رأي

سردية الحرب وأفق السلام (3-7) التحالفات السياسية .. المشهد بعد الثورة

تاج الدين بانقا

بعد ثورة ديسمبر، دخل المشهد السياسي مرحلة معقدة، حيث قامت قوى الحرية والتغيير بتصنيف كل القوى التي شاركت في نظام الإنقاذ على أنها “فلول للنظام السابق”، بغض النظر عن أسباب أو مبررات تلك المشاركة. ولم يستثنِ هذا التصنيف حتى الحركات المسلحة التي حاربت النظام لسنوات طويلة، ثم عادت عبر اتفاقيات السلام، سواء التي وُقّعت داخل البلاد، أو في الخارج (نيفاشا؛ القاهرة؛ أسمرا؛ أبوجا؛ الدوحة) ، كما شمل هذا الإقصاء قوى سياسية كانت قد عارضت النظام في فترات مختلفة، و دخلت في مشروع الحوار الوطني الذي بدأ في 2014 استجابة لنداءات الإصلاح والتغيير السلمي، إضافة إلى مجموعات خرجت من داخل الحزب الحاكم نفسه احتجاجاً على ممارساته في إدارة الدولة. وقد انخرطت قطاعات واسعة من الشباب المنتمين لهذه الأحزاب في الحراك الثوري، وشاركوا بفاعلية في الاعتصامات والمظاهرات، إلا أن ذلك كله لم يشفع لهم في ميزان قوى الحرية والتغيير، حيث تم استبعادهم ووصمهم بالفلول و بصفات تقلل من دورهم السياسي.

ورغم هذا الإقصاء، واصلت هذه القوى نشاطها السياسي، إيمانًا منها بأنها قوى حقيقية لا يمكن عزلها بقرارات فوقية، سواء كانت تلك القرارات ذات طابع محلي أو مدفوعة بتأثيرات خارجية. وقد انخرطت هذه القوى في حراك سياسي واسع، رافعة شعارات التحول الديمقراطي ، ومطالبة بفرصة عادلة للمشاركة في صياغة مستقبل البلاد، أو على الأقل الاعتراف بها كطرف في العملية السياسية مع تأكيد أنها لاترغب في مشاركة في الحكم في الفترة الانتقالية وأنها مشغولة بإعداد قواها للانتخابات القادمة.

وخلال هذه الفترة بدأت تتشكل تحالفات سياسية متعددة، من بينها تحالفات لا تزال فاعلة حتى اليوم، مثل تحالف سودان العدالة (تسع) ، و تحالف الحراك الوطني، إضافة إلى تيارات أخرى تشكلت استجابة للتطورات السياسية المتسارعة. كما ظهر تحالف التيار الإسلامي العريض من قوى ذات مرجعية إسلامية، ضم أحزابًا وتيارات مختلفة.

عقب أحداث فض الاعتصام، تجددت محاولات توحيد هذه التحالفات في إطار تنسيقي أوسع، يهدف إلى إدارة المرحلة الانتقالية بصورة تشاركية. وقد وُجّهت دعوات لقوى الحرية والتغيير للانضمام إلى هذا المسار، انطلاقًا من قناعة بأن استبعاد أي طرف سيقود إلى تعقيد المشهد وربما انزلاق البلاد نحو العنف والانقسام. إلا أن هذه الدعوات قوبلت بالرفض من الحرية والتغيير. وبالفعل قامت تنسيقية القوى الوطنية السياسية عدا الحرية والتغيير.

في تلك الأثناء، تكثفت الجهود الإقليمية والدولية، بمشاركة الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، وعدد من السفارات، لدعم تسوية سياسية في السودان. وقد أسفرت هذه الجهود (وساطة الرباعية) بتوقيع الوثيقة الدستورية بين قوى الحرية والتغيير والمكون العسكري، إيذانًا ببدء المرحلة الانتقالية.

أسمت قوى الحرية والتغيير نفسها “المكون المدني” في مقابل “المكون العسكري” الذي مثله الجيش والدعم السريع، وبدأت في ممارسة السلطة في ضوء ما أقرته الوثيقة الدستورية.

ورغم ذلك، لم تتوقف القوى السياسية المستبعدة عن طرح المبادرات، سواء الحزبية أو المجتمعية، إيمانًا منها بضرورة الحوار الشامل الذي لا يستثنى أحداً، وبأن المسار الذي تسير فيه الشراكة الحاكمة لن يفضي إلى استقرار وتحول ديمقراطي.

تحالفات ما بعد الحرب:

شهد المشهد السياسي السوداني، في الفترة التي سبقت اندلاع الحرب، حراكًا سياسيًا واسعًا اتسم بحدة الاستقطاب والانقسام داخل المجتمع السياسي، على خلفية الاتفاق الإطاري . وقد انقسمت القوى السياسية آنذاك إلى تيارين رئيسيين:
تيار تتبناه قوى الحرية والتغيير – المجلس المركزي، والذي يُمثَّله اليوم في المشهد «تحالف صمود»، مع تطور لافت تمثّل في انضمام بعض القوى السياسية التي كانت تُصنَّف سابقًا ضمن معسكر الفلول، لتحالف سياسي يضم ما يسمى بقوى الثورة (قحت مركزي) .إذ كانا في معسكرين متقابلين. و يمثّل ذلك تطورًا نوعيًا في بنية التحالفات السياسية.

في المقابل، برز تيار سياسي آخر رافض للاتفاق الإطاري، لاعتباره محاولة للعودة إلى الوراء عبر إعادة تمكين قوى الحرية والتغيير وإحياء وضعها السابق ، بعد أن فقدت مواقعها إثر قرارات 25 أكتوبر 2021، واستمر هذا الاستقطاب الحاد بين التيارين حتى اندلاع الحرب.

في صبيحة الخامس عشر من أبريل 2023، اندلعت الحرب بعد فترة من التوتر المتصاعد مع كثافة تحشيد قوات الدعم السريع في مواقع استراتيجية وحيوية بالعاصمة، إضافة إلى تحركات عسكرية أخرى، من بينها الانتقال إلى مروى دون إذن الجيش كما جاء في بيانه وقتها، في ظل احتقان متواصل انتهى بالانفجار العسكري في ذلك التاريخ و بدء حرب العدوان التي شنتها قوات الدعم السريع ليس على المواقع العسكرية فحسب بل شملت المرافق المدنية والخدمية وحتى مساكن المدنيين المسالمين وامتدت للقرى الأرياف.

في المقابل، اصطفّت قوى سياسية وطنية ووصفت الحرب بأنها عدوان تشنه مليشيا متمردة على السلطة الشرعية، وعلى القوات المسلحة التي قامت، وفقًا لدورها الدستوري، بالتصدي لهذا التمرد. واعتبرت هذه القوى أن من واجبها السياسي والوطني مساندة القوات المسلحة في هذه المعركة.

وفي هذا السياق، انطلقت تحركات سياسية واسعة لتوحيد الصف الوطني الداعم للقوات المسلحة، وكان أول تجمع سياسي كبير هو «تجمع القوى الوطنية» في ضاحية أركويت بشرق السودان بمبادرة من الناظر محمد الأمين ترك، باسم المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، وشملت الدعوة مختلف القوى السياسية والمجتمعية والوطنية. وقد عُقدت مؤتمراتها في يوليو وسبتمبر 2023، و أُعلنت خلالها مقررات واضحة تؤكد دعم القوى السياسية والمدنية والمجتمعية للقوات المسلحة.

تلا ذلك حراك سياسي في القاهرة وأسمرا وعواصم أخرى وداخل السودان، شاركت فيه قوى سياسية متعددة، من بينها الكتلة الديمقراطية التي تشكلت عبر توسيع تحالفات الحرية والتغيير – التوافق، بعد انضمام الحزب الاتحادي الأصل ومجلس نظارات البجا، كما ضم هذا الحراك تحالف سودان العدالة، وتحالف العودة لمنصة التأسيس، وتحالف الخط الوطني، إضافة إلى التنسيقية الوطنية للقوى الوطنية التي نشأت بعد الحرب كمحاولة لتنسيق المواقف بين الكتل المختلفة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى كتلة قائمة بذاتها.

إلى جانب ذلك، واصلت بعض الأحزاب السياسية العمل خارج الأطر التحالفية، دون الانضمام رسميًا لأي تحالف، لكنها ظلت حاضرة في المشهد السياسي، مثل المؤتمر الشعبي، والاتحادي الديمقراطي والوطني الاتحادي، وغيرها من القوى الوطنية.

وقد نجحت هذه القوى، عبر مؤتمرات وورش ولقاءات عديدة ، في بلورة رؤية سياسية موحدة قُدّمت إلى مجلس السيادة ومجلس الوزراء في مناسبات متعددة. وشملت هذه الرؤية توصيات مؤتمرات أركويت ، وإعلان بورتسودان 2024، وخارطة الطريق الصادرة في فبراير ونوفمبر 2025، إضافة إلى الرؤية التي قُدّمت للاتحاد الإفريقي في يوليو 2024، والتي جرى التأكيد عليها وتجديدها خلال اجتماعات لاحقة في فبراير 2025.

ومازالت هذه القوى عبر تحالفاتها وأجسامها المختلفة تواصل المسير مساندة للجيش في حسم المعركة وتصميم عملية سياسية شاملة تقود الي انتقال رشيد وتحول ديمقراطي سلس.

نواصل،،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى