رأي

بين العقوبات الدولية وصراع المصالح في السودان .. هل هو الإرهاب أم السياسة؟ 

د. مزمل سليمان حمد

حين تتحول قوائم الإرهاب إلى أداة في معادلات السياسة الدولية، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام حرب على الإرهاب حقًا، أم أمام صراع مصالح يُدار بلغة التصنيفات والعقوبات؟

ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها الولايات المتحدة سلاح التصنيف الإرهابي في التعامل مع السودان. فالتاريخ القريب يشهد بأن هذا الملف ظل واحدًا من أكثر أدوات الضغط السياسي تأثيرًا في مسار الدولة السودانية وعلاقاتها الدولية. واليوم، ومع تجدد الحديث عن إدراج كيانات سودانية مثل (الإخوان المسلمين) و (لواء البراء) في دائرة التصنيف، يعود السؤال القديم بصيغة جديدة: هل يتعلق الأمر فعلًا بمحاربة الإرهاب، أم أننا أمام فصل جديد من فصول إدارة الصراع السياسي في السودان عبر أدوات الضغط الدولية؟

في خضم التطورات السياسية والعسكرية التي يشهدها السودان، عادت مسألة التصنيفات الأمريكية للإرهاب لتفرض نفسها على النقاش العام، خاصة مع الحديث عن إدراج بعض الكيانات المرتبطة بالساحة السودانية ضمن قوائم العقوبات أو التصنيفات المرتبطة بالإرهاب. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا يتم التركيز على هذه الجهات تحديدًا؟ وما الخلفيات السياسية والاستراتيجية التي تقف وراء ذلك؟

من المعروف أن الولايات المتحدة تمتلك منظومة قانونية وسياسية واسعة لتصنيف الأفراد والجماعات والدول ضمن قوائم الإرهاب (التصنيف الأمريكي) وقد سبق أن أدرجت واشنطن السودان نفسه ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ عام 1993 وحتى عام 2020، وهو تصنيف أثّر بعمق في الاقتصاد السوداني وعلاقاته الدولية، رغم أن تلك الفترة شهدت تحولات سياسية واقتصادية داخل البلاد.

غير أن التصنيفات الأمريكية لا تُقرأ دائمًا في إطار قانوني صرف، بل كثيرًا ما تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والاستراتيجية. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن واشنطن تستخدم أحيانًا أداة التصنيف كوسيلة ضغط سياسي أو كجزء من إدارة الصراعات الإقليمية، وليس فقط استنادًا إلى معايير أمنية بحتة.

وفي هذا السياق، يبرز الجدل حول استهداف الحركة الإسلامية في السودان، والتي أسماها القرار “جماعة الإخوان المسلمين” ، وهي حركة سياسية ذات جذور تاريخية ممتدة في الحياة السياسية السودانية منذ عقود، كما يظهر الحديث عن «لواء البراء» الذي ارتبط اسمه بالسياق العسكري في الحرب الدائرة في السودان. وهم شباب تقدموا مجتمع السودان للدفاع عنهم وضد همجية وإرهاب الجنجويد الذين مارسوا الإرهاب الحقيقي على الأبرياء والعزل من أهل السودان واغتصبوا وسلبوا وقتلوا الآلاف من اهل السودان…

ويرى بعض المراقبين أن التركيز على هذين الكيانين قد يكون مرتبطًا بعدة عوامل، من بينها طبيعة الاصطفافات السياسية داخل السودان، ومحاولات إعادة تشكيل المشهد السياسي بعد الحرب، إضافة إلى الضغوط الدولية المرتبطة بملف النزاع. بعد أن أوشكت القوات المسلحة السودانية مسنودة بالقوات المشتركة والمستنفرين أن تحرر بقيه أجزاء كردفان ودافور من دنس إرهاب المليشيا المتمرده.!!

كما أن البيئة الإقليمية تلعب دورًا مهمًا في مثل هذه القرارات. فالصراعات في المنطقة، وتداخل المصالح بين القوى الدولية والإقليمية، تجعل من ملف الإرهاب أحيانًا ساحة لتصفية الحسابات السياسية أو إعادة ترتيب موازين القوى.

وإذا نظرنا إلى التجربة الدولية في مسألة التصنيفات الإرهابية، نجد أن هذه الأداة أصبحت في كثير من الأحيان جزءًا من أدوات السياسة الدولية، وليست مجرد توصيف قانوني محايد. فالتاريخ القريب يبين أن دولًا وحركات كثيرة انتقلت من خانة “الإرهاب” إلى خانة “الشريك السياسي” بمجرد تغير المصالح الدولية أو تبدل موازين القوى.

وفي الحالة السودانية، يزداد الجدل لأن البلاد تمر بمرحلة حرب معقدة تتداخل فيها الأطراف المحلية مع مصالح إقليمية ودولية متعددة. لذلك فإن أي تصنيف يصدر في هذا الظرف لا يُقرأ بمعزل عن الصراع الجاري ومحاولات التأثير في مآلاته السياسية والعسكرية.

كما أن كثيرًا من المتابعين يطرحون تساؤلات حول الانتقائية في التعامل مع ملف الإرهاب، خاصة في ظل اتهامات متكررة بتقديم دعم مالي أو عسكري لبعض الجماعات المسلحة في مناطق مختلفة من العالم دون أن يترتب على ذلك تصنيفات مماثلة. وهذا ما يجعل مسألة التصنيف موضع نقاش سياسي واسع، ليس في السودان وحده، بل في العديد من دول العالم.

ومن هنا فإن القضية لا تتعلق فقط (بالحركة الإسلامية أو بلواء البراء) بقدر ما تتعلق بمبدأ أوسع: هل يتم تطبيق معايير مكافحة الإرهاب بصورة عادلة ومتوازنة على جميع الأطراف، أم أن السياسة الدولية تظل العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد من يُصنَّف ومن لا يُصنَّف؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تظل مفتوحة، لكنها تذكّرنا بحقيقة أساسية مفادها أن استقرار الدول لا يتحقق عبر العقوبات والتصنيفات وحدها، بل عبر معالجة جذور الأزمات السياسية وبناء توافقات وطنية قادرة على إنهاء الصراعات وفتح الطريق نحو مستقبل أكثر استقرارًا.

وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم من التجارب الدولية أن التصنيفات والعقوبات لا تستطيع وحدها أن تصنع الاستقرار ولا أن تنهي الصراعات. فالتاريخ يثبت أن الدول لا تُبنى بقرارات خارجية، بل بإرادة شعوبها وقدرتها على إدارة خلافاتها وبناء مشروع وطني جامع. أما التصنيفات الدولية، مهما بلغت قوتها، فإنها تبقى في نهاية المطاف جزءًا من لعبة السياسة العالمية، حيث تختلط الاعتبارات الأمنية بالمصالح الاستراتيجية، وتتداخل الشعارات مع حسابات النفوذ والقوة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى