رأي

هدنة على حساب الدم السوداني؟  رسالة مفتوحة إلى الرئيس البرهان والشعب السوداني

 

مهندس طارق حمزة زين العابدين

لا يمكن إقرار هدنة على حساب الدم السوداني، ولا سلام يمر فوق جراح الناس دون عدالة وإنصاف؛ هذه هي خلاصة السؤال الكبير الذي يطرحه السودانيون اليوم، وهم يتابعون الدعوات المتكررة لإقرار هدنة إنسانية. فالشعب السوداني وقيادته يتطلعون إلى الأمن والاستقرار، لكنهم يريدون سلامًا قويًّا يستعيد الحقوق ويردع المتمرد، لا سلامًا يُكافَأ فيه الجاني وتُنسى فيه جرائمه، ولا اتفاقًا يجمِّل وجه المليشيا ويمحو ذاكرة الضحايا.

 

فإذا توقفت المعارك اليوم، فما هو مستقبل المليشيا وداعميها؟ وما مصير الشهداء والجرحى والنازحين؟ ومن الذي سيقتص لأهل الفاشر والجنينة والجزيرة والخرطوم وسائر المدن السودانية التي ارتوت بالدماء ودفعت ثمنًا فادحًا في الأرواح والديار والكرامة؟

كيف يمكن أن تُطوى صفحة التهجير القسري لقبيلة المساليت من أرضها، وأن يُنسى دفن الآلاف أحياءً، بلا عدالة ولا قصاص؟ وكيف نُقنع ملايين المكلومين بأن وقف إطلاق النار – في صيغته المطروحة – سيُعيد لهم حقهم، لا أنه سيمنح المليشيا فرصة جديدة لالتقاط أنفاسها، وإعادة التسليح، وإعادة التموضع، استعدادًا لجولة أخرى من الحرب على الشعب السوداني؟

 

هذه الأسئلة، وما هو أعمق منها، تتردد في ضمير الملايين من أبناء الوطن، فلا يجدون جوابًا صريحًا أو ضمانات حقيقية، بل يسمعون عبارات عامة عن “السلام” و ”الوضع الإنساني”، بينما تظل يد المجرم طليقة وسلاحه حاضرًا وتهديده قائمًا.

 

نقول للولايات المتحدة الأمريكية، وهي تتصدر مبادرات الهدنة ووقف إطلاق النار لأسباب إنسانية معلنة: إن الشعب السوداني وقيادته يقدّران أي جهد صادق لتخفيف المعاناة وإيصال المساعدات، لكن إدخال الغذاء والدواء لا يستلزم كسر شوكة السودانيين وجيشهم، ولا يقتضي إيقاف معركة الكرامة التي يخوضونها دفاعًا عن أرضهم وأعراضهم.

 

لقد قدّمت الولايات المتحدة نفسها نموذجًا حيًّا حين رأت أن أمنها مهددًا بتدفقات المخدرات من أمريكا الجنوبية ومن فنزويلا، كما صرّح الرئيس ترامب؛ فاعتبرت ذلك مساسًا بأمنها القومي، وتحركت عسكريًّا، بل وصلت إلى حد اختطاف رئيس دولة وتقديمه للمحاكمة، تحت شعار حماية الشعب الأمريكي. فبأي منطق يُمنع الشعب السوداني وجيشه من الحق نفسه في حماية أرضه وشعبه؟ ولماذا لا يُستثمر ثقل القوى العسكرية والاقتصادية العظمى في ردع هذه المليشيا، ونزع سلاحها، ومحاسبة قادتها وكل من أجرم في حق السودانيين، ما دام الجميع يعرف هوية الجناة ومسؤوليتهم عمّا جرى ويجري؟

 

هذا السؤال لم يعد نقاشًا سياسيًّا في الصالونات، بل بات سؤال كل بيت سوداني، وكل أسرة دفعت شهيدًا، وكل نازح فقد بيته، وكل أمّ تنتظر عودة ابنها من المتاريس.

 

رسالة الشعب السوداني إلى الرئيس البرهان وقيادة الجيش رسالة واضحة لا لبس فيها، ويجسدها قول الشاعر أمل دنقل وهو يصرخ بوجه كل مساومة على الدم:

 

لا تُصالحْ على الدمِ… حتى بدمْ

لا تُصالحْ! ولو قيلَ رأسٌ برأسٍ

أكلُّ الرؤوسِ سواءٌ؟

أَقلبُ الغريبِ كقلبِ أخيكْ؟

أَعَيْناهُ عينا أخيكْ؟

 

إن الجيش السوداني، ومن خلفه جموع السودانيين، يخوض اليوم حرب كرامة أعادت إلى هذا الشعب بعضًا من عزته وكبريائه، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة حين تكون المعركة دفاعًا عن البقاء. وعلى السياسيين الصادقين، وعلى الأحزاب التي تزعم انحيازها للوطن، أن يقفوا بوضوح وقوة خلف جيشهم وشعبهم، وأن يترفعوا عن التشاكس والصراعات الصغيرة؛ فلا سلطة بلا وطن، ولا وطن بلا جيشٍ يحميه ويحرس حدوده وهيبته.

