رأي

انقلاب النيجر والآثار المترتبة على السودان

 

د حسن عيسى الطالب

الانقلاب الفاشل الذي أحبطته حكومة النيجر في نيامي العاصمة، ضد حكومة الجنرال عبدالرحمن تياني، يوم السبت 29 أغسطس 2026م الجاري، والذي قامت به مجموعة مسلحة أطلقت على نفسها: “القوات المسلحة لإستعادة الوطن FARP” لا يمكن عزله عن مجريات وإفرازات حرب الكرامة، ومن خلاله تستهدف الأطراف الدولية الداعمة للمخطط ولميليشيا الدعم السريع، تواصل واستدامة الدعم اللوجستي، عبر حصار البلاد من قبل الجيران الأقربين كإثيوبيا وتشاد وشرقي ليبيا. فالمعروف أن النيجر تربطها حدود مشتركة مع كل من تشاد وليبيا؛ وأن انضمامها لمنظومة الحصار يضمن استمرار تدفقات السلاح والمرتزقة للميليشيا، التي انضم لصفوفها في السابق العديد من مرتزقة عرب الشتات، وخاصة من النيجر. ولا يخفى ما لرئيس النيجر المعزول محمد بازوم من علاقات وثيقة مع القادة المتمردين في ميليشيا الدعم السريع، إذ تربطه معهم علاقة العرق والقبيلة والتنسيق المشترك، لإقامة كيان سياسي جامع، كان في السابق يطلق عليه: “دولة عرب جهينة”.

ولذا فقد استهدف المخطط الإنقلابي السيطرة على القاعدة الجوية رقم 101 المتخصصة في عمليات طائرات الدرونز، ومطار ديوري هاماني الدولي، والقصر الرئاسي، وهيئة التلفزيون القومي، قبل استعادة السلطات الرسمية مقاليد الحكم، وقمع التمرد بقيادة الحرس الجمهوري، والقوات الخاصة، وبمساعدة فنية من قوات الفصيل الأفريقي للإتحاد الفيدرالي الروسي Africa Corps بما يدل على طبيعة وشكل المعركة القادمة للأطراف، لا سيما بعد افشال القوات المسلحة السودانية مخطط الحرب البرية، وحرب المدن، وانكسار الميليشيا في كافة مسارح عمليات معركة الكرامة، بما أفضى لتنفيذ بنود اتفاقية جدة في مايو 2023م على أرض الواقع، عبر قوة فرض سلطة وحكم القانون، وتعزيز المشروعية الدستورية، فأصبحت مدينة الدَبّة هي نقطة التجمع الوطنية المركزية لكل من رجع للوطن، وثاب وآب، واستغفر فتاب، ونبذ القبلية والعنصرية الجهوية.

فمن تلقاء ذلكم انتهج الرعاة الخطة B وتتمثل في فرض حصار إقليمي على السودان من الجوار المباشر، وعبر الاستخدام المكثّف للطيران، بما في ذلك الطيران المُسيّر.
وبالطبع ليس من العسير قراءة تلكم الخارطة من تلقاء اطروحات مندوبي الدول الراعية، التي برزت بوضوح فاضح في بياناتهم المتلوة إبان مداولات جلسة مجلس الأمن حول الأوضاع في السودان، بتاريخ 24 أغسطس الجاري، ومن تلك الدول فرنسا، التي كانت تحوز حصرياً على كل انتاج النيجر من اليورنيوم عبر شركة Orano إذ ترى فرنسا أن مجموعة دول الساحل AES والتحالف التكاملي الذي أعلنته في سبتمبر 2023م وضم مع النيجر دولتي بوركينا فاسو ومالي، وأصبح مفتوحا للدول المجاورة، يمثل تحديّا استراتيجيا سافراً ومناهضا لسياساتها في القارة. وكذلك للتخوف من تأثر تلكم الدول بتجربة السودان الاستقلالية التحررية، منذ الإستقلال، والمنعتقة عن إسار الاستعمار السياسي، والهيمنة الاقتصادية والثقافية والتشريعية، وظلت افرازاتها السالبة معوّقة لانسياب مخططات دول الاستعمار الجديد في القارة الأفريقية البكر، التي ظلت في تردٍ تنموي مستدام، وتخلف مستطال، ومنذ الستينيات من القرن الماضي، عندما حققت أفريقيا الإستقلال السياسي الإسمي، فلم تتقدم اقتصاديا، ولا سياسيا، ولا تكامليا، وظل الحاكم في معظم البلدان الأفريقية، ومنذ الإستقلال، أسيراً لأهداف الخارج، ومخططات الغزاة الوافدين، والمستعمرين السابقين. وعلماً بأن النيجر لا تزال تتعرض لهجمات متواترة من حركات انفصالية ومتطرفة، ومصنّفة إرهابيا من قبل فرنسا ومعظم الدول الغربية.

كذلك لا يمكن عزل حركة “القوات المسلحة لإستعادة الوطن” عن نظام الحكم السابق الحليف لفرنسا، ولا من التماهي مع حركات مماثلة في الجوار، كحركة الوحدة التشادية الأفريقية MUTA التي يترأسها أصيل مناني، وأعلنت التمرد المسلح في شمال وشرق تشاد، وتدعو لتجميع عرب تشاد والمنطقة لتشكيل منظومة تحظى بدعم الدول الغربية، وترتبط بعلاقات مع حركة خليفة حفتر المسيطرة على شرقي ليبيا، والداعمة للميليشيا. ومن تلقاء ذلكم فيمكن تشكيل دولة مستقلة تضم عرب الشتات في كل من النيجر وليبيا وتشاد والسودان، ويمكن أن تمتد حدودها لجمهورية مالي وبوركينا وحتى السنغال، للسيطرة على كل المنطقة ما بين البحر الأحمر والمحيط الأطلسي، منطقة السودان الجغرافي والديمغرافي، التي تمثل المساحة الحيوية الأفريقية، ذات الموارد الأساسية غير المستقلة، التي يجري حولها التنافس المحموم بين أمريكا ترامب من طرف، وبين الصين والإتحاد الفيدرالي الروسي من طرف آخر.

وعطفا على ذلكم فيتعين على مجلس السيادة اعتماد خطة للتواصل اللصيق مع قادة تلك الدول وللعلاقات التاريخية التي تربطها بالسودان. ويتعين توجيه وزارة الخارجية بالتواصل مع مجموعة دول الساحل، وكافة دول الجوار الصديقة للسودان، لتفعيل آلية للتشاور والتنسيق، لحماية الأمن القومي والإقليمي المشترك، ومحاصرة كافة المخططات التآمرية الناشزة، وقمع الحركات المسلحة المتفلتة، وتفعيل التنسيق الدفاعي والأمني الميداني. فذلك جزء لا يتجزأ من عمليات معركة الكرامة، وبدونه لا يتوقع تحقيق أي نصر مستدام.
كذلك ينبغي الاستفادة من استغلال الخبرات الوطنية في كافة التخصصات، وتعزيز الذاكرة الخبراتية والعملياتية والتواصل المؤسسي، استثماراً للموارد البشرية الوطنية الثرّة والمتاحة، واستهداء بالتجارب الدولية، ودروسها المستفادة، في مضمار استنفار المحاربين القدماء، وتوظيف أرباب التخصصات المهمة التي تحتاجها مرحلة إعادة الإعمار والتعمير، وفاءً للوطن، وإعزازاً لمواطنيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى