هذا، و… بعد! : كيف تُدار الخسارة لتتحول الى مكسب؟

صِدِّيْق نورين _ صِدِّيقُوف
في الحرب كما في السياسة أو غيرها من مناحي الحياة عامة، ليست كل خطوة إلى الوراء تعتبر هزيمة؛ فأحيانًا تكون قفزة في الظل البارد قبل الوثب إلى الضوء السّاطع.
وهذا ما يفهمه بالضرورة حتي هواة “التحليل الفوري” الذين يقيسون النصر لا بطول النفس وكفاءة الرئتين، وإنما بعدد الأمتار .
وفي التاريخ الموثق ما يملأ كتبا، فخذ مثالا على ذلك ما جرى في كييف عام 1941.
فحين اجتاحت جيوش هتلر أوكرانيا كالسيل، انسحب الجيش الأحمر، وما أدراك ما الجيش الأحمر!… حينما انسحب بعد معركة مروعة خسر فيها أكثر من نصف مليون جندي، وأُسِر منه 600 ألف آخرون، حُسِبَ ذلك هزيمة، لكن ما حدث بعد ذلك كان شيئا مختلفا ومغايرا نسف وجبّ فكرة الهزيمة، إذ في العرف العسكري العادي، اعتبر الإنسحاب ليس هزيمة فحسب، بل “نهاية النهايات”، بيد أن ستالين — بعناده الشهير — جعل الإنسحاب ((بداية جديدة)) . فأمر بتطبيق استراتيجية “الأرض المحروقة”: يحرقون كل شيء خلفهم… حتى لا يجد العدو غير الرماد…. ((راجع بوستي السابق حول المقاومة الشعبية في روسيا)).
عامان كاملان مضيا، ثم ما فتئ الروس أن عادوا وعاودا، لا ليحرروا كييف فحسب، هذه المرة، بل ليزحفوا حتى برلين نفسها، عاصمة النازية، عاصمة هتلر ويدخلوها عنوة واقتدارا، ما سجّله لنا التاريخ.
ولقد كان انتصار الروس ذاك انتصارا من رماد الهزيمة.
لا، بل وليس الروس وحدهم من جرّبوا هذه الحكمة.
فحين حوصر البريطانيون في دنكيرك (1940)، أنقذوا أنفسهم بالانسحاب إلى البحر. حينها صحف لندن كتبت عن “كارثة دنكيرك”، لكن ونستون تشرشل قال عبارته الخالدة:
“الحروب لا تُربح بالانسحابات، ولكن لا تُخاض بدونها.”… يا ترى هل قال البرهان مثلها؟!
وبالفعل، عاد أولئك المنسحبون أنفسهم بعد أربع سنوات، عبر الشاطئ ذاته، في إنزال النورماندي، ليحسموا الحرب ضد هتلر.
والروس في واقعة أخري، في حربهم مع نابليون، انسحبوا من عاصمتهم موسكو وأحرقوها خلفهم، ثم دخلوا باريس.
وليس الروس والبريطانيون وحدهم، فالصينيون انسحبوا أمام اليابان، ثم عادوا بعد ثماني سنوات وفرضوا شروطهم.
وفي التاريخ الإسلامي مندوحة!!.. فخالد بن الوليد انسحب من مؤتة بجيش صغير، ثم عاد بعد عامين وفتح الشام كلها.
وإذن، فالانسحاب في جوهره ليس ضعفًا، بل فن من الفنون والإبداعات العسكرية أن تدار الخسارة حتى تتحوّل إلى مكسب… ذلك حتى وإن كان هنالك عقل يقول: لا جدوى من الموت في المكان الخطأ، فالأرض يمكن أن تُستعاد، أما الرجال، فإن فقدتهم مرة، لن تعوّضهم بألف نصر.
فهل ما حدث في الفاشر يمكن أن يكرر ما حدث في النماذج التاريخية المذكرة آنفا، علما بأن هناك يوجد غيرها؟! :
إنه في بلادنا، حيث تُلعب المعارك اليومية بين الحروب الصغيرة والسياسية، قد نرى كثيرين يهرولون إلى الانتصارات قبل أن يحين وقتها، بل ذلك مما نرى ونقرأ ونسمع في السوشيال ميديا وغيرها.
لكن التاريخ يعلمنا أن الانسحاب اليوم ليس استسلامًا، بل تأجيل حكيم للنصر، وأن من ينسى إمكانية العودة، يغدو ضحية الزهو المبكر.
هكذا – كما في كييف ودنكيرك ومؤتة، ويبقى السؤال: هل نملك الصبر لنعود ونحن أقوى؟.