وليعلم الشعب السوداني أنه يقف في هذه المعركة شبه منفرد ؛ لا سند حقيقي له إلا جيشه ووحدة صفه، ومن قبل ومن بعد عون الله سبحانه وتعالى، فهو الناصر والمعين. أما العالم من حولنا فيسعى – عن قصد أو عن جهل – لتفتيتنا، ويستعين بمن ارتضى لنفسه أن يكون أداة ضد أهله وبلده، ويمكرون، ومكرهم عند الله مردود، وإن هوى من مكرهم نجم في السماء فلن تهوي إرادة هذا الشعب:

 

العاَلمُ الآنَ يسعى كي يُفرّقَنا

ويستَعينُ بمن منَّا لهُ امتَثَلوا

ويمكرونَ.. وعندَ اللهِ مَكرُهُمُ

وإنْ هوى قِطَعًا من مَكرِهِمْ زُحَلُ

 

والسؤال الذي يتكرر على ألسنة الناس: لماذا، كلما تقدمت قواتنا المسلحة على الأرض، ودحرت المليشيات، واستعادت مدينة بعد أخرى، علت الأصوات من المجتمع الدولي والقوى الكبرى مطالبةً بالهدنة ووقف إطلاق النار؟ لماذا لا نسمع الحماسة نفسها للهدن حين كانت المليشيا تعبث بالخرطوم ودارفور والجزيرة، وتقتل وتهجّر وتنهب وتدمّر؟

من هنا يأتي الرد، من خلف الشعر وصوت الضمير:

 

لا تطلُبي من يد الجبار مرحمةً

ضعي على هامةٍ جبارةٍ قدما

 

باسم النظامات لاقت حتفَها أممٌ

للفوضوية تشكو تلْكم النظما

 

لا تجمع العدلَ والتسليحَ أنظمةٌ

إلا كما جمعوا الجزارَ والغنما

 

من حيث دارتْ قلوبُ الثائرين رأتْ

من السياسةِ قلباً بارداً شبما

 

من قلب هذا الوعي، ومن منبر الشعب السوداني، نتوجه بالخطاب إلى القوى السياسية والحركات الوطنية وجموع السودانيين:

قفوا خلف قيادتكم وجيشكم، واحتكموا لبعضكم البعض، ولا تجعلوا الأجنبي حكمًا بينكم؛ فالأجنبي – مهما تلطف في العبارات – خصم في صميم مصالحه، ومن الخطأ الفادح أن نرتضي الخصم حكمًا في قضايانا

 

يا أمةً لخصوم ضدها احتكمت

كيف ارتضيتِ خصيماً ظالماً حكما

 

بالمِدفع استشهدي إن كنت ناطقةً

أو رُمْتِ أن تسمعي من يشتكي الصمما

 

وبالمظالمِ رُدي عنك مظلمةً

أولا فأحقر ما في الكون مَنْ ظُلِما

 

سلي الحوادثَ والتأريخَ هل عرفا

حقا ورأياً بغير القوةِ احتُرما

 

أما الجيش السوداني وقائده الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، فنخاطبهم بما قاله المتنبي، وهو يضع الحدّ الفاصل بين الكلام والفعل:

 

السَّيفُ أصدقُ أنباءً من الكُتُبِ

في حدِّهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ

 

إن السودانيين من خلفكم يثقون بكم وبحسن تقديركم للمواقف، ويعلمون أنكم – مثلهم – تتطلعون إلى السلام والأمن ووقف الحرب، ولكن ليس إلى سلام الاستسلام والخنوع، بل إلى سلام يعيد للسودانيين كرامتهم، ويقتص لدمائهم، ويؤسس لدولة عادلة مهابة لا تعود فيها المليشيا للتهديد أو الابتزاز.

ونختم هذه الرسالة بنداء صريح للرئيس البرهان ولقواتنا المسلحة، يستلهم ما في وجدان الشعب من تصميم:

 

مقدارُ شبرٍ لا نُضيِّعُ لا نُبالي بالخواتمِ

 

من كان يطمحُ للسَّلامِ مع العدوِّ تراهُ واهمْ

 

فقُبيلَ توقيعٍ هزيلٍ.. اعبرِ الأسلاكَ هاجِمْ

 

فالسِّلمُ ليسَ مع الذِّئابِ فلا تكن أبدًا مسالمْ

 

ثم نردد مع جموع شعبنا، تأكيدًا لوحدة المصير ووحدة الدم:

يا عنصري يا مغرور

كل البلد دارفور

يا أجنبي يا مغرور

كل البلد دارفور

 

هذه هي كلمتي، صرخة ضمير ورسالة تحذير، وعهد أمام الله والتاريخ بأن لا تُباع كرامة السودان في سوق التسويات، ولا تُغطّى جراحه بورقة هدنة تُعيد السلاح لصدور أبنائه من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى