ثقافية

الذاكرة السودانية: بعد صدور المجلد الأول من أعماله الكاملة … مع جمال محمد أحمد في المصطبة (1 من 2)

محمد الشيخ حسين

من الأخبار المفرحة في سماء السودان المحزنة صدور المجلد الأول من الأعمال الكاملة لجمال محمد أحمد. .
ويعد صدور الأعمال الكاملة للأديب والمفكر والدبلوماسي جمال محمد أحمد (1915 ــ 1986) واحداً من أضخم الإنجازات الثقافية التي شهدها السودان، ولعلها المرة الأولى لصدور الأعمال الكاملة لمؤلف سوداني خلال 500 سنة تبدأ من العام 1504.

وعلى المستوي الشخصي يعيدني ذلك إلى حوار على المصطبة أجريته مع الأستاذ جمال محمد أحمد في أكتوبر 1985 وهنا الجزء الأول منه:

كتابات الأستاذ جمال محمد أحمد أعجبتني منذ الصغر ولمست لحظتها وترا عميقا في نفسي فحفظتها وكنت أعود إليها بالصدفة حينا وبالقصد أحيانا أخرى وإذ بالعطر لا يزال يفوح منها وهكذا تبقى كتابات جمال محمد أحمد وتزداد حيوية وشبابا وإشعاعا مع الزمن.

وهذه الجلسة على المصطبة تأتي بعد أيام من عيد ميلاده السبعين وتجاهلت الاحتفال بالسنين عمدا لأن عمر جمال محمد أحمد في تقديري تحول إلى شجرة مثمرة مورقة شامخة ثابتة ولست في حاجة إلى القول إن عظمته ككاتب تقاس بقدرته على إحداث الدهشة الفكرية وسط قرائه ومواطنيه وهو في الغالب يقوم برحلة (نبش) وبحث بين ركام الأوراق والتاريخ ليقدم شخصيات مضيئة صادقة كانت كل شخصية شاهدا على عصرها وشهيدا له في نفس الوقت. وما بين صالون استقباله وحجره مكتبه وغرفة نومه لا يوجد موضع شبر إلا وفيه كتاب دار هذا الحوار.

الإنسان ابن بيئته الأولى، إلى أي مدى أثرت بيئة سره شرق حيث النيل والنخيل وعوالمهما التي تكسب النفس صفتي الحنية والنداوة إلى أي مدى أثرت في حياة جمال محمد أحمد الآن؟

سرح الأستاذ جمال بعيدا وكأني به ركب قاطرة الزمن وراح من خلف زجاج النافذة يستعيد شريط ذكرياته ثم يجيب قائلا: كلما تقدمت بي السن يعاودني الحنين إلى مراتع الصبا وأحس في العودة بأن هناك نوعا من الجنة قد فقد وسعيت إلى تعويض هذه الجنة المفقودة بالأسفار واختيار الأماكن التي قد تشابها، ومع ذلك فلم يكن باستطاعتي تعويض متعة العمل في الساقية وهذه المتعة كانت تجبرني على الاستيقاظ مع نسمات الفجر في عز الشتاء مع انحسار النيل في مثل هذه الأيام. وبعد هذه اليقظة في عز البرد اذهب مع أهلي لنقل الماء إلى بئر الساقية وإزالة الطمي والطين منها.
ومع مطلع الشمس اركب (حمارتي) واذهب إلى الكتاب وهذه متعة افتقدتها ولم استطع تعويضها بالأسفار أو القراءات. أنا قروي ولا يمكن لمرور الزمن أو اختلاف الأماكن أن يؤثرا في طبيعتي القروية ولذا فان أثر (سرة شرق) تجده في معظم كتاباتي وإن جاء على غير وعي منى.
ومجتمع القرية الصغيرة في سرة شرق هو الذي رعى عقلي منذ الصغر وسرت بفضل الله في ذلك المجتمع بالذهاب إلى المدرسة. وهذه الميزة جعلتني أقضي وقتا طويلا مع الكتب وكنت أجلس على (مصطبة) منزلنا في سرة شرق، وأقرأ (هـ. ج ويلز) عن تاريخ العالم الذي استهله من بابل وآشور. اعترف أنني لم أكن افهمه جيدا، لكنني ارتبطت به واستمررت في القراءة وشغفت بها واكتشفت متعتها الحسية أكثر من متعتها العقلية آنذاك. وهذه الآثار مازلت أتذكرها بشئ من الحنين.

من الحنين نلاحظ أن أعمالك المؤلفة والمترجمة يغلب عليها الطابع الشعري حتى مثلا كتاب (الدولة الاتحادية) الذي يتحدث عن نظم سياسية واقتصادية (طريقة حياة) كتب بلغة شاعرة، أليس يعنى هذا أن في عقلك شاعرا؟

عبر مساحة من الهدوء (المبتسم) يجيب قائلا: جميل منك أن تمس هذا الجانب لأنني في مطلع الصبا الباكر حاولت أن اكتب شعرا، ولكنى انصرفت عنه لعناء كتابة الشعر ثم أن الشعر من حولي كان في قمته وكثافته وكنا نحتفي بمختارات الشعر السوداني التي جمعها أسعد رستم.
ولم ألبث قليلا حتى قرأت لشوقي وحافظ والزهاوي وجال في ذهنا أنني لن ابلغ مبلغ هؤلاء إلا بعد عناء وتفرغ والشعر نفسه امرأة غيورة تتطلب الإخلاص وروائح عصرنا كانت تطالب أبناء جيلنا أن يكونوا متعددي الاهتمامات وأن يأخذوا من كل نبع قطرة.
ولهذه الأسباب وجدت سفينتي تبحر بعيدا عن عوالم الشعر. أما اللغة الشاعرة التي تتحدث عنها في كتبي ربما يكون مبعثها احتفائي واهتمامي بالشعر الذي التصقت به سواء كان عربيا من مختلف مراحله أو غيره من شعراء العالم المميزين.
واعتقد أننا جميعا نعود من وقت لآخر للشعر ورجاله وأنا أعود من وقت آخر إلى شكسبير وروائعه.

هجرت دنيا الشعر لأنك أدركت انك لن تبلغ مبلغ شوقي وحافظ ولجأت إلى النثر بهذه النظرة لو لمحنا الشعر السوداني المعاصر نجد أن أمير شعرائنا كما لو وقفوا في نقطة معينة وأضرب لك مثلا بمحمد المكي إبراهيم؟
بعد أن يطفئ سيجارته الثانية ويلقي بعقبها بقول: يبدو أن السوداني (بخيت) في المقدمات ثم ما تلبث أن تدركه المشاغل الذهنية الأخرى وتصرفه عن الانقطاع إلى الشعر والشعر كما قلت (امرأة غيورة) تتطلب العناية والحرارة، ولكن مشاعل الحياة صرفت بعض شعرائنا عن الاهتمام بهذه الغيورة ولكن الذين انقطعوا تماما له مثل محمد المهدي مجذوب تكاد ترى جديدا في كل قصيدة كتبها وصلاح أحمد إبراهيم كذلكم، ولو أنك عرفت هذين الشخصين كمعرفتي يهما لأدركت أن غير الذي يكتبونه مستحيل حدوثه.
وصلاح أحمد إبراهيم يعيش داخل الأشياء وخارجها ويكتبها بحرارة البعض يعتقد أنها مسرفة، ولكنه شاعر. ولا ننسى عشق محمد المهدي المجذوب للغة العربية جعلت ألفاظه تصور الواقع بصورة دقيقة.
ومع هذا فانك تجد من شغلته الحياة فينصرف إلى همومها وينقطع عن الشعر.
وربما تكون ملاحظتك عن محمد المكي إبراهيم سليمة، ولكنك لا تنسى أن محمد المكي شرع في فترة من الزمن يكتب عن الفكر السوداني، وهذا يعنى انه أضاف إلى موهبته الشعرية بعدا آخر وهذا ما جعل الشعر عنده يأخذ المقعد الخلفي والاهتمام الجديد يأخذ المعقد الأمامي.
ولا أرغب في إطالة الحديث عن شعرائنا، ولكن من عيب الشؤم أن نتحدث عن الشعر والشعراء ولا نذكر كجراي بكثير من العاطفة لأنه شاعر العاطفة.

ودعنا الشعر وعوالمه لكي ندخل في صحراء الرواية السودانية والملاحظ أنه منذ أن قادنا الطيب صالح في مطلع الستينات إلى موكب الرواية العربية باستثناء جزيرة العوض، وقفت تماما الحركة الروائية السودانية ما هو تعليلك لهذه الظاهرة؟
بعد أن يرشف من فنجان قهوته التي تشبه لون الغروب يقول الأستاذ جمال: هذه ظاهرة جديرة بالوقوف عندها وفعلا الطيب صالح كان شمسنا المشرقة، ولكن اسمح لي أن أتحدث عن أثر الحياة العامة، ويبدو لي أن تعس الحياة بعد الستينات والمنطقة العربية التي نروى عنها لم تر غير الهزائم. والهزائم صحيح تثير العاطفة وتلهب الخيال ولكنها أحيانا تثير العاطفة بالشكل الذي يصعب على كاتب الرواية أن يعبر عنه.
واتفق معك في أن القطار مازال متوقفا وتعليلي للتوقف الخيبات الكثيرة التي أصابتنا في السنوات الأخيرة ولا سيما أن بريق الستينات قد خبأ وأضحت الحياة أكثر صعوبة.

بعض القراء يعتقدون انك تكتب كلاما غير مفهوم، بل أنه أحيانا تتعمد الغموض في كتابتك؟
تأتي الإجابة هادئة عبر مساحة من الاطمئنان: الكلمة لها عندي قدسية وأنا امقت التكرار ومسألة الكتابة للجماهير العريضة أضرت كثيرا بطريقة الكتابة نفسها وأنا أومن تماما بنظرة أستاذنا العقاد في أن يرتفع الكاتب بمستوى القراء وليس المطلوب أن يهبط الكاتب إلى مستوى القراء ويترتب على هذا الحديث الدائر حول اضمحلال مستوى اللغة العربية.
والدور المطلوب لوقف هذا الاضمحلال هو أن يرقى الآخرون بالكتابة ويصونوا قدسية الكلمة والعبارة فكرة وإذا كانت الفكرة جديدة فهذا أمر مفيد للقارئ في البحث والاستزادة.

وموضة الكتابة السهلة للجماهير بدأت مع محمد التابعي وكان اهتمام التابعي بالمواضيع الاجتماعية والسياسية دافعا له في الكتابة السهلة، ومما بجدر ذكره أن التابعي لم يبتذل نفسه أو قلمه والمؤسف أن طريقة التابعي المبتدعة شوهها الآخرون وافتقدت حلاوة وسلاسة التابعي؟
ومن هنا اتجهت إلى الأسلوب الذي يرسخ في ذهن القارئ دون إعادة أو تكرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى