رأي

من القطن إلى القيمة: حكاية صناعة النسيج السودانية من مجد الماضي إلى اقتصاد المستقبل (1-4)

نعمان يوسف محمد **

كان يمكن للسودان أن يكتب جانباً مهماً من قصة اقتصاده الحديث من خلال محصول واحد وهو القطن الذي لم يكن مجرد محصول نقدي يخرج من مشروع الجزيرة إلى الأسواق العالمية، بل كان حلقة وصل بين الأرض والماء والمزارع والمصنع والتجارة والنقد الأجنبي. ومن حوله نشأت واحدة من أهم محاولات بناء اقتصاد إنتاجي يربط الزراعة بالصناعة ويحول الموارد المحلية إلى قيمة اقتصادية.

بدأت تجربة زراعة القطن في طيبة بالجزيرة عام 1911، ثم تطورت مع إنشاء سد سنار وشبكة الري، واكتمل السد عام 1925، وفي الموسم الأول جرى ري نحو 80 ألف فدان. وقد مثلت الجزيرة بيئة مثالية لهذا المشروع بفضل خصوبة أراضيها ومياه النيل الأزرق وإمكانات الري بالجاذبية.

لكن مشروع الجزيرة لم يكن مجرد مشروع زراعي؛ فقد نشأ في سياق اقتصادي أوسع هدفه إنتاج القطن بكميات كبيرة وتوفير مادة خام لصناعة النسيج. ومنذ بداياته تشكلت علاقة بين الحكومة والمزارعين وشركة السودان الزراعية، تقاسمت فيها الأطراف عوائد الإنتاج وفق نظام محدد، قبل أن تنتقل وظائف الشركة لاحقاً إلى مجلس الجزيرة.

وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها لم تفصل المزارع عن السوق، ولا الإنتاج عن التمويل والتسويق والإدارة. فقد بدأت مبكراً ملامح منظومة اقتصادية متكاملة، وإن كانت القيمة الأكبر للقطن لا تزال تتحقق خارج السودان.

حين أصبح القطن قوة اقتصادية:

سرعان ما أصبح القطن أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية للسودان. وتظهر بيانات صندوق النقد الدولي حجم الدور الذي لعبته صادراته خلال سنوات الازدهار. ففي الفترة 1947–1951 حقق السودان فائضاً تجارياً تراكمياً بلغ نحو 61.7 مليون جنيه سوداني، وفائضاً في الحساب الجاري بنحو 50.1 مليون جنيه، بينما ارتفعت الاحتياطيات الرسمية بنحو 38.4 مليون جنيه.

وكان عام 1951 استثنائيا؛ إذ بلغت عائدات صادرات القطن نحو 47.5 مليون جنيه، من إجمالي صادرات بلغت 79.6 مليون جنيه، أي ما يقارب 60% من قيمة صادرات البلاد.

لم يكن ذلك مجرد نجاح لمحصول زراعي. فقد كان القطن يؤثر مباشرة في قدرة السودان على تمويل وارداته وتكوين احتياطياته من النقد الأجنبي. لكن تجربة 1952 كشفت أيضا هشاشة الاعتماد على تصدير سلعة خام، عندما تراجعت عائدات القطن من 47.5 مليون جنيه إلى 29 مليونا، وانخفض إجمالي الصادرات من 79.6 مليونا إلى 46.7 مليون جنيه.

كان الدرس واضحا: الثروة الزراعية وحدها لا تكفي، ما لم تتحول إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.

من القطن إلى الصناعة:

من هنا بدأ السؤال الطبيعي: لماذا يصدر السودان القطن ولا يصنع منه الخيط والقماش والملابس؟

وهكذا، تطور قطاع الغزل والنسيج تدريجيا، مستفيدا من قرب مصانع عدة من مناطق إنتاج القطن، وخاصة في الجزيرة. وتشير وثائق منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية إلى أن صناعة النسيج أصبحت قطاعا مهما في الهيكل الصناعي السوداني، مع إمكانات للتوسع في الغزل والنسيج والمناشف والسجاد والمفروشات والملابس الجاهزة.

