بنك السودان المركزي يمهل المصارف السودانية.. أم يبدأ غربلة الجهاز المصرفي؟

د. مروة فؤاد قباني **
لم يعد ملف رؤوس أموال المصارف في السودان مجرد قضية رقابية تبحث عن أرقام جديدة، وإنما أصبح جزءاً من سؤال أكبر: كيف نعيد بناء جهاز مصرفي قادر على الصمود وتمويل الاقتصاد بعد الحرب؟
منشور بنك السودان المركزي رقم (4/2026)، الصادر في 17 فبراير 2026 بشأن المتطلبات الرقابية لرأس المال المدفوع للمصارف، يحمل في تقديري رسالة تتجاوز كثيراً مسألة رفع الحد الأدنى لرأس المال. فالمنشور ألغى الحد السابق البالغ 100 مليون جنيه، ورفع المتطلبات الرأسمالية وفقاً لطبيعة المصرف ونشاطه، وحدد 230 مليار جنيه للمصارف التنموية الزراعية والصناعية، و140 ملياراً للمصارف التجارية، و140 ملياراً للمصارف الرقمية، و55 ملياراً لمصارف الاستثمار المالي، فيما تراوحت متطلبات مصارف التمويل الأصغر والصغير والمتوسط بين 35 و55 مليار جنيه.
الأهم من ذلك أن بنك السودان المركزي لم يكتفِ برفع رأس المال، وإنما وضع أمام المصارف القائمة خيارين واضحين لتوفيق أوضاعها: رفع رأس المال أو الاندماج.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.. هل نحن أمام مجرد مهلة للمصارف لتوفيق أوضاعها؟ أم أن المنشور يمثل بداية عملية غربلة وإعادة تشكيل للجهاز المصرفي السوداني؟
في تقديري، نحن أمام الاثنين معاً.. وتزداد أهمية هذا السؤال إذا وضعنا المنشور أمام حجم الجهاز المصرفي السوداني الحالي. فوفق القائمة المنشورة على الموقع الرسمي لبنك السودان المركزي، إذ يبلغ عدد المصارف العاملة والمدرجة في القائمة 38 مصرفاً، تضم مصارف ذات طبيعة ونماذج ملكية مختلفة، بينها المصارف الحكومية أو ذات المساهمة الحكومية، والمصارف الخاصة السودانية، والمصارف ذات المساهمات أو الملكية الأجنبية والعربية، إلى جانب المصارف المتخصصة والاستثمارية.. وهنا لا تكمن القضية في الرقم وحده، وإنما في السؤال الأهم: هل جميع هذه المصارف تمتلك القدرة المالية والتشغيلية والتقنية على الاستمرار في مرحلة ما بعد الحرب؟
إن وجود 38 مصرفاً لا يعني بالضرورة وجود 38 مؤسسة متساوية في القوة أو القدرة على تحمل المخاطر وتمويل الاقتصاد. ولذلك فإن منشور رأس المال الجديد قد يكون مدخلاً لإعادة رسم خريطة الجهاز المصرفي، وليس مجرد زيادة في أرقام رأس المال. فالمصرف الذي يستطيع استيفاء المتطلبات والاستمرار يجب أن يجد البيئة المناسبة للنمو، والمصرف الذي يحتاج إلى زيادة رأس المال ينبغي أن يقدم خطة واضحة لمصادر التمويل، أما المصرف الذي لا يستطيع منفرداً تحقيق المتطلبات فقد يكون الاندماج خياراً اقتصادياً أكثر واقعية.
كما أن تقييم المصارف لا ينبغي أن يقوم على الملكية وحدها؛ فالمصرف الحكومي ليس بالضرورة أقوى من الخاص، والمصرف الخاص ليس بالضرورة أكثر كفاءة، كما أن وجود مساهمة أجنبية لا يعني تلقائياً قوة المؤسسة. المعيار الحقيقي يجب أن يكون جودة الأصول، وكفاية رأس المال، والسيولة، والحوكمة، وإدارة المخاطر، والقدرة التقنية، وجودة الخدمة، والقدرة على تمويل الاقتصاد.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأكبر: هل يحتاج السودان فعلاً إلى 38 مصرفاً، أم يحتاج إلى عدد أقل من المصارف ولكن أكثر قوة ورأس مالاً وكفاءة؟
الجهاز المصرفي الذي دخل الحرب لم يعد هو الجهاز نفسه الذي خرج منها. أصول تضررت، فروع توقفت، أنظمة تشغيلية تعرضت لضغوط، مخاطر ائتمانية وتشغيلية ارتفعت، واحتياجات الاقتصاد أصبحت أكبر بكثير من قدرة عدد من المصارف على مواجهتها.
وفي الوقت نفسه، فإن مرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى مصارف مختلفة: أكثر قوة، وأكثر رسملة، وأكثر قدرة على إدارة المخاطر، وأكثر اعتماداً على التكنولوجيا، وأكثر استعداداً لتمويل الزراعة والصناعة والتجارة وإعادة الإعمار.
لذلك فإن زيادة رأس المال يجب ألا تُقرأ باعتبارها عقوبة للمصارف، وإنما باعتبارها خط دفاع أول لحماية المودعين واستقرار الجهاز المصرفي.
لكن هناك سؤالاً آخر لا يقل أهمية: هل زيادة رأس المال وحدها تجعل المصرف قوياً؟
الإجابة بالتأكيد لا.. فقد يمتلك المصرف رأس مال كبيراً، لكنه يعاني من ضعف جودة الأصول أو ارتفاع التعثر أو ضعف الحوكمة أو أنظمة تقنية غير مؤهلة أو إدارة مخاطر غير كافية. وبالتالي فإن المطلوب ألا تكون عملية توفيق الأوضاع مجرد جمع أموال للوصول إلى الرقم المطلوب، وإنما إعادة تقييم شاملة للمصرف وقدرته الحقيقية على الاستمرار.. وهنا أرى أن الاندماج يمكن أن يتحول من خيار اضطراري إلى فرصة تاريخية.
السودان لا يحتاج بالضرورة إلى عدد كبير من المصارف الصغيرة التي تتنافس على سوق محدود، وإنما يحتاج إلى مصارف قوية قادرة على تعبئة المدخرات وتوجيهها إلى القطاعات المنتجة. لكن الاندماج بين مصرفين ضعيفين لا يصنع بالضرورة مصرفاً قوياً.
ولهذا يجب أن يسبق أي عملية اندماج فحص حقيقي لجودة الأصول، والديون المتعثرة، والمخصصات، والسيولة، والالتزامات، والحوكمة، والأنظمة التقنية، والموارد البشرية، والالتزامات القانونية. وإلا فإننا قد ننقل المشكلة من مصرف إلى آخر بدلاً من حلها.
وفي المقابل، فإن عملية إعادة الهيكلة يجب ألا تكون مجرد عملية محاسبية، وإنما فرصة لإعادة تعريف دور المصرف في الاقتصاد السوداني الجديد.. فمصرف التنمية الصناعية لا يؤدي الوظيفة نفسها التي يؤديها المصرف التجاري، أو البنك الزراعي ،ومصرف التمويل الأصغر والصغير والمتوسط له دور مباشر في الشمول المالي وتمويل الشرائح المنتجة ورواد الأعمال، بينما المصرف الرقمي يمثل نموذجاً جديداً لا يعتمد أساساً على شبكة الفروع وإنما على التكنولوجيا.
ولهذا فإن التصنيف الجديد للمصارف خطوة مهمة، لكنه يجب أن يتطور إلى رقابة مصرفية قائمة على المخاطر وطبيعة النشاط، وليس فقط على حجم رأس المال.
والمصارف الرقمية تحديداً تحتاج إلى رؤية مختلفة. فالمصرف الرقمي لا يحتاج إلى رأس مال فقط، وإنما إلى بنية تحتية رقمية آمنة، وأمن سيبراني، وحماية للبيانات، واستمرارية أعمال، وأنظمة قوية لمكافحة الاحتيال وغسل الأموال، وربط فعال بمنظومة المدفوعات الوطنية.
أما مصارف التمويل الأصغر والصغير والمتوسط، فيجب أن نحذر من أن تؤدي المتطلبات الرأسمالية إلى تقليص دورها في وقت يحتاج فيه الاقتصاد السوداني بشدة إلى إعادة تشغيل المشروعات الصغيرة، وتمويل المنتجين، وإعادة سبل كسب العيش.
والمرحلة المقبلة تحتاج إلى أن تتحول فترة توفيق الأوضاع إلى برنامج إصلاح حقيقي، وأن يقدم كل مصرف خطة واضحة تتضمن مصادر زيادة رأس المال، وخطة أعماله، وجودة أصوله، واستراتيجيته الرقمية، وإدارة المخاطر، وقدرته على تمويل الاقتصاد.
كما ينبغي أن يقدم بنك السودان المركزي حوافز واضحة للاندماج، ويضع إطاراً قانونياً وإجرائياً سريعاً له، مع حماية حقوق المودعين والمساهمين، ومعالجة الأصول المتعثرة، ومنع انتقال المخاطر من كيان إلى آخر.
والأهم أن رأس المال الجديد يجب أن يتحول إلى قدرة تمويلية حقيقية. فلا قيمة لمصرف يمتلك رأس مال كبيراً بينما لا يستطيع تمويل الزراعة والصناعة والتجارة وإعادة الإعمار. المطلوب أن ترتبط زيادة رأس المال بخطط أعمال واضحة، ومؤشرات أداء، وقدرة فعلية على توجيه التمويل للقطاعات الإنتاجية.
فالمرحلة المقبلة ليست مرحلة إنقاذ المصارف بأي ثمن، ولا مرحلة إقصائها بأي ثمن.. إنها مرحلة اختيار المصرف القادر على البقاء والمنافسة وخدمة الاقتصاد. والاقتصاد السوداني بعد الحرب يحتاج إلى مصارف تستطيع تمويل إعادة الإعمار، وتمويل الزراعة والصناعة، وتحريك التجارة، واستقطاب مدخرات السودانيين في الداخل والخارج، وتوسيع الشمول المالي، والانتقال من التعامل النقدي إلى الاقتصاد الرقمي.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم مصرفاً سيبقى بعد توفيق الأوضاع؟ السؤال الأهم هو: ما نوع المصارف التي نريدها للسودان في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار؟
إذا نجح بنك السودان المركزي في إدارة هذه المرحلة وفق معايير شفافة، وإذا تعاملت المصارف معها باعتبارها فرصة لإعادة البناء لا مجرد عبء رقابي، فقد يكون منشور رأس المال رقم (4/2026) نقطة بداية لإعادة تشكيل جهاز مصرفي أكثر قوة وكفاءة.. أما إذا اختزلنا الأمر في الوصول إلى رقم رأس المال فقط، فسوف نكون قد عالجنا الشكل وتركنا جوهر المشكلة.
رأس المال مهم، لكن المصرف القوي ليس هو المصرف الذي يملك رأس مال أكبر فقط؛ بل هو المصرف الذي يستطيع أن يحول هذا الرأس المال إلى ثقة وتمويل وإنتاج ونمو.
وربما تكون هذه هي اللحظة المناسبة لأن نطرح السؤال الذي تأخر كثيراً: هل نريد 38 مصرفاً في السودان، أم نريد جهازاً مصرفياً قوياً يستطيع أن يحمل اقتصاد السودان إلى مرحلة ما بعد الحرب؟
** خبير تخطيط استراتيجي وتحول رقمي



