بعد فيضان النيل المفاجئ… أصابع الاتهام تتجه الى سد “النهضة” الاثيوبي

الخرطوم – هالة حمزة
تسبب الفيضان المفاجئ في نهر النيل في ربكة كبيرة في السودان وذلك بعد أيام من الإعلان عن التدشين الرسمي لسد النهضة الأثيوبي وبدء التحضير للموسم الزراعي الجديد.
وحمل خبراء في الري والسدود، اثيوبيا مسؤولية ما يحدث من اضرار جراء الفيضان، داعين للتحقق من جديتها في تنفيذ الاشتراطات الفنية للملء والتشغيل والامن السلامة للسدود السودانية وغيرها.
وطمأنت وزارة الري المواطنين ودعت في بيان اصدرته مساء الثلاثاء لتجنب الهلع وتوجيه الجهود نحو وضع التدابير المطلوبة.
وطالب الخبير في السدود والموارد المائية احمد المفتي في حديث لـ ” المحقق” بالمساءلة والتعويض العادل والفوري للمواطنين، عما لحق بهم من اضرار بسبب فيضان سد النهضة الذي حدث مؤخرا.
وقال: إن الحكومة السودانية وعدت الشعب بعدم التعرض للفيضان بسبب النهضة، غير ان ما حدث يناقض ذلك بإطلاق اثيوبيا مؤخرا مياها اعلى بحوالي متر ونصف، من فيضان 1988، واشار لاعتراف وزارة الموارد المائية السودانية بذلك وتحذيرها للمواطنين، والذين تضرروا فعليا من الفيضان.
واشارت وزارة الزراعة والري في بيانها حول فيضان النيل الى ان التوقعات الموسمية افادت بوجود تغيراً في نمط الأمطار، حيث تأخر موسم الخريف وامتد حتى نهاية شهر أكتوبر، نتيجة تأثيرات التغير المناخي.
وقالت حسب نص البيان: تم إصدار إنذار مبكر حول كميات الأمطار المتوقع هطولها على الهضبة الإثيوبية مصدر فيضان النيل الأزرق والعطبراوي، والتي كانت ضخمة تتجاوز المعدل المتوسط.
ولفتت لبروز زيادة كبيرة ايضا في إيراد النيل الأبيض، والذي يشهد منذ العام 2020م زيادة غير مسبوقة بلغت حوالي 60% – 100% بأعلى من المتوسط.
وابانت ان هذه الزيادة تعكس التغيرات المناخية التي تؤثر على المنطقة.
واكدت ان الوارد عبر نهر عطبرة هو الآخر كان الأعلى خلال هذه الأيام، وان هذه الزيادات تزامنت مع اكتمال التخزين وامتلاء بحيرة سد النهضة.
وأشارت الوزارة لبدء تصريف المياه من البحيرة في 10 سبتمبر 2025، ما أدى لاجتماع مياه موسم الفيضان مع تصريف المياه من السد، حيث وصلت أقصى قيمة للتصريف إلى 750 مليون متر مكعب في اليوم.
على الرغم من أن التصرفات في موسم الفيضان كانت تصل لقيم أكبر من ذلك، إلا أن توقيت هذه الكمية كان لها تأثير كبير في الأنماط الهيدرولوجية للمناسيب.
واشار بيان الوزارة لتسبب هذه الزيادات في ارتفاع ملحوظ في مناسيب مجرى النيل وفروعه.
واكد البيان أن وصول المنسوب في أي محطة لمستوى الفيضان يعني أن المياه وصلت حافة المجرى النهري، وليس بالضرورة غرق المنطقة بالكامل.
ودعا لضرورة تجنب الهلع وتوجيه الجهود نحو اتخاذ التدابير اللازمة.
ونوه لبدء الوارد اليومي من النيل الأزرق في الانخفاض منذ يوم أمس، ما يشير للتوقعات بهبوط كافة المناسيب تباعاً.
ودعا د. المفتي وزارة الري لإلزام اثيوبيا بتعويض المتضررين، والتحقق من التزامها بوعودها للسودان بمده بالكهرباء الرخيصة وكذلك تمكينه من ثلاث دورات زراعية.
وقال إن هذه الوعود هي التي حملت السودان على اتخاذ موقفه المؤيد لسد النهضة.
وحمل المفتي لجان التفاوض حول السد مسئولية ضياع حقوقه المائية.
ودعا الحكومة للشروع فورا في تنفيذ ترتيبات هندسية تستوعب كل تدفق غير مرغوب فيه للمياه من سد النهضة.
ووصف المحلل المختص في شئون الري إبراهيم شقلاوي الفيضانات التي تجتاح البلاد هذه الفترة بانها اختبار مبكر لمدى اهمية استئناف الاجتماعات بين السودان واثيوبيا والتوصل لاتفاق حول سد النهضة وإعادة ضبط العلاقة الفنية.
وحذر شقلاوي في حديث لـ “المحقق” من مغبة تجاهل ذلك في تحول السد من مشروع تنموي لبؤرة توتر دائم.
وأمن على ضرورة إعادة تقييم الإطار التنفيذي لاتفاق تبادل المعلومات بين البلدين، مقرونة بضمانات تنفيذية ملزمة والإسراع في تكوين آليات الرقابة المشتركة
ودعا شقلاوي لتدعيم تبادل المعلومات بإرادة سياسية جادة توازن بين المصالح الإستراتيجية والسياسية والشفافية التشغيلية لضمان امن السودان المائي.
وقال شقلاوي: إن افتتاح سد النهضة أدخل المنطقة في معادلة مائية جديدة تتجاوز الطابع الفني لأبعاد سياسية وأمنية أكثر تعقيد بتحكم اثيوبيا من خلال السد في أكثر من80%من مياه النيل الازرق ما يمنحها نفوذا مائيا كبيرا على السودان ومصر ويضعهما امام واقع مائي غير مسبوق من حيث التبعية والتأثر
وكانت وحدة الإنذار المبكر بوزارة الري السودانية أطلقت الخميس المنصرم 25 سبتمبر 2025م تحذيراً عالي الخطورة من فيضانات محتملة على طول مجرى النيل، بسبب الارتفاع المفاجئ في مناسيب النيل الأزرق.
وشمل التحذير ولايات سودانية عدة، أبرزها الخرطوم، سنار، والجزيرة، النيل الأبيض.
وأكد خبير الموارد المائية د. عثمان حمد في تصريحات داخلية أن تصريفات سد النهضة تجاوزت من الناحية الفنية حاجز الـ 750 مليون متر مكعب يوميًا، مقابل وارد مائي لا يتجاوز 450 مليون متر مكعب، ما يعني سحبًا مكثفًا من البحيرة بما يتجاوز 300 مليون متر مكعب يوميًا.
ويرجح حمد ارتباط هذا السحب السريع بمحاولة تقليل منسوب التخزين، خاصة في المترين الأخيرين من السد الركامي، وهي مناطق ربما لم تبلل سابقًا”.
واشار الى تعجل إثيوبيا للتخزين الذي كان من المفترض أن يكتمل في 15 أكتوبر بدلًا عن مطلع سبتمبر 2025م.
واتهم عضو وفد التفاوض حول سد النهضة المهندس دياب حسن سد النهضة بالتسبب في حدوث الفيضان بالبلاد.
وأكد لـ “المحقق”: ان ملء السد تم في توقيت خاطئ وقبل انحسار الفيضان وذلك لمظاهر سياسية لافتتاحه.
واشار لتزامن حدوث الفيضان في شهر سبتمبر مع امتلاء السد، واوضح ان ذلك اضطر اثيوبيا للتفريغ.
وقال حسن: لو ان اثيوبيا قامت بتمرير الفيضان في حدود 450 مليون م3 في اليوم لكانت المشكلة أخف ولكنها بدأت بالتفريغ من المخزون بحوالي 300مليون م3 يوميا وبالتالي تجاوز الايراد 700مليون ما أثر سلبا على السودان خاصة وانه تم في شهر سبتمبر والمزارعون يستعدون للتحضير للموسم بفرضية بدء انحسار الفيضان.
وأعرب إبراهيم شقلاوي عن مخاوفه من غياب التنسيق الحقيقي بين اثيوبيا والسودان، إذ أن عمليات التصريف الكبيرة تمت دون إخطار مبكر أو تنسيق فعلي، ما يُقوّض الأسس التي قام عليها اتفاق تبادل المعلومات الذي اعتمد لجان فنية ووزارية مشتركة بين البلدين تعني بسلامة الخزانات والتشغيل، والتي كان آخر اجتماعاتها الأسبوع الأول من نوفمبر 2024م، حيث كان من المفترض أن تكون لها اجتماعات راتبة كل ثلاثة أشهر.
وقال: إن اثيوبيا تمارس سياسة الإخطار دون استشارة”، الأمر الذي يضع السودان أمام سياسة أمر واقع تُفقده القدرة على اتخاذ تدابير استباقية لحماية منشآته الحيوية وسكانه المنتشرين على طول مجرى النيل الأزرق والنيل الرئيس.
وقال: هذا التطور يعكس التطور هشاشة الثقة بين الطرفين، رغم وجود اتفاق مكتوب يُفترض أن يُنظم الإبلاغ والتشاور وتبادل البيانات اليومية المتعلقة بالتشغيل والملء. ودعا للتأكد من جدية الجانب الإثيوبي في تنفيذ التزاماته الفنية.



