رأي

مصر والسودان: عودة الأحادية الذكية ودفنٌ هادئ لآلية الرباعية

مهند عوض محمود

وصل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى بورتسودان صباح الثلاثاء 11 نوفمبر 2025 في زيارة رسمية ناقش فيها مع القيادات السودانية تطورات الحرب وأطر التعاون المباشر؛ مؤكداً دعم القاهرة للمؤسسات الوطنية السودانية وعلى رأسها الجيش؛ وناقلاً رسالة تضامن من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أخيه الفريق اول عبد الفتاح البرهان ، رئيس مجلس السيادة . الزيارة التي قُدّمت في الإعلام بوصفها دعماً للاستقرار والسلام؛ تحمل في جوهرها ملامح التحول الحقيقي في السياسة المصرية نحو ما يمكن تسميته بـ «الأحادية الذكية»؛ وهي عودة مصرية ممنهجة إلى العمل المباشر خارج بطء التعقيدات الرباعية التي لم تنتج سوى بيانات.

تسكيلة الوفد المصري المرافق لعبد العاطي وتشكيل الجانب السوداني الذي اجتمع به، هو تشكيل يوحي بأن اللقاء لم يكن بروتوكولياً بل تنفيذياً بامتياز؛ فوجود السفيريْن إلى جانب الوزيرين يعني أن ما دار في الغرفة يتجاوز المجاملات إلى ملفات محددة تتعلق بخطوط الإمداد والمعابر والتعاون الاستخباري وترتيبات ما بعد معركة الفاشر. الرسالة المصرية كانت واضحة: دعم المؤسسة العسكرية السودانية بصفتها الضامن الوحيد لوحدة البلاد واستقرارها؛ وتأكيد أن أمن السودان جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

في المقابل أرسلت الخرطوم إشارات سياسية صريحة عبر إعلامها الرسمي معلنة عدم اعترافها بآلية الرباعية الدولية؛ مع التأكيد على استمرار التعاون الثنائي مع ثلاث من دولها هي مصر والسعودية والولايات المتحدة؛ وهو موقف يُعدّ نقطة تحوّل في منهج التعامل السوداني مع المجتمع الدولي؛ إذ يعيد صياغة العلاقات من إطار رباعي متنازع إلى شراكات ثنائية مرنة تحقق المصالح الواقعية. اللافت أن هذا الإعلان تزامن مع الزيارة المصرية؛ الأمر الذي يعكس تنسيقاً غير معلن بين القاهرة والخرطوم حول فكرة دفن الرباعية عملياً دون إعلان رسمي؛ فالمسار الجديد يتكئ على منطق «العواصم الفاعلة» لا «الآليات الغائبة».

القبول المتبادل بين الخرطوم وهذه الدول الثلاث بالتعامل الثنائي ليس صدفة؛ فواشنطن تبحث عن قنوات اتصال سريعة تحفظ مصالحها الميدانية والإنسانية؛ والرياض تريد ضمان استقرار البحر الأحمر وسلاسل الإمداد؛ أما القاهرة فترى في السودان عمقها الاستراتيجي الذي لا يمكن تركه نهباً للميليشيات أو التدخلات الخارجية. هذه المصالح المتقاطعة جعلت من الثنائية صيغة عملية أكثر جدوى من الرباعية التي عطلتها الخلافات والتباينات في المقاربات. ومن هنا يمكن القول إن العواصم الثلاث لا تزال راغبة في السلام؛ لكنها باتت مقتنعة بأن إدارته من داخل إطار رباعي متآكل لم تعد مجدية.

الرباعية وُلدت أصلاً كمنصة لتنسيق الجهود بين مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة؛ غير أن التطورات الميدانية في السودان والانقسامات السياسية داخل الكتل الإقليمية جعلت استمرارها مجرد شكل بلا مضمون؛ لذلك اختارت الخرطوم أن تتعامل مع من يستجيب سريعاً ويتفاعل بواقعية؛ وأن تترك الباب مفتوحاً أمام من يريد دعم السودان خارج الشروط والتعقيدات. هذه المقاربة الجديدة تمنح الحكومة السودانية مساحة للمناورة السياسية؛ لكنها في الوقت ذاته تضعها أمام مسؤولية مباشرة؛ فالتعامل الثنائي يقاس بالنتائج لا بالتصريحات.

زيارة بدر عبد العاطي جاءت إذاً تتويجاً لهذا التحول؛ فهي ليست مجرد رسالة تضامن؛ بل خطوة عملية لإعادة بناء جسور التنسيق الاستخباري واللوجستي مع الجيش السوداني؛ وتأكيد أن مصر لن تنتظر توافقات شكلية تعيق حركتها في محيطها الحيوي. بهذا المعنى تعود القاهرة إلى دورها الطبيعي كحارس للجنوب وموازنٍ إقليمي قادر على ملء الفراغ عند الضرورة. ومع هذه الزيارة تكتمل ملامح ما يمكن وصفه بـ«الأحادية الذكية»؛ أي التحرك المنفرد المحسوب الذي يحافظ على الشرعية الدولية دون الارتهان إليها؛ ويخدم المصالح المشتركة دون الاصطدام بالمجتمع الدولي.

إن إعلان الحكومة السودانية عدم الاعتراف بالرباعية لا يعني انسحابها من مسار السلام؛ بل العكس تماماً؛ فهو محاولة لتأسيس مسار واقعي قائم على التنفيذ لا على الشعارات؛ ولعل القبول الأميركي والسعودي والمصري بهذا النهج يؤكد أن القوى الفاعلة باتت تدرك محدودية الأطر الجماعية في إدارة أزمات معقدة مثل السودان. بهذا تكون الرباعية قد وُئدت بهدوء؛ إذ لم يُعلن موتها رسمياً لكنها فقدت روحها ومبرر وجودها.

إن المشهد الجديد يضع على طاولة السودان فرصة نادرة لإعادة ترتيب أولوياته؛ فالعلاقة مع مصر لم تعد مجرد تنسيق سياسي؛ بل شراكة أمنية وإنسانية متداخلة؛ والعلاقة مع السعودية تُبنى على حماية البحر الأحمر والاستثمار في الاستقرار؛ فيما تبقي العلاقة مع الولايات المتحدة نافذة اتصال ضرورية لضمان الدعم الدولي ورفع العزلة الاقتصادية تدريجياً. أما القاهرة فقد رسخت بهذا التحرك موقعها بوصفها اللاعب الأقرب إلى فهم الخرطوم والأكثر استعداداً لتحمل مسؤولية توازن الجنوب.

من هنا يمكن القول إن زيارة بورتسودان لم تكن حدثاً عابراً؛ بل فصلًا جديداً في السياسة الإقليمية يعيد تعريف العلاقات ويحدّد اتجاهات المرحلة المقبلة؛ فبينما يشيّع العالم الرباعية إلى مثواها الأخير؛ تفتح القاهرة باباً لمرحلة جديدة عنوانها الواقعية والتنسيق الثنائي والمصالح المشتركة؛ وبذلك تثبت مرة أخرى أنها لا تكتفي بصناعة التاريخ في المتاحف؛ بل تصنعه في الجغرافيا الحية حيث تُرسم حدود الأمن ويُكتب مستقبل المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى