تباينت ردود أفعالها تجاه تطورات الفاشر.. القوى السودانية بين حزينة ومٌدّعية وشامتة

القاهرة- المحقق- صباح موسى
مع استمرار الانتهاكات البشعة التي ترتكبها مليشيا الدعم السريع بعد دخولها الفاشر أمس الأول “الأحد”، تتوالى ردود فعل القوى السياسة السودانية المنددة والرافضة لهذه الأفعال، ومابين لهجة حادة وهجوم شديد وبيانات تنتقد الفعل دون توجيه الاتهام، تنقسم رؤى الأحزاب السودانية فيما بينها، تيار وطني مساند للقوات المسلحة والدولة، وآخر مازال يصر على الوقوف بجانب المليشيا.
أساس عرقي
وبينما أصدرت بعض القوى السياسية بيانات إدانة، اكتفت أخرى بتدوينات وتغريدات على وسائل التواصل الاجتماعي.
وذكر بيان للحزب الديمقراطي الليبرالي ممهور باسم رئيسته ميادة سوار الدهب، أنه في سلسلة جرائمها المتتالية، وانتهاكاتها البشعة أقدمت مليشيا الدعم السريع الإرهابية بقتل الأبرياء بلا رحمة وعلى أساس عرقي وجهوي بغيض في أبشع مجزره إنسانية شاهدها العالم في مدينة الفاشر، لتقف شاهدا على موت الضمير العالمي حيال هذه الجرائم التي تكشف زيف الشعارات وازدواجية المعايير ويؤكد على المواقف المخزية من مؤسسات المجتمع الدولي- وفقا للبيان.
ورأى البيان إن صمت المجتمع الدولي حيال ما يحدث في الفاشر بمثابة ضوء أخضر لمزيد من الانتهاكات للمليشيا ومحاولة بائسة لفرض وصاية على إرادة السودان، وأدان هذه الجرائم البشعة، وطالب بتصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية، مؤكدا على دعم وثقة الحزب في القوات النظامية والقوات المسلحة.
لن نخاف
من جهته حيا حزب المؤتمر الشعبي صمود الفاشر وتضحيات اهلها، وذكر بيان باسم الأمين العام للحزب أمين محمود محمد عثمان أن العدو باستحلاله الفاشر أوجع كل شعبنا وأمتنا، لكن فات عليه أن هذا الوجع لن يخلف خوفا يدفع للاستسلام، مضيفا أنه ألهب مشاعرنا وأحماها للتدافع نحو الجهاد المقدس التي ترعبه قوى الشر، ولكن الأهم من ذلك، أنه ارتقى بوعي عامتنا، أن الأوباش يستنصرون بالعدو الخارجي الذي يقف خلف كل اعتداء على السودان.
ودعا المؤتمر الشعبي لنفير وطني شامل لتطهير السودان من الأعداء، وقال لا بد من تمييز الصفوف تجاه مقاومة ومدافعة هذا الاعتداء على السودان. ولا بد من التحرر الكامل من خدع الاستعمار وهو يسعى لفرض املاءاته على السودان حكومة وشعبا، لأن تلك الاملاءات ستفضي في محصلتها إلى شق الصف الوطني فنصاب بوهن التفرق في تقييم أدوار تلك الدول المعتدية علينا خفية أو جهرة، مشيرا إلى أنه بدأت مرحلة جديدة من الحرب على السودان ، وقال علينا أن نجدد عهدا يرقى للبيعة بألا نستسلم لعدونا ، فإنه يألم كما ألمنا بالفاشر مطالبا الحكومة بإعلان التعبئة العامة.
كسر الجناح
في الوقت نفسه حاولت قوى مجموعة “صمود” أن تدين فظائع المليشيا في الفاشر في تغريدات وتدوينات على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنها أدانت الفعل ولم تدن الفاعل ، واكتفت بإثبات أن ما يحدث هو ما ظلت تنادي به من ضرورة وقف الحرب، في وقت تحتفل فيه قوى تأسيس الذراع السياسي للدعم السريع باحتلال الفاشر، وترى في دخولها انتصاراً وتثبيتاً لأقدامها.
أكثر بشاعة
أما القوات المشتركة التي ظلت تقاتل وتدافع مع القوات المسلحة عن الفاشر لأكثر من عام ونصف، بصمود مذهل لولاه لسقطت المدينة منذ أكثر من عام، ما يعطي مؤشرا أن هناك شريحة واسعة ومهمة في الفاشر من حواضن هذه القوات لا تقبل بأي سيطرة على الإقليم، ما ينذر بحرب أكثر بشاعة إذا أفلحت المليشيا في تقسيم دارفور.
عقدة استراتيجية
من جانبه أوضح الناطق الرسمي لحركة العدل والمساواة الدكتور محمد زكريا أن المليشيا تنتشر في معظم أحياء الفاشر، غير أنّ الاشتباكات لا تزال مستمرّة داخل المدينة، خصوصاً في حي درجة أولى وما جاوره، وأنه لا تزال بعض الوحدات المساندة تقاتل بثبات مدافعة عن المدنيين. وقال زكريا لـ “المحقق” إن الفاشر عقدةٌ استراتيجية في غرب البلاد، وإن أي تبدّلٍ ميداني فيها ينعكس على خرائط الصراع في دارفور والسودان عموماً، مؤكدا أنّ ما حدث لا يُمثّل نهاية المعركة ولا يغيّر من طبيعتها مضيفا أن الحرب كرٌّ وفــر، وأن الجبهات تتبدّل فيها الموازين مرحلياً وفق عوامل الإمداد والبيئة والشرعية.
استعادة الفاشر
ولفت زكريا إلى أن صمود الجيوب القتالية داخل المدينة، واستمرار خطوط الإسناد الوطنية، وارتفاع منسوب السخط الشعبي على جرائم المليشيا، جميعها عوامل تُبقي إمكانية الارتداد واستعادة المدينة مفتوحة، وقال إن القوات المسلحة، ومعها القوات المشتركة والتشكيلات المساندة، تمتلك من الخبرة القتالية والعمق البشري والدعم الشعبي ما يؤهّلها لاستعادة المدينة وطرد المليشيا مثلما طردتها من الجزيرة والخرطوم، مضيفا ” أحبطت قواتنا سابقاً اندفاعات المليشيا في محاور عديدة، ونجحت في استعادة نقاط حيوية على امتداد مسارح العمليات” مشددا على أن تحرير الفاشر وجميع المناطق التى تنتشر فيها المليشيا ستظل هدفاً مشروعاً وثابتاً وأولى الأولويات الوطنية.
مذبحة مكتملة
وأشار الناطق الرسمي للعدل والمساواة أن المليشيا ارتكبت جرائم قتل على أساس عرقي بحقّ المدنيين في الفاشر، وقال إن ذلك يُشبه مذبحة مكتملة الأركان تمثّل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وفق القانون الدولي، مضيفا أنّ هذا السلوك الإجرامي المستهين بحرمة الحياة واستباحة الأحياء السكنية قد استفزّ الشعب السوداني كلّه، وسيكون الردّ بحجم الجريمة وضمن ما يتيحه القانون وأخلاقيات القتال، مع التأكيد على أن القصاص العادل يبدأ بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، مؤكدا أن موقف الدولة السودانية وحلفائها كان ولا يزال واضحاً وهو امتثال المليشيا لإعلان جدة (11 مايو 2023) كأساسٍ لإجراءات التهدئة الإنسانية وترتيبات وقف إطلاق النار، وإلا فإنّ الخيار البديل هو الحسم العسكري، وقال إن أي حديثٍ عن مفاوضات لا يُمكن أن يتقدّم بينما تواصل المليشيا ارتكاب المذابح وتدمير المدن، مضيفا إنّ أي مسارٍ سياسي جادّ يقتضي انسحاب المليشيا من الأحياء السكنية، وفتح ممرّات إنسانية آمنة، مطالبا المجتمعين الإقليمي والدولي بتحمّل مسؤولياتهما القانونية والأخلاقية تجاه جرائم المليشيا، ودعم جهود الإغاثة وحماية المدنيين، وقال إن المعركة في الفاشر مرحلةٌ من صراعٍ أوسع، وليست خاتمته، مضيفا أن قدر هذه البلاد أن تنتصر لإرادة شعبها وجيشها على آلة الفوضى والتمييز، وتابع سنقاتل حيث ينبغي لنستعيد المدينة ونحمي أهلها، وسنسلك كل مسارٍ سياسي لا يساوي بين الجلّاد والضحية ويضع العدالة أساساً لأي تسوية.
الحزن انتصار
ورأى الأمين السياسي للحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل معتز الفحل أن الحزن على الفاشر من جموع الشعب السودان هو أكبر انتصار للمدينة والإرادة التي لن تنكسر.
وقال معتز لـ “المحقق” إن الفاشر ستسترد بعزيمة الناس وقناعتهم، وتقديرات القوات المسلحة الملمة في الظروف الصعبة، والإمداد الكبير لعدم تدمير الوحدة والتكاتف، مؤكدا أنه مهما حدث من هزيمة سوف تنتصر عزيمة الشعب السوداني وسوف تعود الفاشر عصية كما كانت، وقال إن انتهاكات المليشيا بعد دخولها الفاشر يوضح للعالم كله أنها سرطان يجب استئصاله وقلعه من جذوره حتى يعيش السودان وجواره في أمان، مضيفا أن الإرادة السياسية رغم الظروف المحيطة ووقوف القوات المشتركة والمستنفرين بجانب الجيش هي رسالة لوحدة تتحمل وتكون أقوى وأعظم في مثل هذه الظروف.
استلهام الهمم
ودعا الفحل إلى ضرورة الالتفات لكيفية استرداد الفاشر والجنينة ونيالا وكل شبر من أرض الوطن من دنس التمرد، وقال يجب أن نستلهم الهمم والعبر والدروس في هذه اللحظة بقوة وعزيمة لا تنكسر، مضيفا رسالتنا أننا سودانيون وطنيون وأن الدعم السريع مليشيا مجرمة، كما دعا المجتمع الدولي بالوقوف وقفة حقيقية، مقدما الشكر للدول الشقيقة والصديقة للسودان لوقفتها الثابتة بجواره منذ بداية الحرب.