لم تكن الفكرة في جوهرها إنشاء مصانع متفرقة، وإنما بناء صناعة تستفيد من المادة الخام المحلية وتضيف إليها قيمة متزايدة قبل وصولها إلى المستهلك أو السوق الخارجية. وكانت ود مدني والحصاحيصا من أبرز البيئات المرشحة لهذا الدور بحكم موقعهما وصلتهما بمناطق الإنتاج والأسواق وشبكات النقل.

ود مدني وذاكرة الصناعة:

في قلب الجزيرة، أصبحت ود مدني واحدة من المدن التي ارتبط اسمها بالصناعة والنسيج. ويبرز في هذه الذاكرة مصنع نسيج النيل الأزرق، الذي لم يقتصر نشاطه على إنتاج القماش، بل شمل مراحل الغزل والنسيج والتجهيز، بما في ذلك التبييض والصباغة والطباعة، إلى جانب إنتاج الأزياء النظامية والمدرسية وبعض الاحتياجات المؤسسية والشاش الطبي. وتكشف هذه التجربة أن السودان امتلك، في مراحل معينة، قدرات صناعية تجاوزت معالجة المادة الخام إلى الاقتراب من المنتج النهائي. وهذه نقطة مهمة في فهم ما فقده الاقتصاد السوداني لاحقا؛ فالتراجع لم يكن في إنتاج القطن وحده، بل في القدرة على تحويله إلى منتجات أعلى قيمة.

ومن الأسماء التي ارتبطت بهذه الرؤية رجل الأعمال الراحل فتح الرحمن البشير، الذي انتقل من التجارة إلى الصناعة وأسس مجموعة “شرف” العالمية، وامتدت أعمالها إلى قطاعات متعددة، من بينها النسيج والملابس الجاهزة. وتذكر سيرته تأسيس مصانع للنسيج، من بينها مصنع النيل الأزرق للنسيج ومصنع نسيج ود مدني ومصنع نسيج الهدى، إلى جانب تصدير الغزول القطنية إلى عدد من الأسواق الخارجية.

كانت هذه التجربة تعبر عن مفهوم اقتصادي يتجاوز تجارة القطن إلى الاستثمار في المراحل التي تليه، لأن القيمة الحقيقية لا تتولد فقط عند إنتاج الخام، وإنما تتضاعف كلما أمكن تحويله إلى منتج أكثر تعقيدا وقابلية للتسويق.

وتكتسب تجربة مصنع المناقل للنسيج المرتبط باتحاد المزارعين أهمية خاصة، لأنها طرحت سؤالا لا يزال صالحاً اليوم: لماذا يكون المزارع مالكا للمادة الخام فقط، بينما تتولد القيمة الأكبر في المراحل التالية بعيدا عنه؟

إن دخول المزارعين، عبر مؤسساتهم، إلى مجال التصنيع كان محاولة لربط المنتج الزراعي بالقيمة المضافة، بحيث لا تقتصر علاقة المزارع بالصناعة على توريد القطن. وهذه الفكرة يمكن أن تكون أكثر أهمية في المستقبل، إذا امتلكت تعاونيات المزارعين أو شركاتهم حصصاً حقيقية في المحالج ومصانع الغزل والنسيج والملابس.

الحصاحيصا وتجربة الصناعة المتكاملة:

شهدت الحصاحيصا كذلك تجربة صناعية مهمة، وكان مصنع الصداقة جزءا من الطموح لبناء قاعدة للغزل والنسيج. ومع التوسع الصناعي في الستينيات والسبعينيات، انتقل التفكير تدريجيا من إنشاء مصانع منفردة إلى بناء قاعدة إنتاج قادرة على خدمة السوق المحلي والمساهمة في التصدير. وتشير وثائق منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية في أواخر السبعينيات إلى المكانة المتقدمة التي احتلتها صناعة النسيج ضمن الهيكل الصناعي السوداني، وإلى وجود مصانع كبيرة قائمة أو تحت التنفيذ بهدف تقليل الاعتماد على الواردات وزيادة التصنيع المحلي وفتح فرص التصدير. فكان الاتجاه الاقتصادي صحيحا في جوهره متمثلا في استخدام المادة الخام المحلية، وتقليل استيراد المنتجات المصنعة، وخلق وظائف، وتوليد قيمة مضافة داخل السودان، ثم الانتقال إلى الأسواق الخارجية.

عندما انكسر النظام الصناعي:

لكن المشكلة لم تكن دائماً في غياب المصانع، بقدر ما كانت في ضعف البيئة التي تجعل المصنع قادرا على الاستمرار. فالمصنع يحتاج إلى كهرباء مستقرة، وقطع غيار، وتمويل، وعمالة ماهرة، وإدارة كفؤة، ومدخلات إنتاج، وأسواق، ونقل، ونظام مصرفي قادر على خدمة الصناعة، وسياسات مستقرة تسمح للمستثمر بالتخطيط لسنوات لا لأشهر. ومع تراكم الاختلالات، بدأت الطاقات الصناعية تتراجع. وأشارت دراسات فنية إلى مشكلات متكررة في الطاقة وقطع الغيار والكوادر والتخطيط، إضافة إلى اختلالات في مراحل الغزل والتجهيز. و وفق بيانات متداولة عن القطاع، تراجع إنتاج الأقمشة من نحو 274 مليون متر في السبعينيات إلى نحو 13.72 مليون متر عام 2003.

كان ذلك أكثر من تراجع في الإنتاج؛ كان فقدانا تدريجيا لقدرة اقتصادية تراكمت عبر عقود. فحين يتوقف المصنع، لا تتوقف الآلة وحدها. تتعطل معها خبرات فنية، وتختفي وظائف، وتتراجع أسواق الموردين، ويفقد المزارع مشتريا محليا، ويفقد الاقتصاد قيمة مضافة، وتزداد الحاجة إلى استيراد ما كان يمكن إنتاجه محليا. لهذا فإن السؤال الصحيح عند التفكير في إعادة بناء الصناعة بعد الحرب ليس فقط: كم تكلف إعادة تشغيل المصنع أو شراء آلات جديدة؟ بل: كيف نعيد بناء سلسلة القيمة بأكملها، ونستعيد ما يمكن استعادته من المعرفة والخبرات والأسواق والمؤسسات؟

صناعة النسيج ليست مصنعاً:

القصة الحقيقية لصناعة النسيج السودانية لم تكن قصة آلات ومباني، بل قصة منظومة بدأت من الأرض والماء والمزارع والقطن، ثم امتدت إلى المحالج والغزل والنسيج والتجهيز والملابس والأسواق والتصدير. فكل مرحلة كانت تضيف قيمة جديدة، وتخلق وظائف ودخلاً وفرصاً للاستثمار، وتقلل الحاجة إلى استيراد المنتجات المصنعة، وتفتح باباً للحصول على النقد الأجنبي.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في التجربة السودانية: امتلكنا الأرض والماء والقطن، وبنينا مصانع وخبرات، لكننا لم ننجح في الحفاظ على المنظومة التي تربط هذه الحلقات ببعضها وتضمن استمرار القيمة داخل الاقتصاد الوطني. ولذلك فإن استعادة صناعة النسيج بعد الحرب لا ينبغي أن تكون محاولة لإحياء الماضي كما كان، بل فرصة لإعادة بناء صناعة أكثر تكاملا وقدرة على المنافسة، تبدأ من القطن ولكنها لا تتوقف عنده.

وهنا نصل إلى السؤال الذي يقودنا إلى المقال الثاني: إذا كان السودان قد امتلك القطن والمصانع والخبرات، فلماذا لم يحتفظ بالقيمة الأكبر التي يولدها هذا المورد؟ وأين ذهبت القيمة المضافة التي كان يمكن أن تتحول إلى إنتاج ووظائف وصادرات ونقد أجنبي؟

**مصرفي سابق – استشاري التطوير المؤسسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى