رأي

آفاق الاستثمار في الطاقة الشمسية بالسودان، و إمكانية الاستفادة من النموذج الاستثماري الماليزي (4/4)

د. أحمد عبد الباقي

ميزات اتفاقيات شراء الطاقة الشمسية الكهروضوئية وفقاً للنموذج الماليزي يشمل بعضها:

(أ) النموذج الاستثماري الماليزي الأساسي مؤسس على مبدأ “صفر تكلفة”، بمعنى أن المستثمر يتحمل تكاليف شراء وتركيب ألواح الطاقة الشمسية وصيانتها طيلة فترة العقد، ولا يدفع العميل (المستهلك/المشتري) أي تكاليف مسبقة. (ب) بيع الكهرباء: يلتزم المشتري بشراء الطاقة التي ينتجها المستثمر (البائع) بسعر تعريفي متفق عليه مسبقاً، ويكون أقل من سعر شركة الكهرباء الماليزية.

(ت) التمويل يأتي من مصادر متعددة ليس من بينها الحكومة (سيُشرح ذلك لاحقاً).

المواصفات الفنية والقانونية لاتفاقيات شراء الطاقة الشمسية في ماليزيا:

(أ) مدة العقد: تتراوح عادةً بين 15 إلى 25 سنة.

(ب) ملكية النظام: تنتقل ملكية النظام الشمسي بالكامل إلى العميل (المشتري) بعد انتهاء مدة العقد مجاناً، ويصبح قادراً على توليد كهرباء مجانية لما تبقى من العمر الافتراضي للألواح (الذي يصل إلى 25 سنة حسب نوعية أنظمة الطاقة الشمسية)،

(ت) الصيانة والتشغيل: يلتزم المستثمر (البائع) طوال فترة سريان العقد بضمان كفاءة تشغيل النظام وإصلاح أي أعطال على نفقته الخاصة.

محفزات الاستثمار لاتفاقيات شراء الطاقة: لماليزيا امتيازات خاصة لتحفيز الاستثمار في مجال الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية، ويشمل ذلك إعفاءً ضريبياً كاملاً لمدة خمس سنوات، وإعفاءً من ضريبة الدخل بنسبة 70% يمتد لأكثر من عشر سنوات، إضافة إلى تسهيلات أخرى مثل إمكانية أن يبيع المشتري فائض الطاقة عن حاجته إلى شركة الكهرباء الماليزية.

تمويل الاستثمار في مجال الطاقة الشمسية الكهروضوئية في ماليزيا:

(أ) تمول المصارف الماليزية ذات رؤوس الأموال الضخمة استثمارات الأفراد والشركات بتقديم قروض ميسرة طويلة الأمد تمتد لعقود، وغالباً ما يكون هذا التمويل بسعر فائدة سنوي (نظام ربوي)، (ب) تمويل من شركات متعددة الجنسيات: غالباً ما تمول هذه الشركات مشاريع إنتاج الطاقة الشمسية الكهروضوئية لتغذية منشآتها، مثل شركات مراكز البيانات الضخمة في ماليزيا، يصل هذا التمويل إلى مليارات الدولارات كما هو الحال لدى شركة جوجل وهناك أيضاً شركات مستثمرة أجنبية ومحلية مثل شراكة شركة “مصادر” الإماراتية التي تمتلك محطات طاقة شمسية عائمة على مسطحات البحر في ماليزيا، و(ت) تمويل من المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي الذي يمول مشاريع للطاقة الشمسية الكهروضوئية في جنوب شرق آسيا، ويربط بين سنغافورة وماليزيا.

تمويل الصكوك الخضراء:

أبدعت ماليزيا في استحداث صيغ تمويل إسلامية تتيح الاستثمار وفق الشريعة الإسلامية؛ فكان برنامج الصكوك الخضراء للاستثمار في مجال الطاقة المتجددة الذي بدأ في عام 2017م، ومنذ ذلك الحين أصبحت ماليزيا رائدة في إصدار الصكوك الخضراء. وحتى عام 2024م، بلغ عدد مشاريع الصكوك الخضراء 291 مشروعاً حول العالم، منها 262 مشروعاً في ماليزيا، وبلغ تمويل مشاريع الطاقة الشمسية الكهروضوئية في ماليزيا (350) مليون دولار، كما تساهم ماليزيا بنسبة 25% من إصدارات الصكوك الخضراء على مستوى آسيا.

لماذا الاستثمار في الطاقة الشمسية في السودان؟

وفرة مصادر الطاقة المتجددة بالسودان:

