح التراجع عن الخطأ أكثر صعوبة، لأن الإنسان لا يدافع عن رأيه فحسب، بل يدافع أيضاً عن صورته أمام الآخرين.
كيف أعرف أنني أنا نفسي لست مناطحاً؟
هذا السؤال ربما يكون أهم من كل الأسئلة الأخرى؛ لأن الإنسان يرى عيوب الآخرين بسهولة، لكنه نادراً ما يرى عيوب نفسه.
ولعل من أهم المؤشرات التي تساعدنا على اكتشاف ذلك أن نسأل أنفسنا:
• هل أهدف فعلاً إلى مصلحة الطرف الآخر، أم إلى إثبات أنني على حق؟
• هل أشعر بالرضا إذا اقتنع الآخر، أم إذا اعترف بخطئه أمامي؟
• هل أستمع أكثر مما أتكلم، أم أنتظر دوري فقط للرد؟
• هل أغير رأيي عندما أقتنع بحجة أفضل، أم أواصل الجدال حفاظاً على صورتي؟
• هل أخرج من الحوار وأنا أكثر فهماً للآخر، أم أكثر غضباً منه؟
فإذا كان همنا الأساس هو الانتصار لا الإقناع، والغلبة لا الفهم، فربما نكون قد انتقلنا من المناصحة إلى المناطحة دون أن نشعر.
ماذا نفعل عندما نحاول المناصحة، فنواجه بالمناطحة؟
هذه من أصعب المواقف الإنسانية. فالإنسان يدخل الحوار بنية الإصلاح، ثم يجد نفسه في ساحة صراع لا في مجلس نصح.
وفي مثل هذه الحالات، قد يكون من الحكمة أن نتذكر أن مسؤوليتنا هي تقديم النصح لا فرضه، وأن قبول النصيحة ليس حقاً لنا على الآخرين، بل هو قرار يعود إليهم وحدهم. كما أن الإصرار على إقناع من لا يريد الاقتناع قد يحولنا نحن أيضاً، من حيث لا ندري إلى مناطحين. ولذلك، فإن الانسحاب الهادئ من بعض المعارك الفكرية أو الشخصية ليس هزيمة، بل قد يكون أعلى درجات الحكمة؛ لأن الحكمة لا تتمثل دائماً في مواصلة الحوار، وإنما في معرفة اللحظة التي يفقد فيها الحوار معناه.
هل هناك أشخاص ميؤوس من تغيير سلوكهم؟
ربما لا يكون من الدقة أن نصف إنساناً بأنه ميؤوس منه بشكل مطلق، فالناس يتغيرون وأحياناً تغيرهم التجارب أكثر مما تغيرهم النصائح. لكن الواقعية تقتضي أيضاً أن نعترف بأن بعض الأشخاص بسبب تكوينهم النفسي أو تجاربهم السابقة أو مصالحهم، قد لا يكونون مستعدين في مرحلة معينة من حياتهم للاستماع أو مراجعة أنفسهم. وهؤلاء قد لا يكون أفضل ما نقدمه لهم هو المزيد من الجدل، بل المزيد من المسافة.
كلمة أخيرة:
لعل الفارق الجوهري بين المناصحة والمناطحة يكمن في سؤال واحد بسيط: هل أنا أبحث عن الحقيقة أم أبحث عن الانتصار؟
فإذا كان هدفنا الوصول إلى الحقيقة، فإننا سننصح برفق ونستمع بتواضع ونتراجع بشجاعة عندما نخطئ. أما إذا كان هدفنا الانتصار، فإن كل حوار سيتحول إلى معركة، وكل اختلاف إلى خصومة، وكل نصيحة إلى مناطحة.
ولعل الحكمة ليست في أن ننتصر على الآخرين، بل في أن ننتصر على ذلك الجزء من أنفسنا الذي يريد دائماً أن يكون على حق. ولنتذكر دائماً أن المشكلة قد تكون فينا نحن لا في الآخرين؛ فمراجعة النفس هي أول طريق الحكمة وأصدق أبواب الإصلاح.



