ما الذي يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية؟

رمضان أحمد
بينما تنشغل أنظار العالم بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والهجمات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان وسوريا، والحرب الروسية الأوكرانية، وغيرها من الأحداث المتلاحقة، تمرّ الولايات المتحدة الأمريكية بتحولٍ داخليٍّ بالغ الأهمية، قد يكون الأكثر تأثيراً في مستقبل العالم خلال العقود القادمة. هذا التحول، رغم كونه أقل ظهوراً في عناوين الأخبار، إلا أنه يحمل في طياته تداعياتٍ استراتيجيةً كبرى.
سنستعرض في هذا المقال أبرز ملامح هذا التحول الأمريكي، وانعكاساته المتوقعة على المشهد الدولي في السنوات المقبلة.
خلفية التحول: من “أمريكا أولاً” إلى مواجهة غير متوقعة
فاز الرئيس ترامب بالانتخابات الرئاسية على وقع شعار “أمريكا أولاً”، وهو الشعار الذي لاقى قبولاً واسعاً لدى اليمين المسيحي وشريحة كبيرة من الأمريكيين الذين أصابهم الإحباط من السياسيين التقليديين، متهمين إياهم بإيلاء مصلحة إسرائيل أولوية على مصالح الشعب الأمريكي. وقد عزز تأييد ترامب تعهده بعدم الانخراط في حروب جديدة، مما عكس تحولاً واضحاً في المزاج العام الأمريكي، نتيجة التداعيات السلبية للسياسات الخارجية السابقة على الاقتصاد ومستوى المعيشة.
غير أن دخول ترامب في تحالف عسكري مع إسرائيل ضد إيران، فاجأ الرأي العام الأمريكي، وأحدث زلزالاً سياسياً وإعلامياً غير مسبوق، حيث وقفت أكثر من تسعين بالمئة من وسائل الإعلام الأمريكية في مواجهة الرئيس، في مشهد نادر بلغ حد التضامن العلني مع إيران!! وفيما يلي أبرز مظاهر هذا التحول الدراماتيكي:
أولاً: تشكيك المحللين في جدوى الحرب
منذ الأيام الأولى، أكد محللون أمريكيون بارزون أن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا في موقع يسمح لهما بالفوز على إيران، مما أثار موجة من القلق بين الأمريكيين، خاصة مع انعكاس الحرب على الأسعار والمعيشة، وتراجع القدرة الشرائية للطبقة الوسطى.
ثانياً: انقلاب كبار الإعلاميين المحافظين على ترامب
شهد المشهد الإعلامي انقلاباً لافتاً من قبل أبرز وجوه الإعلام اليميني، أمثال تاكر كارلسون، وكانديس أوينز، وميغين كيلي، وغيرهم، الذين قادوا حملات رأي عام شرسة ضد الرئيس، بعد أن كانوا من أشد الداعمين له.
ثالثاً: تراجع الخطاب المعادي للإسلام والمسلمين
هؤلاء الإعلاميون أنفسهم، الذين قادوا لسنوات حملاتٍ سلبيةً ضد الإسلام والمسلمين، أعلنوا – بعد الحرب – أنهم كانوا ضحية تضليلٍ إعلامي، وتحولوا إلى نقادٍ أشدّاء لإسرائيل، وكشفوا ما وصفوه بـ”ألاعيبها ومؤامراتها” ضد الولايات المتحدة.
رابعاً: تحول معاداة إسرائيل إلى ورقة رابحة انتخابياً
في السابق، كان تأييد إسرائيل بمثابة بطاقة عبور إلزامية للفوز في الانتخابات الأمريكية على مختلف المستويات. أما اليوم، فقد انعكس المشهد تماماً؛ إذ أصبح التصريح بمعارضة السياسات الإسرائيلية مؤشراً على النجاح الانتخابي، بدءاً من فوز “ممداني” في بلدية نيويورك، مروراً بالاكتساح الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي لعدة ولايات، لصالح مرشحين يتبنون مواقف ناقدة لإسرائيل.
التحول الأبرز: كسر قدسية “إسرائيل أولاً”
ربما كان أخطر مؤشرات هذا التحول، تصريح نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، حين قال: “مصلحة أمريكا قبل مصلحة إسرائيل”، وذلك رداً على الموقف الإسرائيلي المتعنت، عندما أعلنت أنها ليست ملزمة بأي اتفاق مع إيران، ولن توقف حربها على لبنان. بهذا التصريح، هدم فانس أحد أهم الأسس الفكرية التي قامت عليها السياسة الخارجية الأمريكية لعقود، وهي تفضيل مصالح الكيان الإسرائيلي على المصالح الوطنية الأمريكية.
خلاصة: تحول استراتيجي في الموقف الشعبي والرسمي
شكّلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نقطة تحول جذرية في المزاج السياسي الأمريكي، ووضعت اللوبي الصهيوني في موقف دفاعي صعب. فقد انهارت العقود الطويلة من الدعاية السلبية ضد العرب والمسلمين في الإعلام الأمريكي، بينما تصاعدت التساؤلات الشعبية حول جدوى دعم إسرائيل بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين. والأكثر لفتاً، أن وسائل الإعلام الأمريكية باتت تناقش، ولأول مرة وبصورة واسعة، الظلم الواقع على الفلسطينيين، والعدوان الإسرائيلي على الدول المجاورة، وذلك في مشهد كان مستبعداً حتى وقت قريب.
لا شك أن هذا التحول في المشهد السياسي الأمريكي الداخلي يحمل في طياته تداعيات إيجابية عميقة، خاصة إذا ما ترجم إلى تغيير جوهري في مسار السياسة الخارجية للولايات المتحدة. فتراجع النفوذ الأمريكي على الساحة الدولية، وإن كان يحمل في طياته مخاطر، إلا أنه قد يفتح الباب أمام قوى صاعدة تسهم في إعادة رسم ملامح التوازن العالمي، بما يكسر احتكار القطب الواحد للقرار الدولي.
إن تقلص الهيمنة الأمريكية لا يعني بالضرورة فراغاً، بل قد يعني، في سياقه الأوسع، إعادة الاعتبار للإرادات الشعبية التي طالما طُمست تحت وطأة الإرادة الإمبريالية. وعندها، ستتمكن الشعوب، من خلال صناديق الاقتراع، من التعبير عن خياراتها الحقيقية، دون أن تُفرض عليها نخب سياسية أو عائلية أو عسكرية، لصيقة بالمصالح الغربية، على حساب مصالحها الوطنية.
وهذا بدوره قد يؤدي إلى:
• استقرار سياسي حقيقي، ينبثق من شرعية شعبية، لا من توافق نخبوي مفروض.
• بناء دولة المؤسسات والقانون، التي تكون فيها السيادة للشعب، لا للوصاية الخارجية.
• تصحيح مسار الدول التي شهدت انقلابات على إراداتها، أو فرضاً لنماذج حكم لا تعبّر عن تركيبها الاجتماعي ولا تطلعاتها المستقبلية.
فالتحول الأمريكي، إذا ما جرى بوتيرة مسؤولة، قد يشكّل منعطفاً تاريخياً يعيد للشعوب صوتها، وللدول استقلال قرارها، وللنظام الدولي توازناً أكثر إنصافاً، يقوم على الاحترام المتبادل، لا على الإملاء والتبعية.