يمكن أن تمثل مصادر الطاقة المتجددة في السودان، خاصة الطاقة الشمسية، عاملاً جاذباً للاستثمارات على طريقة اتفاقيات شراء الطاقة التي تتخذها ماليزيا؛ فالسودان يعد من بين 148 دولة تقع بالقرب من خط الاستواء حيث تتمتع هذه الدول بمستوى عالي من الإشعاع الشمسي الذي يصلح لاستخراج الطاقة الشمسية الكهروضوئية، خاصة أن الشمس تتعامد سنوياً على السودان بمعدل 1900-2500 كيلووات/ساعة/متر مربع، وبمعدل سطوع شمسي يومي يبلغ 8.5-11 ساعة يوميا إلا أن دراسة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (المكتب الإقليمي للدول العربية) عن السودان بتاريخ مارس2026م  تحت عنوان: “سلاسل قيمة الطاقة الشمسية في السودان” أشارت إلى عقبات الاستثمار في الطاقة الشمسية مبينة أن السودان يذخر بفرص واسعة للاستثمار في مجال الطاقة الشمسية، ولكن من دون دعم موجه للشركات وقطاعات الصناعة، فلن تتحقق الإمكانيات الكاملة لهذا القطاع، مشيرة إلى أنه ورغم الانخفاض الكبير في أسعار الألواح الشمسية عالمياً خلال العقد الماضي (حسب الدراسة)، إلا أن الطاقة الشمسية لا تزال بعيدة المنال بالنسبة لكثير من السودانيين بسبب ارتفاع التكاليف الأولية وتدهور قيمة العملة الوطنية وضعف الوصول إلى التمويل وأوضحت الدراسة أن الواردات تواجه تأخراً يمتد لأشهر في ميناء بورتسودان، بينما تعيق الرسوم المفروضة على مستوى الولايات والمخاطر الأمنية حركة النقل الداخلي، كما أدت الاضطرابات الأخيرة في مسار الشحن الرئيسي إلى ارتفاع تكاليف الشحن، فضلاً عن انتشار معدات ومنتجات لأنظمة الطاقة الشمسية منخفضة الجودة مما ساهم في زعزعة ثقة المستهلكين في أنظمة الطاقة الشمسية المتوفرة بالسودان، في حين أدت مغادرة الكفاءات الهندسية السودانية المؤهلة إلى إضعاف عمليات الصيانة بعد تركيب الأنظمة.

إمكانية نجاح النموذج الماليزي في السودان:

لنجاح تبني نموذج شراء الطاقة بالسودان -كما في حالة ماليزيا- لابد أن يتخذ السودان إصلاحات قانونية لتنظيم الاستثمار في مجال الطاقة الشمسية، على أن يشمل ذلك قانوناً لتشجيع الاستثمار وضمانات حكومية، ويمكن بذلك تطبيق نموذج البرامج الكبيرة لشراء الطاقة الشمسية الكهروضوئية” و”اتفاقيات شراء الطاقة الشمسية الكهروضوئية لتزويد الشركات والمؤسسات التجارية والمنشآت الصناعية” (انظر الحلقة الثالثة):

ولضمان نجاح أي استثمارات فاعلة في مجال الطاقة المتجددة بالسودان، هناك ضرورة ملحة لأن ينشئ السودان وكالة حكومية متخصصة تُعنى بشؤون الطاقة المتجددة بصورة عامة، ومن ضمنها الطاقة الشمسية؛ يمكن أن تهتم هذه الوكالة بإعداد دراسات الجدوى للمشاريع الاستثمارية في مجال الطاقة الشمسية، واتخاذ نافذة واحدة لتسريع الإجراءات، ويمكن للدولة تكوين محفظة مالية خاصة برأس مال كبير تساهم فيه المصارف السودانية لتمويل الاستثمار في مجال الطاقة الشمسية، بحيث يستهدف ذلك الاستثمار توفير الطاقة الشمسية الكهروضوئية للشركات والمؤسسات الصناعية في السودان؛ لأن ذلك من شأنه أن يحرك عجلة الاقتصاد بتوفير الإمداد الكهربائي لهذه الشركات، وتخفيف الضغط على الشبكة القومية، والاستفادة من طاقة الشبكة القومية لإمداد المناطق السكنية والمؤسسات الخدمية الحكومية بالكهرباء، مع العلم أن تمويل مثل هذا النوع من الاستثمار يقلل من المخاطر. ويمكن أن تنظر الدولة في إمكانية العمل بنظام الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، حيث يساهم القطاع الخاص برأس المال والعمليات الإدارية بينما يساهم القطاع العام بالأصول التي يمتلكها مثل خطوط النقل والمحولات والكوادر الفنية المؤهلة. وفوق كل ذلك، لابد أن تتبع هيئة المواصفات السودانية مواصفات عالمية قياسية وأخرى وطنية لمعايرة أنظمة الطاقة الشمسية التي يستوردها السودان (عمر بعض أنظمة الطاقة الشمسية الافتراضي يبلغ عشرات السنين)، على أن تُطبق هذه المواصفات بدقة ودون مجاملات أو استثناءات.

الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الاستثمار في الطاقة الشمسية بالسودان:

أصبح الذكاء الاصطناعي أداة مهمة لتعزيز كفاءة أنظمة الطاقة المتجددة وذلك عبر تحليل البيانات الضخمة، وتحسين عمليات التشغيل، وتوقع الأداء، بل وحتى إدارة الشبكات الذكية وعليه يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الطاقة الشمسية على النحو الآتي:

تحسين كفاءة الألواح الشمسية: يمكن التنبؤ بالإشعاع الشمسي وتحسين زوايا الألواح لأن كفاءة الألواح الشمسية تعتمد على عوامل مثل زاوية الميل، وكمية الإشعاع الشمسي، والظروف الجوية.

استعمال خوارزميات التعلم الآلي:

يمكن تحليل بيانات الطقس التاريخية والتنبؤ بكمية الإشعاع الشمسي المتوقعة، مما يساعد في ضبط زوايا الألواح تلقائيًا لزيادة امتصاص الطاقة.

*الكشف عن الأعطال والصيانة التنبؤية:* لأن ألواح الطاقة الشمسية غالباً ما تواجه بعض الأضرار مثل التشقق، أو التلوث، أو انخفاض الكفاءة بسبب التلف لذلك يمكن مراقبة الألواح من خلال كاميرات ذكية أو أجهزة استشعار لاكتشاف العيوب مبكرًا،باستعمال الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية مما يقلل من تكاليف الصيانة ويزيد من عمر النظام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى