الصندوق السيادي ليس حلًا سحريًا… ولكن!

الصندوق السيادي ليس حلًا سحريًا… ولكن!
قراءة أعمق في وهم الحلول السريعة وتحديات بناء صندوق سيادي سوداني رشيد
دكتورة هويدا شبو
في لحظات الأزمات الكبرى، تميل الدول إلى البحث عن “أفكار كبيرة” تُعيد الأمل وتمنح الشعوب شعورًا بأن الخروج من النفق بات قريبًا. في السودان، برزت فكرة “الصندوق السيادي” بوصفها واحدة من هذه الأفكار الجاذبة، حتى كاد الخطاب العام يحمّلها ما لا تحتمل. فالصندوق السيادي، كما يُصوَّر أحيانًا، يبدو كأنه مفتاح سحري لحل أزمات العملة، وتمويل التنمية، واستعادة التوازن المالي. غير أن هذه الصورة، رغم بريقها، تخفي وراءها تعقيدات عميقة، وتطرح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات.
الحقيقة الأساسية التي ينبغي الانطلاق منها هي أن الصندوق السيادي لا يصنع الثروة، بل يديرها. هو أداة مالية متقدمة تُستخدم لاستثمار فوائض موجودة أصلًا، وليس لتعويض غيابها. ومن هنا، فإن أي نقاش جاد حول إنشاء صندوق سيادي في السودان يجب أن يبدأ من نقطة صريحة: هل نمتلك فائضًا حقيقيًا يمكن استثماره؟ أم أننا نبحث عن وعاءٍ جديدٍ نضع فيه موارد شحيحة أصلًا؟
التجارب الدولية تقدم دروسًا لا يمكن تجاهلها. ففي النرويج، يُعتبر “صندوق التقاعد الحكومي العالمي” مثالًا يُحتذى به، لكنه في الواقع نتاج سياق خاص: فوائض نفطية ضخمة، مؤسسات راسخة، ثقافة شفافية عالية، وقواعد صارمة تفصل بين السياسة والاستثمار. لم يُنشأ هذا الصندوق لإنقاذ الاقتصاد، بل لحمايته من التقلبات، ولضمان حقوق الأجيال القادمة.
وفي سنغافورة، تقدم “شركة تيماسيك القابضة” نموذجًا مختلفًا يقوم على إدارة أصول الدولة بعقلية تجارية احترافية، مع انضباط صارم في الحوكمة، وقدرة عالية على اتخاذ القرار بعيدًا عن الضغوط السياسية. هذه التجربة لم تكن وليدة قرار إداري، بل جزءًا من مشروع وطني متكامل لإعادة بناء الاقتصاد.
ما بين هذين النموذجين، تتكشف حقيقة مهمة: الصناديق السيادية تنجح عندما تكون “نتيجة” لاقتصاد قوي ومنظم، لا عندما تُستخدم كـ “بديل” عن إصلاحه. وعندما تُفهم على غير هذا الأساس، فإنها تتحول إلى عبء إضافي بدل أن تكون رافعة للتنمية.
في الحالة السودانية، تبدو الحاجة إلى الواقعية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالاقتصاد يواجه تحديات هيكلية معقدة، تشمل ضعف الإنتاج، اختلال ميزان المدفوعات، تراجع الثقة، وغياب الاستقرار المؤسسي. في مثل هذا السياق، لا يمكن للصندوق السيادي أن ينجح إذا أُنشئ بمعزل عن إصلاحات أعمق تمس جوهر الاقتصاد.
ومع ذلك، فإن الفكرة في حد ذاتها ليست خاطئة. بل يمكن أن تكون خطوة مهمة إذا ما وُضعت في إطارها الصحيح. فالسودان يمتلك موارد طبيعية معتبرة، خاصة في قطاع الذهب والمعادن، إضافة إلى إمكانات زراعية ضخمة غير مستغلة بالكامل. إذا أُحسن تنظيم هذه الموارد، وجرى تحويل جزء من عائداتها إلى استثمارات طويلة الأجل، فإن الصندوق السيادي قد يصبح أداة فعالة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
غير أن الطريق إلى ذلك يمر عبر بناء مؤسسة قوية، لا مجرد إنشاء كيان شكلي. فالصندوق السيادي الناجح يحتاج إلى قانون واضح يحدد أهدافه وحدود تدخله، ويضع قيودًا صارمة على السحب من موارده. كما يحتاج إلى إدارة مستقلة، تُختار على أساس الكفاءة والخبرة، لا على أساس الانتماء أو الولاء. والأهم من ذلك، يحتاج إلى نظام شفافية يضمن اطلاع الرأي العام على أدائه، ويخضعه للمساءلة المستمرة.
ومن الناحية الهيكلية، قد يكون من المناسب للسودان تبني نموذج مرن يجمع بين أكثر من وظيفة. فهناك حاجة إلى آلية لامتصاص الصدمات الاقتصادية، خاصة في ظل تقلبات أسعار السلع. وهناك حاجة أخرى إلى ادخار جزء من الموارد للأجيال القادمة، بدل استهلاكها بالكامل في الحاضر. كما أن توجيه جزء من الاستثمارات إلى الداخل، في مجالات مدروسة مثل البنية التحتية والتصنيع الزراعي، يمكن أن يسهم في تحفيز النمو وخلق فرص عمل.
لكن، في المقابل، تبرز مخاطر حقيقية لا يمكن تجاهلها. أول هذه المخاطر هو تحويل الصندوق إلى أداة لتمويل الإنفاق الحكومي، وهو ما يؤدي إلى استنزافه بسرعة. كما أن خطر التسييس يظل حاضرًا، وقد يقوض استقلالية القرار الاستثماري. ويُضاف إلى ذلك ضعف الشفافية، الذي يمكن أن يحول الصندوق إلى مساحة مغلقة لا تخضع للرقابة، بما يفتح الباب أمام الفساد أو سوء الإدارة.
الخطر الأكبر، ربما، هو أن يُستخدم الصندوق كذريعة لتأجيل الإصلاحات الحقيقية. فبدل معالجة مشكلات الإنتاج، والضرائب، وبيئة الأعمال، قد يتم التعويل على عوائد مستقبلية غير مؤكدة، وهو رهان محفوف بالمخاطر.
في نهاية المطاف، لا يمكن النظر إلى الصندوق السيادي باعتباره حلًا سحريًا. هو أداة، قد تكون فعالة جدًا، لكنها تعمل فقط ضمن منظومة متكاملة من السياسات والمؤسسات. وإذا أُنشئ في بيئة ضعيفة، فسيعكس هذا الضعف، وربما يفاقمه.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى أدوات مالية جديدة، بل إلى إعادة بناء الثقة في الاقتصاد، وتعزيز الإنتاج، وترسيخ قواعد الحكم الرشيد. في هذا السياق، يمكن للصندوق السيادي أن يكون جزءًا من الحل، لكن بشرط أن يُفهم على حقيقته: وسيلة للإدارة الرشيدة للثروة، لا بديلًا عن إنتاجها.
وبين الأمل المشروع والحذر الواجب، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع السودان أن يتعلم من تجارب الآخرين، أم سيكرر أخطاءهم؟ الإجابة لا تكمن في إنشاء الصندوق، بل في كيفية تصميمه، وإدارته، وربطه بمشروع وطني أكبر لإعادة بناء الاقتصاد والدولة معًا.



